كان وما يزال مفتاح القلوب ووسيلة للتقارب بين البشر ولم تغب عنه صفة المعرفة الثقافية بين الشعوب فالادب العالمي كثيرا ما تحدث عن الحرير وصقوسه. في الماضي كان خيط الحرير وسيلة مباشر لرسم السياسات والثقافات بين الامبراطوريات, ولكنه تحول الان الى نسيج للجمال فقط يسعى اليه الناس بحثا عن الذوق والاناقة, ولان الحرير يزهو مع اللون كما النفس, وتلاعب الهواء بخيوطه يمنح الرقة والرهافة, ونراه متواجدا في بعض الفنون, التشكيل, التصوير التلفزيوني والسينمائي , في مساحات الجمال والديكور المنزلي, ويكاد ان يكون سيد الحضور في قصائد الحب والغزل حتى انه كان ولايزال في صميم الاسطورة والرواية العالمية. لا تكمن روعة الحرير في طريقة خلقه عن طريق الديدان والشرانق فقط, بل لانه يملك الصفات الجمالية التي تحرص عليها الطبقات الارستقراطية, لهذا كان ولا يزال زينة الامراء والسلاطين والملوك الذين يحرصون كل الحرص في البحث عنه واقتنائه. الحديث عن الحرير يأخذنا الى تاريخه وانتاجه واساليب تنميته والامم التي اشتهرت به والصراعات التي دارت حول اسواقه. كما يأخذنا الى مهارة صنعته في الازياء والديكور والى منافعه الكثيرة في الطب والعلاج. الحرير يقوي القلب يفرحه وينفع في كثير من الامراض, يشفي من السوداء والادواء الحادثة عنها, وهو مقوي للبصر اذا اكتحل به والخام منه يستعمل في صناعة الطب ويقول الرازي في الحرير (الابريسيم اي الحرير اسخن من الكتان وابرد من القطن, يربي اللحم, لان كل ملبس خشن يهزل ويصلب البشرة) . تعارف ثقافي الحرير مفتاح ثقافي ومعرفي, فسيرته كمنتج طبيعي جعلته وسيلة للتعارف بين الثقافات مما فتح امامه ابواب الاقتصاد والسياسة. فكسرى انوشروان الذي عرف بغناه وحبه لاقتناء الملابس الجميلة المرصعة بالجواهر والدرر والاحجار الكريمة, حين اراد ملك الصين ان يعزز علاقته به من باب الحرص على الممالك, استغل شغف كسرى بجمال الملبس, فارسل اليه هدية مع فارس من فرسانه مزين بلباس مرصع بالدر والياقون, وكانت الهدية عبارة عن تمثال فارس بفرسه من در منضد, وعينا الفارس والفرس من ياقوت احمر, وقائم سيفه من زمرد وثوب صيني (حرير عشاري) وحين رأى كسرى الهدية, سأل حاملها, مستفسرا عن الثوب الحريري ورسومه, قال الرسول: هذا الثوب من الحرير الصيني لا يهدى الا لعظام الملوك فيه صورة الملك جالسا في ديوانه وعليه حلتاه وتاجه, وعلى رأسه الخدم بأيديهم اعذاب مصورة منسوجة من الذهب الاحمر, وارض الثوب ذو اللون اللازوردي في سفط مذهب هذا السفط الذي تحمله الجارية الجميلة فيه غرائب ما تحمله ارض الصين. سر كسرى كثيرا بالهدية والثوب الحريري وتوطدت علاقته بملك الصين. وبقيت اسرار صناعة هذا الثوب الحريري المهدى لكسرى من ملك الصين, كامنة وراء سور الصين لمئات السنين, يتوارثها اباطرة الصين واحدا بعد الآخر, لانها مرتبطة باعمال السحر والشعوذة ولكن عرف فيما بعد بان الفنان الصيني (زنك وبنشونك) هو الذي ابدع في رسمه. ولان خيط الحرير ابداع الخالق في دودة القز نالت اسرار تربية دودة القز هذا التحفظ من قبل الصينيين فلتربيتها ونوعيتها ايضا دور في جودة انتاج خيط الحرير. ففراشة القز التي تقوم بانتاج الحرير هي في الواقع شرنقة, وهذه الشرانق طائفتين الاولى تجارية والثانية تسمى الزحليات او الدود البري, والاثنان يتبعان فصيلة الحشرات القشرية الاجنحة, ودودة القز الكاملة النمو, التي