الدكتور حامد أبو أحمد أستاذ ورئيس قسم اللغة الأسبانية بجامعة الأزهر. أحد أهم نقاد جيل السبعينيات في مصر وتتنوع كتاباته ما بين الترجمة والتأليف. اهتم بمسار الرواية العربية الحديثة وبرموز كبيرة من شعراء الريادة مثل عبد الوهاب البياتي واهتم أيضا بنقد حركة الحداثة الأوروبية في مجالها الثقافي والأدبي التقيناه في القاهرة وحاورناه: * بالرغم من وجود تقارب كبير بين الثقافتين العربية والأسبانية إلا أننا عرفنا الأدب الأسباني في وقت متأخر.. لماذا؟ ـ الحقيقة أن الأدب الأسباني عرف بشكل متأخر في ثقافتنا العربية المعاصرة لأسباب تاريخية وحضارية بالدرجة الأولى, وعلى الرغم من ذلك فقد عرف الأدب الأسباني الحديث في العالم العربي قبل أن تعرف لغته لأن اللغة بدأت تنتشر في الستينيات وبدأ الاتصال الثقافي مع أسبانيا, مع أوائل الخمسينيات إلا أن الشعراء الأسبان عرفوا في العالم العربي في الأربعينات عن طريق لغات وسيطة وبالأخص الشاعر الشهير (فيديريكو جارسيا لوركا) الذي قتل في بداية الحرب الأهلية الأسبانية وبدأ الشعر الأسباني يعرف على نطاق واسع عندما حصل الشاعر (خوان رامون خمينث) على جائزة نوبل في الآداب عام 1956 . * ما هي نظرة الطرفين العربي والأسباني إلى وشائج القربى بينهما الآن؟ ـ هناك وشائج قربى كثيرة بين ثقافة أسبانيا وثقافة العالم العربي وهي موجودة منذ التواجد العربي في الأندلس على امتداد ثمانية قرون. هناك شخصيات كثيرة في مجال الأدب والثقافة والعلوم يتنازعها حتى الآن العرب والأسبان مثل الفقيه ابن حزم الظاهري والفيلسوف ابن رشد وابن زيدون وابن مسرة وغيرهم من مفكرى وشعراء وكتاب الأندلس. وهناك مسألة الهوية والمعروف أنه قد دارت في أسبانيا معارك قوية جدا حول هويتها وهل هي عربية إسلامية ومن أشهر هذه المعارك معركة (أميركو كاسترو) وهو مفكر أسباني معاصر وكان يقول بهوية متوسطية لأسبانيا تنسب لحوض البحر المتوسط الجنوبي وبالطبع رد عليه كثيرون لكنها معركة لها دلالاتها القوية ولها تغلغلاتها لدى كثير من شعراء الأندلس وأخص منهم الآن (لوركا) وأنطونيو ماتشادو وأخاه (مانويل ماتشادو) والأخير كان ينسب نفسه صراحة إلى العرب في أشعاره ولهذا يقال في أسبانيا أنها مختلفة أي عن العالم الغربي. *على سبيل المثال ما هي المؤثرات العربية في شعر لوركا؟ وكيف تظهر هذه المؤثرات في أدباء اليوم في أسبانيا؟ ـ كتب الكثير حول هذا الموضوع ونجاحه بعد ظهور ديوان (التماريت) الذي يشتمل على صور عربية, إضافة إلى شيء مهم جدا في إشهار لوركا وشخصياته وهو إنه يمثل الروح الأندلسية الأسطورية المتغلغلة عبر التاريخ والتي عبر عنها في اشعاره بصورة رائعة جعلته يعد من أعظم الشعراء ولوركا مولود في مدينة مازالت تحمل أطيافا كثيرة من تاريخها العربي القديم وهي (غرناطة) أذكر أن ناقدا أسبانيا من منطقة (كتالونيا) في شمال شرق أسبانيا له كتاب عن لوركا قال فيه إن لوركا يعبر عن خصوصية المنمنمات العربية في غرناطة وأنه يعكس هذه الروح في كل أعماله الشعرية والمسرحية ولو أخذنا نموذجا حاليا نجد الروائي (خوان جويتيسولو) وله أعمال تأخذ من التصوف العربي ومن التاريخ العربي نماذج أدبية وروائية حيث نجده متأثرا بابن الفارض وغيره من المتصوفة العرب . * ننتقل إلى المؤثرات الأسبانية في أدبائنا المعاصرين فكيف كانت هذه الثقافة مصدر إلهام لأعمالهم؟ ـ من الأدباء العرب المحدثين الذين تأثروا بأسبانيا وبالحضارة الأسبانية الشاعر عبد الوهاب البياتي في كثير من قصائده عن غرناطة وعن لوركا أيضا نزار قباني الذي كانت الأندلس عنده رمزا للنهوض والسقوط العربي, الآن هناك اتصالات حميمة وتعارف مكثف بين ما يصدر في أسبانيا وأمريكا اللاتينية وكتابنا المعاصرين فهم يلتهمون كل ما يترجم من هذه الثقافة العالمية والكثير منهم خاصة في مجال الرواية تأثروا بالواقعية السحرية عند (جابرييل جارسيا ماركيز) و(خورخي لويس بورخيس) وغيرهما. طبعا هناك أيضا نماذج أندلسية كثيرة تأثر بها الأدباء العرب ونسجوا روايات عن حياتها مثل المعتمد بن عباد الأشبيلي الذي كتب عنه علي الجارم قصة (ملك) وأيضا هناك ابن زيدون الذي كتب عنه فاروق جويدة مسرحيته (الوزير العاشق) . ومن العجيب أن هذه الشخصيات نفسها تحظى بتأثير إلهامي كبير على الكتاب الأسبان المعاصرين ونذكر الرواية الشهيرة (لانطونيو جالا) (المخطوط القرمزي) وهي عن شخصية أندلسية شهيرة وهو الأمير أبو عبيد الله بن الأحمر الزعل آخر ملوك العرب في غرناطة. * جزء أساسي من نشاطك الثقافي هو النقد الأدبي فكيف تنظر إلى عملية نقل النظريات النقدية الغربية الحديثة وتطبيقها على النصوص العربية؟ ـ هذه النظريات غريبة وصدرت داخل ثقافة متطورة جدا وداخل بيئة خاصة بها, إضافة إلى أنها معقدة طبقا لتعقد الحياة في هذه المجتمعات ذاتها الآن. إلا أن الناس هناك يمكن أن يستوعبوها بسهولة والمشكلة عندنا أن هذه النظريات عندما تنقل إلينا تنقل (بعجرها وبجرها) ومن هنا تكون غريبة حتى على النخبة المثقفة, وأذكر ما كانت تفعله الأجيال السابقة خلال عصر التنوير حيث كانوا ينقلون إلينا أحدث النظريات لكنك تحس أن الكاتب نفسه بهويته العربية وثقافته النابعة من هذه البيئة موجودة . الكتب التي تنقل إلينا الآن نظريات غربية دون تمحيص وتطويع لا أعتقد أنها ستعيش وإنما يمكن أن نتساءل كما تساءل صلاح عبد الصبور: ماذا يبقى منها للتاريخ. * إذن متى يعود النقد إلى القارئ العربي؟ ـ يعود النقد إلى القارئ العربي عندما يكون صادرا من هذه البيئة. وعندما يبتعد عن الأمراض التي غزت النقد مثل الشللية والنفاق والابتذال والنظر إلى المصالح وغير ذلك. أما البيئة فهي عنصر مهم جدا في الإبداع وفي النقد على حد سواء ولنأخذ مثالا سريعا من نجيب محفوظ لو أنه رسم شخصيات من لندن وباريس وغيرها من العواصم الأوروبية هل كان يمكن أن يحصل على جائزة نوبل؟ هذه أزمة النقد العربي الآن. وأقرأ ما يكتب في كل أنحاء العالم العربي ممن يسمون بنقاد الحداثة سوف تجد أنك غارق في لجة لا تستطيع الخروج منها.