طور البدوي في البادية العربية والجزيرة العربية فنا طالما ارتبط بمعيشته في سرائها وضرائها, هذا الفن هو فن الحداء من الحدو في اللغة اي سوق الابل والغناء لها حيث يقول فالح حنظل في معجم القوافي والالحان في الخليج العربي, الحدوة فن معروف في البادية منذ قديم الزمان، فهو غناء على ايقاع منتظم لحركة سير القافلة الانسيابي وهو موضوع لأغان شعرية متعددة تردد والقوم مرتحلين على ظهور الركائب, ولقد انقسم الحداء في الخليج الى قسمين: (حدوة بر) اي اغنية سير القافلة البرية وهي ايضا اغنية سير المقاتلين الى ارض المعركة للقاء العدو, و(حدوة بحر) وهي اهازيج واغان لرجال البحر من سماكين وغواصين وبحارة وكل قسم يفرق عن الثاني في معاني الابيات وصياغتها فيما يناسب البيئة بين بادية وبحر وحسب الظروف التي قيلت فيها, وهو يأتي على شكل مقطوعات قصيرة تتألف في الغالب من بيتين وتلتزم كل قطعة قافية وتتغير هذه القافية بتغير المقاطع وقد تختلف نغمات الحداء حسب الموقف والظروف. ويرجع د. يوسف الدوخي فن الحداء الى الاراجيز التي عرفها البدوي العربي والمتسمة بطابع الحروب, فمن خلال تلك الاراجيز استمدت البداوة العربية الوانا من الشعر والنغم المتمثل في النزعة الحسية والتكرار في المعاني وظواهر الاعراب في الشعر النبطي المعروف في سيرة بني هلال, فمن هذه السيرة عرف القدامى كل ما يوافق طبيعة اشعار البادية وارتباط الفاظها بذلك الرجز الى حد بعيد, وقد اخذت هذه الانعكاسات بشكل او بآخر على الشعر النبطي بأشكاله العامية وذلك بحكم الصلة الوثيقة بالحماسة والفخر, والحداء معروف في البادية منذ الجاهلية وهو يأتي على شكل مقطوعات قصيرة تتألف في الغالب من بيتين وتلتزم كل قطعة قافية, وتتغير هذه القافية بتغير المقاطع, هذا ما كان عليه الرجز. وقد تتعدد نغمات الحداء وتختلف حسب مواقف تلك الظروف وارتجال كل فارس بما يوائم فروسيته ومقدرته على الارتجال له مثل تلك المواقف, غير انهم يلتقون في كيفيته ونوعه وما يقال فيه من شعر الفخر والحماسة التي تثير النخوة اثناء المعارك, والحداء وان كان غناء تلقائيا لا مكان له من التطريب في عرف الموسيقى الحديثة الا ان عرب البادية قد جبلوا على مثل هذا النوع من الغناء, يلتفون حوله ويطربون لتردد نغماته بحسب الانفعالات والتأثيرات التي يتأثرون بها في حياتهم الصحراوية. ويضيف د. الدوخي في شرحه لفن الحداء.. يتناول البدوي غناءه بطريقة تجعل شعوره مستمرا ومتموجا حيثما اراد وفي مسافة محدودة من الاصوات قد لا تزيد على اربع او خمس درجات صوتية تخضع كل منها لنبرات معينة يحدونها عند الذهاب الى المعارك والحروب, تنشده الجماعة ويردد الباقون من حولهم بالاسلوب والسرعة وتكرار اللحن نفسه بحسب الابيات المنشدة. وهناك نوع اخر من الحداء لا يرتبط بايقاع معين وانما هو مرتبط بالحركة والاشارة الى الطرف الاخر تارة بالسيف وتارة بالكر والفر والارهاب والتخويف للعدو كي لا يتقدم في مسيره. وللبدو في الحروب اشارات خاصة بهم, فاذا ارادوا حربا او توقعوا جيشاً, اوقدوا نارا على مرتفع ليبلغ الخبر اصاحبهم, وقد يستعمل البدو الضرب على (الدمام) وهو طبل كبير يعلق بواسطة حبل على الكتف, لتجميع الجيوش في منطقة واحدة قبل او بعد المعركة, والجيوش البدوية الكبيرة العدد قد تستعمل الدمام كدليل لهم للمسيرة والتحرك يمنة ويسرة اثناء الليل وكذلك سرعة الجيش والابطاء والاتيان والتقدم, ويكون طبل الدمام كذلك رمزا للجماعة ورفع المعنويات للصفوف المتحاربة. ولا يبتغي البدو من الضرب على طبل الدمام نغمة او ايقاعا معينا, فقد يشدهم الضرب على الدمام كنوع من التعبير عن الحماسة والعدد, وقد تتفاوت اصوات المرددين وخطوات الرازفين دون تنسيق, فالضربات الايقاعية مهمتها شد الانتباه والايعاز بالتحرك وفي ذلك يتناول الحادون الوانا من ضروب الحداء, فيتبارون فيه بوصف الخيل والجمال وآخرون بوصف العدد والعدة ومنهم من يشير الى معارك سابقة تم لهم الانتصار فيها, كل ذلك والمرددون وضاربي الدمام يتابعون الحادي ويأخذون عنه شطرات الحداء, فعندما يغني الحادي الشطرة الاولى يردد الباقون خلفه الاداء وهكذا يظل الحادي يقول هذا الشطرة عدة مرات الى ان ينتقل الى شطرة اخرى فيأخذها المرددون وهكذا. ومن قولهم في الحداء: حنا شباه الحرب وان شبت النار وتفازعت بين الجموع المشاهير وحنا هل الجمع المسمى الى سار مركاضنا يشبع منه السبع والطير ورفاقتنا واللي خدانا لهم جار وحنا عليهم نحمي الجار ونجير