تتغذى على نباتات الطماطم تنتج حريرا لا يضاهي روعة الحرير الذي تنتجه الشرانق التي تعيش في المنازل وتتغذى على اوراق التوت. والغريب ان هذه الفراشات لا تأكل شيئا خلال ايام حياتها القصيرة, وتضع من 300 الى 400 بيضة تخرج منها بعد الفقس التي تسمى خطأ دودة الحرير. اسرار الحرير احتكر الصينيون انتاج وفن غزل النسيج وحافظوا جيدا على سر مهنتهم مدة لا تقل عن 2000 عام الى ان اكتشف على يد زوجة الامبراطور الياباني (هوانج) في عام 2640 قبل الميلاد, كما احتكروا تجارته لعدة قرون. اما كيف عرفت اوروبا والشرق تربية دودة القز وغزل الحرير, فهناك رواية تقول ان رهبانا ذهبوا الى الصين مبشرين بدينهم واستطاعوا بحلية ما, حمل يرقات دودة القز الى بلدانهم داخل عصا غليظة مصنوعة من القش بعد ان عرفوا بعض اسرار تربيتها واحتياجها الى ورق التوت. وفور وصولهم الى القسطنطينية اعطوا اسرار صناعة الحرير الى جوستنيان امبراطور القسطنطينية آنذاك, والذي اعتبر ما قدمه الرهبان له خدمة للامبراطورية وهكذا خرجت اسرار صناعة الحرير من الصين عام 550 بعد الميلاد ووصلت الى اقطار البحر المتوسط بعد ذلك بفترة وجيزة, واستغلها كبار الملاك والسياسيين في الاقطار العربية كأداة ضغط على الفلاحين والمزارعين يحدد من خلالها ولاءهم لهم, لان انتاج خيوط الحرير يخضع للاحتكار من اصحاب الاملاك والسلطة والمقربون منها. اما تجارة الحرير بين الصين وبلاد البحر المتوسط فكانت تجري على نطاق واسع, عام 600 قبل الميلاد وكان معظمها بأيدي تجار الفرس الذين انشأوا قوافل تجارته على طول الطريق البري الخطر بين الصين وسوريا, وخلال الخمسة قرون قبل الميلاد تم تهريب الحشرات الحية من الصين الى جهات مختلفة شرقا الى اليابان وغربا الى كشمير والهند وايران. وبعد ان ادخلت دودة القز الى اوروبا والشرق واقطار المتوسط بدأت زراعة اشجار التوت ونمت صناعة الحرير في انجلترا حيث تغزل اليرقات الحرير لملابس الملوك واحتكرت الهند فراشة (الموجا) التي تنتج الحرير الذهبي والتي تعيش في وادي اسام الرطب في الهند. تقاليد انتاج الحرير الحرير ما هو الا لعاب الفراشة الذي يتجمد عند ملامسة الهواء له ويخرج من فم اليرقة بمعدل ست بوصات في الدقيقة, وقد ينتج منه خيط واحد طوله الف قدم. تلفه الفراشة مرة بعد مرة حول جسمها لتصنع منه مخبأ يسمى الشرنقة وبعد ان تهدأ اليرقة المتعبة تتحول الى عذراء وهنا يجمع الانسان الشرانق ويغمسها بالماء الساخن لتموت الحشرات داخلها ثم تفك الخيوط الطويلة باليد, وقد يحتاج الامر الى 25 الف شرنقة للحصول على رطل من الحرير ويترك عدد من الشرانق دون قتل الفراشة بداخلها لتضع بيضا آخر يفقس ويعطى يرقات اكثر تنتج شرانق وحين تدعى الانثى للزواج عند دود القز فانها تلقي بعد التزاوج بساعات من 300 الى 500 بيضة وتموت الدودة بعد يومين او ثلاثة. وينموا البيض نموا منظما في جو بارد, ويفقس في مدة تتراوح بين ستة اسابيع الى اثني عشر شهرا فربطة عنق واحد تستهلك 110 من الشرانق و360 شرنقة تقوم بانتاج ما يصنع قميصا من الحرير, اما العباءة الحريرية فهي انتاج ثلاثة آلاف شرنقة تستهلك 135 الف رطلا من اوراق اشجار التوت. معظم الحرير المصنع الذي يستعمل اليوم ويجلب من فرنسا وايطاليا كانت نشأته ايضا في الصين التي تسهم باكثر من نصف انتاج العالم من الحرير اي ما يعادل نصف مليون شرنقة. وتعتبر اليابان اكبر مستهلك