لماذا انفجر الشارع الطلابي الازهري في الاسبوع الماضي واصطدم بقوات مكافحة الشغب فيما عرف بمصادمات (وليمة حيدر) ؟ لماذا انقض طلاب وطالبات الازهر على (وليمة لأعشاب البحر) ؟ هل كان ذلك الانفجار بسبب ما قيل عن تطاول الرواية على الدين؟ اثر المقال التحريضي الذي كتبه د. محمد عباس في صحيفة (الشعب) المصرية؟ طبعا كل الذين تابعوا حكاية (وليمة حيدر) والتظاهرات التي قامت بسببها في مصر والمطالبة بمصادرة الرواية ومنع نشرها, يعرفون بأن قرارا صدر نهاية الاسبوع الماضي يبرئ الرواية وكاتبها من تهمة الاعتداء على الرموز الدينية الكبرى, ويعتبر ما جاء في مقال د. محمد عباس محاولة لاجتزاء نصوص وكلمات من الرواية لم توضع في اطارها الحقيقي فجاءت مقتطعة لا صلة لها بما قبلها وبما بعدها بحيث صار من السهل تجييرها لصالح اهداف كاتب المقال على طريقة (لا تقربوا الصلاة) . د. محمد عمارة في رده على التساؤل حول رأيه في اللجنة الوزارية التي اعادت قراءة الرواية واعطت رأيها النهائي فيها قال: انا لا اعتبر ان الاساءة للدين يمكن ان تسمى ابداعا. وهو بهذا يقف ضد نسق الرواية بشكل او بآخر. اعضاء اللجنة التي شكلها فاروق حسني وزير الثقافة المصري وكلهم ادباء ونقاد معروفون برؤوا الرواية, وقالوا رأيهم فيها باعتبارها عملا ادبيا رفيع المستوى يجب ان يقرأ ويفهم في سياقه الادبي بكل مقاييسه وشروطه المعروفة, اما طريقة د. محمد عباس الرامية لتهييج المشاعر الدينية بطريقة من يبايعني على الموت في سبيل الله, فهو مسلك لا مبرر له على الاطلاق. لا احد يناصر او يقف مع اي شكل من اشكال الابداع الانساني الذي يمكن ان يهدف منه صاحبه الاساءة الى الدين او الكليات العقائدية او ثوابت المجتمع, وأظن بأن كاتبا في حجم حيدر حيدر, ايا كانت قناعاته الايديولوجية, يعرف تماما هذا الوسط الحساس دينيا الذي يتحرك فيه ويكتب له وينشر كتبه فيه, فهو اذن يعرف قراءه وجمهوره ويعرف حساسيته تجاه ثوابته العقائدية, فكيف برجل يعرف كل ذلك, يمكن ان يعتدي على الدين بالطريقة التي فهمها محدثو الفتنة؟ لقد قالت اللجنة الوزارية رأيها في الرواية, وفندت اسبابها في تبرئة الرواية من تهمة التعدي على الدين وكلها اسباب منطقية قلناها وقال اخرون كلاما مشابها حتى قبل ان نقرأ حجج اللجنة, لكن العبرة ليست في ما آلت اليه رواية (وليمة لاعشاب البحر) القضية قديمة وممتدة, وبدايات الخيط اذا حاولنا تتبعه فسنصل الى معاناة بدأت بجاليليو يوم حرقت كتبه بسبب نظريته التي عارض فيها كهنوت الكنيسة في ايام التسلط والارهاب الديني, ثم يظهر مشهد اكثر قسوة مع ابن رشد يوم احرقت كتبه هو الاخر بسبب اتهامه بالزندقة والالحاد و.. وظلت حكاية الكاتب والمفكر صاحب الاتجاه المخالف مع تيارات الفهم الخاطئ والنوايا السيئة, حكاية لا تنتهي ولن تنتهي في عالمنا العربي والثالث والمتخلف. واجزم بأن كل الذين خرجوا في تظاهرات (وليمة حيدر) لم يروا الرواية ولم يقرؤها واعتمدوا في هياجهم وتعاطفهم وبناء رأيهم على ما كتبه د. محمد عباس لا اكثر ولا اقل, وقد عرف هذا الدكتور كيف يلعب على الاوتار الصحيحة ليؤلف معزوفة النشاز الفكري التي اجتاحت الشارع المصري. لقد عرف كيف يستغل الحمية الدينية عند الشباب المصري وعرف كيف يحرك المشاعر الواقعة اصلا تحت ضغوطات اقتصادية وسياسية وثقافية لا حصر لها, وعرف كيف يستغل كل ذلك باتجاه الهدف السياسي الانتخابي القادم. لكنه لم يعرف ربما بأنه اضاف وصمة سيئة لتاريخ الفكر العربي وطريقة تعاطيه مع الاخر المختلف حتى وان كان مناقضا من الالف الى الياء.