أول من أطلق اسم النوبة على هذه البلاد هم المصريون القدماء فالأصل المصري القديم للكلمة مشتق من لفظة (نوب) أو (نوبو) بمعنى الذهب والمقصود بها بلاد الذهب.. إذ كانت النوبة منجما قديما لهذا المعدن الثمين. كما أكدت الدراسات الانتثروبولوجية، إنتماء الانسان النوبي بفصائله (الكنوز الفاتدجا) الى سلالة واحدة هي السلالة القوقازية.. وقد حدثت حالات من التزاوج بين نساء النوبة والمهاجرين اليها وأسهمت عزلة البيئة النوبية ورسوخ عاداتها وتقاليدها في احتواء هذه العناصر الواردة دونما هدم الثقافة واللغة والخصوصية, فالمجتمع أمومي بطبيعته. وحتى لاننسى هذه النوبة بخصوصيتها.. يكفينا أن نتكلم عن عادات أهلها وتقاليدهم وأقوى مظاهرها الميلاد والزواج والموت: معنى التاريخ في فترات الضعف التي مرت بها مصر القديمة تمكن النوبيون من مصر وتوج ملكهم (طهراقة) ملكا على مصر وكوش. ولقد ذكرت بلاد النوبة في آثار مصر القديمة بداية من الأسرة الرابعة عندما قام الملك (سنفرو) بغزوها وعاد منتصرا ومعه سبعة آلاف أسير استخدمهم في شبه جزيرة سيناء لاستخراج النحاس.. وبداية من هذا الغزو اعتمد النوبيون اللغة الهيروغليفية كلغة رسمية لتسجيل يومياتهم وأحداثهم الى جانب لغتهم الخاصة.. ووصلت العلاقات المصرية النوبية أقصى ازدهارها في أيام الأسرة الثانية عشرة التي بدأت فيها باقامة الحصون والقلاع لتأمين الاتصال بينهما وضرب قطاع الطرق ولم يكتف النوبيون في تأثرهم بالمصريين بالشكل وطرق المعيشة وأشكال الكتابة فحسب.. بل امتد التأثير الى داخل الوجدان والمعتقدات فنجدهم قد عبدوا (آمون رع) وأقاموا له المعابد في كلابشة والسبوع والدر وأبريم وأبوسمبل. وحين دخل الهكسوس مصر واستولوا على مقاليد الحكم وانتزعوا السلطة تعنتوا في معاملة المصريين والقسوة عليهم.. قام الكثير من المصريين بالهجرة الى بلاد النوبة فرارا من الظلم.. نفس الشيء فعله المسيحيون عندما بدأت حملات الاضطهاد الروماني لهم. وعاشوا بالنوبة حتى وصلها أحد القساوسة ويدعى (جوليان) نجح في نشر المسيحية وجعلها الدين الرسمي للنوبة وبدأت الكتابة باللغة القبطية تعرف طريقها بدلا من اللغة (المروية) التي حلت مثل الهيروغليفية.. لكن القبطية أيضا تم استبدالها بعد أن استعملت لمدة سبعة قرون وحلت اللغة العربية محلها مع دخول الاسلام. وفي عهد السلطا ن (قلاوون) سقطت (دنقلة) وزالت المسيحية تدريجيا من النوبة.. وقد تمت هجرات عربية متتالية على مدى التاريخ اليها حتى صار الدم العربي هو الغالب على المنطقة ولاسيما بعد دخول الاسلام. وجه الميلاد الأم هي المحرك الأساسي ومعنى الوجود والعامل القوي في الأسرة النوبية لذلك ليس غريبا ولا عيبا أن ينادي الناس هناك الرجل باسم أمه.. فبسبب ظروف النوبة شديدة الفقر نجد الأب يضطر الى السفر بعيدا حيث العمل وارسال الأموال والهدايا لمواجهة الحياة.. والزوجة لاتراه إلا في المواسم.. لذا فان الارتباط بالأم هو النتاج الطبيعي لظروف الحياة. وطقوس الولادة هناك متشابهة في أغلب مناطق النوبة. بالرغم أن بعضها يختلف في تفاصيله البسيطة, وفي لحظات المخاض تأتي النسوة من الأقارب والجيران لتقديم المساعدة وتقف المرأة الحامل في وسط الدار مستندة على اثنتين وتبدأ في الحركة مرددة