الاسئلة عن مصير الشعر في العالم تعيد نفسها دائما, فهل كان الشاعر اوجينو مونتاله (1896 ـ 1986) آخر الشعراء العظام في ايطاليا ثمة اسئلة ومخاوف تطرح نفسها عن مصير الشعر في عصر التسارع التقني والمعلوماتي والمتغيرات الاقتصادية والسياسية في العالم, وبعد انحسار الضوء عن الشعر الذي كان متالقا في النصف الاول وأوئل النصف الثاني من القرن العشرين. يبدو المشهد الشعري في ايطاليا بعد غياب جيل رواد الحداثة, من امثال مونتاله, كصورة مصغرة للمشهد الشعري في العالم. فليس في ايطاليا اليوم اسماء لامعة خارج الحدود بعد موت اونجاريتي وكواز يمودو, وامبرتوسابا, وأوجينو مونتاله الحائز على جائزة نوبل للادب عام 1975. اذا اعتبرنا ان مونتاله كتب الشعر منذ اوائل العقد الثاني إلى منتصف الثمانينيات فانه كان شاعراً مقلا, حيث لم ينشر سوى خمس مجموعات شعرية في فترات متباعدة, وهذه المجموعات هي: عظام سمك السبيدج, المناسبات, العاصفة, خليط, يوميات عامي 71 و1972, وكانت مجموعته الاولى صدى لمعاناته في الحرب العالمية الاولى التي شارك فيها كضابط في الجيش الايطالي, وقد تركت تلك الفترة مسحة من اليأس والكآبة واكبت كل مراحل حياته, وتجذرت في سنوات الحرب الثانية التي دعي الى الخدمة في بدايتها لمدة تزيد على عامين, وفقد عمله الوظيفي بعدها فانصرف الى ترجمة اعمال مختارة لهيرمان وملفيل وفيتزجرالد وشتاينيك وفونفر وهمنجواي, كما ترجم مسرحية هاملت لشكسبير, وفي هذه الفترة ظهرت الطبعة الاولى من مجموعة شعرية له بعنوان (نهايات الارض) في سويسرا, اذ لم يكن ممكنا ان تصدر في ايطاليا في ظل الفاشية المتحالفة مع النازية, وشكلت مجموعة (نهايات الارض) الجزء الاول من مجموعته الشعرية (العاصفة) التي صدرت في ايطاليا عام 1956. لم يستطع مونتاله اكمال دراسته بسبب سوء صحته, ولكنه استطاع ان يعوض هذا النقص بقراءاته الشخصية, ومنها تعلم اللغات الاجنبية, وكانت له تجربة واسعة في العمل الصحفي, بدأت مع دار نشر (بيمبوراد), ثم انتقل الى هيئة تحرير مجلة (سولاريا) التي صدرت في منتصف العشرينيات, وشكلت جسرا جديدا بين الثقافة الايطالية والثقافات الاوروبية والامريكية, ولكن الرقابة الفاشية اوقفت هذه المجلة في منتصف الثلاثينيات بعد ان نشرت رواية مسلسلة للكاتب ايليو فيتوريني ومجموعة قصائد للشاعر شيزاره بافيزه. انتقل مونتاله الى مدينة ميلانو للعمل في صحيفة مشهورة هي (كوريري ديلاسيرا) التي استقطبت اهم المواهب الابداعية والصحفية الايطالية, وصار رئيسا للتحرير, وكان من بين محرريها الروائي والقاص دينوبوتزاني والشاعر البريكوسالا, ومن خلال عمله الصحفي زار مونتاله بلادا كثيرة وفي زيارته الى المشرق العربي كتب ثلاث قصائد من وحي الشرق القديم الذي يرتبط عنده بنفحات روحية, فثمة قصائد تحمل عناوين (سوريا) و(الفرات) و(ثرى تدمر) . تأخذ الدراسات الادبية والنقدية التي كتبها مونتاله اهمية خاصة لدى دارسي الشعر الايطالي الحديث, كما ان الدراسات النقدية التي كتبت عن اعماله الشعرية اكدت على تأثيره البالغ في جيلين من الشعراء الايطاليين, فقد كتب الناقد سيرجيو سولمي يقول: ان قلمه مثل ازميل فنان ينحت تماثيله في القصائد, أو مثل ريشة رسام ينقش لوحاته في قصائد. وكتب فرناندو فيريديا بمناسبة فوز مونتاله بجائزة نوبل يقول: ان الاكاديمة السويدية عندما منحت مونتاله جائزة نوبل, اعتبرت ان من اهم مزايا شاعرنا اضافة الى مزاياه الادبية, عدم انضمامه الى فئة الادباء الذين اخضعوا ادبهم للديكتاتورية في سنوات الحكم الفاشي.