يحمل تاريخ النهضة في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.. أسماء لبنانية بارزة ساهمت في إرساء معالمها.. في المسرح عرفت مصر يعقوب صنوع, وفي الصحافة عرفت أديب اسحاق.. وفرح أنطوان وغيرهم.. وفي الشعر خليل مطران. وتحت عنوان (أيام لبنان في مصر 1840 ـ 1940) نظمت السفارة اللبنانية في القاهرة ملتقى ثقافي بدار الأوبرا المصرية.. تحدث فيه المثقفون ورجال الفكر عن الرواد اللبنانيين في كل هذه المجالات وفي كلمة للمفكر المصري الكبير محمود أمين العالم عن علاقة الشعر والرواية اللبنانية بنهضة الأدب في مصر قال مستهلا كلامه بلمسة ذاتية: مازلت أذكر في أواخر العشرينيات أن أول ما قرأت كان كتابا عن (آفاق العلم) كتبه (يعقوب صنوع) وظل هذا الكتاب يلازمني لفترات طويلة.. وأذكر أن أول مقالة كتبها كانت عن مستقبل الشعر العربي ونشرت في مجلة (المقتطف) في منتصف الأربعينيات أما كتاب (الثقافة المصرية) الذي ألفته في السبعينيات فقد نشر في إحدى دور النشر ببيروت وذلك عندما كنت من المغضوب عليهم في مصر.. ومنذ ثلاثة أعوام تقلدت من جماعة (خليل مطران) باستراليا أول وشاح فخري وفي شمال بيروت في قاعدة الثقافة والمقاومة تم تكريمي مؤخرا مع مجموعة من زملائي العرب.. وبالتالي أنا أؤرخ لحياتي بهذه العطايا اللبنانية. نهضة ثقافية وأضاف العالم: السنوات المئة التي عبر فيها الرواد اللبنانيون من بيروت الى القاهرة كانت أعمق من مجرد رحلة عبور فأقولها بغير مجاملة لقد كانت مشاركة في تعميق عمليات المقاومة والتثقيف العربي وبالرغم من أن المثقفين الذين هاجروا من أوائل القرن كانوا على مستوى عال من المعرفة إلا أنهم أرادوا منذ البداية ألا يكونوا فرقا منعزلة عن الكيان المصري بل سرعان ما اندمجوا في كل القضايا المصرية ولهذا كانوا قوة تضاف لمثقفي مصر.. فقد جاءوا وأصدروا جرائد ومجلات وقدموا منابرا ثقافية شاركت في التفتح العقلاني والعلمي, في الوقت نفسه أسهم بعضهم في مقاومة الاحتلال البريطاني جنبا الى جنب مع المناضل المصري. وأوضح العالم أن (أديب اسحاق) أنشأ جريدة مصر ثم الجريدة التجارية وتم اغلاقها لظروف أمنية وعندما نفي الى باريس أنشأ جريدة (القاهرة) التي لعبت دورا كبيرا في مقاومة الاحتلال. كما أنشأ (فرح أنطوان) مجلة الجامعة وجرائد المحروسة والأهالي واتخذ لهم شعارا واحدا هو (الاتحاد والارتقاء) . وواصل فرح أنطوان نضاله الفكري من خلال الرواية فكتب (وحش, وحش) و(أورشليم الجديدة) وألف كتاب عن ابن رشد وأسس الدفاع عن العقلانية في مواجهة التشدد الديني الذي كان حديث مثقفي مصر. وأضاف العالم: ساهم الحرص اللبناني في تأسيس الفكر الجديد في العمل الروائي مما كان له أبلغ الأثر عند مثقفي مصر فاستقبلوا أعمال (جورج زيدان) الروائية التي اتخذ من الروايات التاريخية منبرا في كل أعماله التي تعد توثيقا مهما لكل التراث واستخداما للتراث لمواجهة الحاضر.. ورغم أن هذا الاسلوب كان على حساب الجوانب الفنية إلا أنها كانت مثار جدل واهتمام كل مثقف مصري.. وفي مجال الشعر هناك ايليا أبوماضي ومطران خليل مطران ولهما عظيم الأثر في تجديد الشعر العربي. اثر المهاجرين ومن هذه النقطة ينطلق الروائي بهاء طاهر ويقول: الأثر اللبناني في مصر لم يتوقف على المهاجرين من بيروت الى القاهرة بل امتد الى المهاجرين الى أوروبا.. وفي تقديري أن (مطران) كان له الفضل في تحديث الشعر من خلال جماعة (أبوللو) الشعرية التي كانت تجمع رؤية مشتركة لكل مثقفي العرب كما يجب ألا ننسى (مي زيادة) جوهرة العقد الثقافي التي أضافت بشخصيتها الرقيقة وحواراتها المضيئة جانبا مهما في نضال الوجوه النسائية الثقافية.. وأذكر أيضا أن عباس محمود العقاد كتب مقدمة (الغربال) لميخائيل نعيمة وقال فيها: لو لم يكتب نعيمة هذه الكلمات لكنت أنا كاتبها.. وأن بين أيديكم الآن هدية من أنفس الهدايا.. وكان البارودي شديد الصلة بمطران خليل مطران وكانا يتراسلان في منفى البارودي وعند مقدمه استقبله مطران بقصيدة خالدة ونفس الحال مع عميد الأدب طه حسين الذي كتب في تأبين مطران (إنك زعيم الشعر المعاصر ما أكثر ما علمت الناس وعلمتني أنا شخصيا) .. وكان بين مطران والعقاد رؤية مشتركة. ويعود المفكر أمين العالم الى تذكره فضل الرواد اللبنانيون على الثقافة المصرية ويقول: هناك مفكر وأديب لبناني أثر فينا جدا وهو (شبل شمبل) الذي كان من أكبر دعاة الاشتراكية والحرية يقف ضد القانون ويقول دائما: (أنا حر لكن غير دستوري) وكان يدعو الى مجتمع قائم على العدل لكن بدون قانون.. يرى أن هذا اللانظام هو النظام بعينه وهو النظام الذي يجب أن يسود.. وسماه جمال الدين الافغاني (حكيم الشرق) . ويعود بهاء طاهر: وسط جولة سريعة للعبور اللبناني الى مصر نجد أنه لم يكن مجرد عبور وتواجد هامشي بل كان اندماجا عضويا وفكريا لم يقف على الجانب النظري وفي رأيي أن هذا ساهم في تأسيس المواطنة العربية المشتركة. وفي النهاية تحدث الدكتور نديم نعيمة عن مصر ولبنان بصفتهما (بوابتا) الشرق الى العالم على امتداد ما يسمى بعصر النهضة وعن دور شاعر القطرين خليل مطران الذي ولد في بعلبك وعاش حياته في مصر كما تحدث عن إيليا أبوماضي بوصفه أحد أهم شعراء عصر النهضة الذي عاش صباه في مصر قبل أن ينتقل الى أمريكا الشمالية.. وتحدث في النهاية عن الرائدة (مي زيادة) واختتم كلامه بجملة ذكرتها مي في تكريم مطران في سراي الجامعة المصرية حيث قالت: (للمواطن أوطانا اذا تجاوزت الأحبة) .