بعض الأغاني الخاصة بالميلاد.. وتضع المولدة قطعة قماش أبيض على رأس الأم حتى يمتزج بها العرق. ومنها تصنع أول ثياب الطفل يمتزج بعرق الأم بكل حنينها ومحبتها. وترتفع الأغاني والزغاريد عند الميلاد.. ويقام (السبوع) بعد 7 أيام ويوضع الطفل في طبق من الخوص يرفع سبع مرات ويصنع زورق صغير من الخوص أيضا يوضع به الطعام وتحمله الأم مع وليدها الى النيل وتترك الزورق يسبح في النيل لتأكيد انطلاق المولود في دروب الحياة ثم تعود الى الدار.. ويقام الغذاء الذي يحضره الجميع ويتكون عادة من اللحم المسلوق الذي يتركون منه قليل ليصعد به صبي دون البلوغ الى أعلى الدار ويصيح باسم المولود ويهبط لينادي باسم الطفل في أذنه. ويفضل النوبيون الاسماء المرتبطة بالماضي مثل (عثمان. بشير. محمود. صالح) ويتبقي من طقوس الميلاد أن تؤخذ قطعة من القماش التي يلف بها الطفل وتلقى في النيل ويشترط أن يكون القمر في بداية مولده.. مراسم الزواج المجتمع النوبي مجتمع قبلي بطبيعته يفضل الزواج من أبناء العمومة وعادة ما تتم الخطبة مبكرا في سن الطفولة.. وعندما يتقدم شاب غريب الى الفتاة النوبية, يقوم الأب باستشارة إخوته وأقاربه من كل الدرجات وارسال خطابات الى ساكني المناطق البعيدة منهم بغرض التأكد من أنه ليس لديهم أبناء في سن الزواج للارتباط بابنته بدلا من الغريب. وللزواج مراسم وتقاليد فنجد في (الكنوز) وفي الموعد المتفق عليه للرد على طلب الزواج بالموافقة, يجتمع والدا العروسين ويحددان موعد تقديم (الشبكة) وتسمى في النوبة موعد (الوجاهة) التي تكون عادة مبلغا من المال وبعض الهدايا يقدمها والد العريس ومعه بعض الرجال ويتم تحديد موعد (الشلة) أي نقل المتاع ويقدمها العريس وهي عبارة عن (غلال) و(كيروسين) وزيت وكبريت وسكر وملح الى باقي المواد التموينية المعروفة. ويخرج الموكب من منزل العريس ومعه (الشلة) محملة على الدواب وعلى رؤوس الفتيات اللاتي يسرن وهن يغنين أغاني الفرح التي تدعو للجميع بالسعادة وتحض العريس بكثير منها, ذاكرة صفاته الحميدة التي جعلته أهلا للعروس. وعند الوصول يجلس الرجال في داخل الدار في (المضيفة) بينما تجلس النساء في حوش المنزل للغناء حتى يحين موعد الغذاء ليقدم لهم والد العروس ما تم ذبحه صباحا. وقبل موعد العقد تكون هناك ليلة الحنة وتحتفل فيه العروس في دار أهلها مع صديقاتها واقاربها بالأغاني.. بينما يحتفل العريس في منزله أيضا لكن بالأذكار والأناشيد الدينية. موكب العريس وفي صباح العقد والدخلة يركب العريس جملا ويمسك السيف والكرباج ويضع في ذراعه سكين ذات نصلين ويصحبه عدد من أصدقائه يشترط أن يكون عددهم زوجي ويسيرون في الموكب يتقدمهم العريس (الفارس) ويدعون أهالي القرية الى الفرح.. ويعود الى منزله حيث يجلس ليقوم الحلاق بقص شعره ويجلس بجواره كاتب ومعه أوراق يسجل فيها النقاط وعادة ما تكون الأم أول من يقدم النقوط, ويكون قطعة ذهبية, يليها الأب ويقدم مبلغا من المال, ثم يتوافد الأصدقاء فالأقارب وهكذا الى أن يحين موعد الذهاب الى العروس, فيركب العريس الجمل ومعه السيف والكرباج والسكين ويضع على الجمل ملابس للعروس وأهلها. ويسير الجميع في الموكب الى منتصف المسافة, حتى يأتي أهل العروس لاستقبالهم.. وعند الوصول تعلو الزغاريد