للحرير وكانت الرائدة في هذا المجال الا انها تراجعت وقد تم تهجين فراشة القز الصينية واليابانية في جو من التدليل والرفاهية باعتبارها مخلوقات قصيرة العمر وتستعين الصين في تربية فراشة القز بالاساليب التالية - نباح الكلب - صياح الديك - رائحة العفن وهذه المحسوسات ينشط عليها تكاثر الفراش ومن ثم يزيد انتاجه من الحرير لان الشرنقة ترقد على فراش ناعم جاف وتعمل بانسجام تام حينما تتاح لها انغام الموسيقى الهادئة. وفي الصين ايضا حين تتخطى الشرنقة مرحلتها اي تتحول الى فراشة متكاملة النمو فانهم يجعلونها طعاما للسمك, وذلك لمنع تغير نوع الحرير وجودته ويجب ان تتوفر للفراشة الام نظافتها فلا تشم رائحة كريهة كما يجب ان تمنع من اكل البقول بل حتى لمسها, وهذه التقاليد والاساليب في التعامل مع دودة القز نادرا ما تعدل, بل انها باقية منذ القدم حتى اليوم ولفراش الحرير قدسية يلتزمها النساء والرجال حتى اليوم, والنساء اللاتي يربين فراش القز لا يدخن او يضعن المساحيق ولا يأكلن الثوم بل عليهن ان ينتعلن في ارجلهن احذية نظيفة ويسعين لتقديم الصلوات لآلهة الحرير مرة كل عام. ويعتمد انتاج الحرير في مرحلته الاولى اعتماداً كليا على النساء. وترى في بعض مصانع الغزل في الصين النساء يغزلن الشرانق ويخلصن خيوط الحرير من المادة الصمغية العالقة بها بواسطة الماء الساخن وترى اصابعهن تتحرك بخفة وسرعة لتجمع الخيوط والالبان من ستة شرانق وتمدها بالقوت مع كل دورة للآلة, وعدد الشرانق المستعملة يعتمد على سمك وكثافة الخيوط المنتجة, ولكن عادة ما يكون بين خمسة وثمانية خيوط. ونجد في منطقة (نواباتنا) فتاة لا تتعدى العاشرة من عمرها بصحبة عشرين فتاة اخرى يقبعن بجانب خيوط الحرير, ويقمن بغزلها ولفها حول سيقانهن في غرفة شديدة الظلمة ذات ارضية موحلة, وتسحب الخيوط من خمس شرانق بواسطة ساقها اليسرى تجمعها معا او تبرمها لتصنع منها خيوطا متينة. الحرير طقوس والغاز وللحرير ونسجه وتربية دوده لغز وطقوس عند الشعوب ففي نيجيريا نجد الرجال لا يعاشرون نساءهم اللاتي ينقين او ينسجن الحرير, اما الرجال في المزارع فهم لا يقصون شعورهم او يحلقون لحاهم كما انهم يتبعون نظاما غذائيا خاصا. وفي مدينة طوكيو لابد ممن يزور مزارع فراش القز ان يرتدي لباسا ابيض منش مع قبعة وقناع شبكي شفاف للوجه, والا واجهته رائحة غاز الفورمالدهيا المطهر الذي يعمي العين. وتشترك في الهند الاسرة بكاملها في صناعة الحرير فقد نجد فتى صغيرا يقبع امام نول ينسج سجادة ووالده بجانبه يهمس بترنيمة عذبة وهو يرسم نموذجا فعليا لتصميم ما, كما نجد الزوجة تنقي الحرير والجدة تحوكه والطفل يجدل الخيوط واخر يعاون والده في العمل على النول, فينتجون جميعا ساريا فاخر الصنع. هذا الموروث التاريخي للحرير اعطاه حيزا كبيرا من الاهتمام في حياة المرأة والرجل والفنان والعاشق, كما شدت نضارته التي تمنحه اياها طبقة البروتين التي تغطيه وتعطيه لمعانا لؤلؤيا ليصبح رسولا للقلوب فدخل الادب والشعر والتشكيل وهناك قصة عربية مشهورة للحرير جاءت نتيجة عامل اقتصادي بحت تقول القصة: ان تاجراً كبيراً عبر احد الاسواق التجارية ورأى عددا من التجار جالسين امام ابواب محلاتهم والزبائن قلة فدخل احد المتاجر واخذ يتفحص الحرائر والاقمشة ويسأل عن اسعار الحرير وخاصة الاسود منه فاجابه صاحب المحل بان عنده كمية كبيرة من الحرير الاسود وكذلك