عندما شاهد الانسان الاول النار.. خاف منها اول الامر, ثم تقرب اليها بالفزع والقرابين وبعد زمن اقترب من النار وفهم طبائعها وأسرارها, واكتشف بالصدفة أو السعي. ان النار عندما تلامس شيئا تغير في طبيعته ومكانته ومعناه ولعل اهم شيء لفت انتباهه, ما تفعله النار بلحم الفرائس والطرائد.. وعندما ذاق الانسان الاول الطعم الجديد, نظر إلى اللحم النيىء بارتياب وقال له: هذا فراق بيني وبينك. ولعل الانسان الاول وقد ادرك الفارق الكبير بين اللحم (النيىء واللحم المشوي) اكتشف في الوقت ذاته الفرق بينه وبين الحيوانات الاخرى, واكتشف الفرق الكبير بين (الأكل والافتراس) . النار تطهر اللحم وتحوله إلى مذاق اخر اليف, وبذلك اكتشف الانسان ان لا حاجة له بالانياب لانها من خصائص المتفرغين للافتراس ولأكل اللحم النىىء, لي صديق محير, اعتبره من فقهاء الكسوف يعيش مبالغات دائمة وأوهام عاتية, وقد استهوته الدلالة القادمة والمفارقة الكبيرة بين (الناضج والنيىء) . فحمل الدلالة بصعوبة بالغة, ومضى بها لمختبره واخضعها للتعذيب والتنقيح والتصحيح, وظل يداولها ويقلبها حتى احترقت اصابعه واستشاطت دنياه, دون ان يصاب بالخور والكلال, وبعد مدة من التضميد والتنقيح, خرج الينا بأصابع متفحمة ومعان جديدة, تطال في معظمها, الدلالة الجديدة (للنيىء والناضج) ولكن ليس في اللحم, كما فعلت انا اول الامر, وانما في الادب, وقد افرد مكانا واسعا في نظريته الجديدة للحديث عن ظاهرة (الادب النيىء) فقال: بعض الادباء من الرجال والنساء, لهم ملامح نيئة, ويكتبون ادبا نيئا, وينصاعون للمواضعات النيئة السائدة ويباركونها بلغة مستسلمة ونيئة, دون ان يطالبوا انفسهم بضرورة احراق اصابعهم النيئة وادبهم النيىء على نار الابداع, لذلك تتأسس في ارواحهم ومعتقداتهم عداوة صريحة ماحقة لكل ادب جيد غير منصاع ولا منهزم, لان الادب الجيد يحرك فيهم عوامل الافتراس السالفة فتزخ انيابهم لعابا لا رحمة ولا منفعة فيه, ثم ينقضون دون رحمة ولا ترو على الادب الجيد وصاحبه, حتى يمحقوا منه الدهشة والكلمات. عندما اتم فيلسوف الكسوف, صديقي, كلماته, بدأ يعض على اصابع الندم التي تخصه, حتى ادماها, ثم نظر إليّ بعتب وهو يخفي اطراف ندمه ومضى عني, غير مكترث ولا مبالٍ. فركضت اليه وامسكته من تلابيبه, وصرخت فيه. ـ لماذا نظرت إليّ بعتب, ثم عضضت اصابعك. * فأشار إليّ ... ثم اشار إلى نفسه وقال: لأننا أنا وأنت.. كتبنا في اوقات وأعراف متباينة ادبا نيئا وجاء الوقت الذي يمنحنا الحق لنعض اصابعنا ندما على ما افترسناه وكتبناه. محمد أبو معتوق