وتقدم الاطعمة حتى تنتهي الليلة. ويصحب الجميع العريس الى حجرة العروس.. فيقوم بدفع سيفه ويطرق الباب ثلاث طرقات ثم يدخل الحجرة يصلي ركعتين شكر لله ثم يرفع عن وجهها (الطرحة) ويمرر وجهه على جبهتها مرة واحدة, ثم تخرج العروس الى الحجرة الأخرى التي تكون فيها القابلة مع أهلها من السيدات ويخرج خلفها العريس الى أصدقائه.. ويتوجه العريس في الصباح الى النيل مع أصدقائه الذين يمكثون معه حتى المساء عندما يدخل الحجرة وتأتيه القابلة بعروسه تجلس جانبه ويبدأ في محادثتها وهي ترفض الكلام أو (تتدلل) ثم يعطيها مبلغا من المال ويستمر في زيادته حتى توافق على الكلام معه. وفي الصباح تترك العروس زوجها وتقضي النهار في حجرة أخرى وتعود اليه في المساء.. ويستمر ذلك لمدة أسبوع خلاله يكون العريس قد جمع لها نباتات خضراء من النيل توضع في الحجرة.. وبعد أربعين يوما يذهب العروسان الى منزلهما.. وجه الموت للموت مهابة وحزن خاص.. وقد تستمر طقوس الحزن على الراحل أربعين يوما وتزيد.. ويأتي ذكره والبكاء عليه في كل مناسبة موت أخرى أو لمجرد ذكر اسمه.. والعزاء في الموتي واجب مقدس حتى لو كان في آخر قرية من قرى النوبة المنتشرة على الشواطئ.. يستخدم المعزون المراكب النيلية أو الدواب وفي غياب الرجال تعتني النساء بهذا الواجب عناية كاملة.. وتبدأ واجبات تقديم العزاء بالعناق وترتيل أناشيد محفوظة عن ظهر قلب لهذه المناسبة الحزينة.. وغالبا ما تذكر كل منشدة مآثر الفقيد الراحل.. ولا يأكل أحد من المعزين من اللحوم التي تذبح على الفقيد فهي مخصصة للفقراء.. وتظل زوجة الفقيد في حالة حداد لمدة 40 يوما لاتغير ثيابها ولا تغسل ثوبها ولا تقرب الماء من وجهها ولا تقص أظافرها خوفة المشاهدة. وهناك اعتقاد بأنه اذا زارتها امرأة ثم ذهبت لتوها الى امرأة حامل فانها تسقط حملها فورا بفضل المشاهدة. وتكاد تتوحد مظاهر الحزن على الموت في النوبة جميعها سواء عند (الكنوز) أو (الفارتجا) لكن حزن الموت يأخذ عند (الكنوز) بعض الأشكال الرافعة العنيفة وهناك ارتباط وثيق بين لوحات البكاء على الميت المصورة على جدران المعابد الفرعونية والنساء النوبيات الكنزيات اللائي يؤدين هذه الرقعات الحزينة.. وقد كان هذا كنتيجة حتمية للارتباط التاريخي بين النوبة وفراعنة مصر في الحقبة الفرعونية من تاريخ النوبة. عن (الكنوز) وعندما تعلم النساء بخبر الوفاة.. تمزق كل واحدة ملابسها وتفك شعرها وتصرخ صراخا حادا أو تجري تجاه النهر بحر النيل لكي تتلطخ بالطين على وجهها وعلى رأسها وجميع جسدها وتظل هكذا في حالة ذهاب وإياب من البيوت للنهر والعكس.. تتحزم النساء بالبروش المصنوعة من سعف النخيل ثم يجتمعن في دائرة واسعة كبيرة داخلها دوائر أخرى صغيرة.. يرفعن أياديهن للسماء مناديات: (هيوهيه) .. (هيوهيه) .. (هيوهيه) .. يقفزن ناحية الشمس ثم ينزلن بثقل أجسادهن على الأرض وتستمر الدوائر وهن يتبادلن الأماكن وعندما يستبد بهن التعب.. يجلسن في صفوف متراصة أمام منزل المتوفى بجوار حائط البيت على هيئة خط مستقيم وهن يرنمن ترانيما ذات أصوات خفيفة.. (لل..لل.لل.لل..) وهكذا تستمر أيام الحزن طوال الأربعين يوما, يتخذ الحزن الشكل الجماعي وتحافظ كل القرى على اداء واجب العزاء للقرى الأخرى المجاورة.