التجار الآخرين, فسأله لماذا لا يقبل الزبائن على الحرير الاسود فقال له: ورد الحرير الى السوق بعدة الوان نفذ الكل الا الحرير الاسود, فقال به اجمع ما في السوق من حرير اسود واعطني سعرا له. وكان له ما اراد وبأرخص الاسعار وبعد فترة جلس شاعر في احدى جلسات الانس ومعه علية القوم فانشد قل للمليحة في الخمار الاسود ماذا فعلت بناسك متعبد ردي عليه صلاته وصيامه لا تتركيه بحق دين محمد وبينما الجميع في حالة من الطرب والانسجام,كانت النساء خلف الحجاب يتهامسن ويتواعدن على الذهاب الى السوق لشراء الحرير الاسود وكلما انتشرت الاغنية اخذت النسوة يتوافدن الى السوق بشكل اكثر لشراء الحرير الاسود ما ادى الى انتعاش تجارة الحرير والتاجر الذي اشترى الحرير الاسود. مع بداية القرن الرابع عشر حين انتشرت اسرار صناعة الحرير في فلورنسا وفينسيا وجنوا بايطاليا شجعت العائلات النبيلة تلك الصناعة, وتعتبر منطقة كومو بايطاليا مرتعا خصبا لصناعة الحرير فهي كانت تنتج سنويا 15 مليون ربطة عنق و60 مليون متر من اجمل انواع الاقمشة الحريرية نعومة وتألقاً. وفي فرنسا كان نابليون بونابرت يفاخر بوسائد الحرير التي يملكها وكان يثني على حكومة لويس الرابع عشر التي اصدرت امرا بتحديد انتاج الحرير وتشجيع الحرفيين على اتقانه بنماذج جميلة سنويا. وفرنسا كانت تملك 18000 نول نسيج يملكها حرفيون يمتازون بالذوق والفن, فجوزيف ماري اخترع آلة نسيج وتخريم تسمح للحرفي بالتحكم في النول وتعمل على انتاج نماذج معقدة بسرعة ودقة اكبر, ما جعل قصور طبقة النبلاء في فرنسا متاحف لغزل النسيج والحرير الفاخر. كما اصدر امراً التزم به اعيان ونبلاء فرنسا وهو ارتداء حرير ليون. واستغل الفنانان ناسيناري وشانيل قرار الامبراطور وبدآ بتصميم وصنع غطاء لسرير الامبراطور من الحرير مزين بالخرائط والمناظر واستمر العمل بهذا الغطاء اكثر من سبعة عشر عاما وجاء غاية في الابداع من حيث الالوان والمقدرة على عمل الخرائط وتحديد الاتجاهات بدقة وروعة. في المستعمرات الامريكية شجع جيمس الاول في عام 1609 قيام صناعة الحرير وطالب باجتثاب نبات الدخان واحلال شجر التوت مكانه لتتربى على اوراقه صانعة الحرير, وساعد في ذلك الهدوء الطبيعي لمياه نهر الباسك حيث كان المكان الافضل لازدهار صناعة الحرير في شمال شرق الولايات المتحدة في باترسون التي تعتبر اليوم مركزا حيويا في مجال صناعة الحرير. ودخل الحرير في الحرب العالمية الثانية حيث قوطع سوق الحرير الياباني وتحول الباقي منه للاستعمالات الحربية فقد كانت المظلات الهابطة من الطائرات مصنوعة من الحرير, اما مسحوق الحرير الصناعي فقد سحره في الاونة الاخيرة وبات للحرير الطبيعي مزاياه المتفوقة في محلات الملابس والاثاث وحاول الصينيون في العصر الحديث ان يكونوا المنتج الاول للحرير الطبيعي في العالم ولكنهم فشلوا وذلك لان امريكا تنتج حريرا جيدا وبكميات كبيرة والوان عديدة وذلك لان فراش القز يتغذى في امريكا الاستوائية على عصارة اشجار معينة وتظهر على اجسامها الجافة اصباغ ذات الوان بهيجة وبعد ان كانت الصين رائدة الحرير في العالم القديم صارت امريكا هي الاول حتى انها عام 1973 منحت الصين 200000 دولار لتتمكن من شراء انوال الكترونية ولكن رغم هذا تعتبر الصين حتى الان البلد الرائد في حياكة الحرير كما ان روعة خيوط الحرير الصينية جعلت منها مقياسا للتميز وتحديد ثمن الحرير.