في هذا العدد من (بيان الثقافة) سنتتبع الملامح الاولية التي كشفت عنها الدراسات عن بواكير الأيقونات الموسيقية في الحضارة البشرية, والتي كانت بلاد ما بين النهرين شاهداً عليها, ورغم ان المادة المطروحة تحمل طابعاً سردياً للخصوصيات الموسيقية التي واكبت الحضارات القديمة, فإن طرحنا يحمل مقارنة ضمنية بين الدور الفعال والاساسي الذي قدمته الموسيقى إلى جانب الفنون الاخرى في تشكيل منظومة التفاعل الحضاري لبناء مجتمعات استطاعت ان تضرب جذورا عميقة في التاريخ البشري, والقيمة الحضارية والاخلاقية التي تشكلها الموسيقى في المجتمعات العربية في الوقت الراهن والتي تتقاسم ـ مع تلك المجتمعات التي عرفها التاريخ منذ فترة سحيقة ـ خصوصية المكان. عاصر ميلاد الموسيقى في بلاد ما بين النهرين مولد الدين السومري, فهي قديمة قدمه, بل ولدت توأماً له, مشاركة في اداء طقوسه التي يمثل الغناء فيها ركنا رئيسياً. تشير الوثائق التي تعود الى عام 2500 قبل الميلاد إلى اختيار موسيقي يقود فرقة الانشاد في معبد (ننجرسو) بمدينة (لكش) , وتولي آخر تدريب فرقة الغناء والعزف, وتؤكد هذه الوثائق أن بعض المدارس قد ألحقت بالمعابد لتدريس النصوص الغنائية الدينية, وقد عثر المنقبون على مجموعة من هذه النصوص الدينية التي كانت تدرس بمدارس موسيقية ملحقة بالمعابد الكبرى الشبيهة بالمدن الرئيسية.. وتعتبر النقوش وما حملته من مشاهد تصويرية لرعاة الماشية وهم ينفخون في المزمار ويعزفون على الطنبور (آلة وترية) من أهم المصادر التي تكشف أن الموسيقى لم تكن حصرا على الطقوس الدينية فحسب, وكان لها دورها المحوري في الطقوس الحياتية الاخرى, كالسحر ورقصات الحروب. الابحاث التي خاضت في اصول الموسيقى اجتمعت على أن نشأة الموسيقى بصفة عامة ترجع إلى واحد من مصادر ثلاثة, قرع الطبول والنداء المنغم, وهما اقدم وسائل الاتصال بين الناس, ثم الترنيمات التي تصاحب حركة عمل المجاميع البشرية, كأغاني الحصاد والبحارة والحرب, وأخيراً منابع الانفعال الغرائزي عند الناس وإحساسهم الفطري. اقدم فرقة ومن هذا الاساس يذهب عالم الموسيقى الالماني (كورت زاكس) الى أن اقدم فرقة موسيقية عرفها التاريخ هي تلك التي كانت في عهد الملك (نبوخذ نصر) خلال النصف الاول من القرن السادس ق.م, مستشهدا على ذلك بما جاء في نص (توراتي) من سفر (دانيال) (أنت أيها الملك قد أصدرت أمراً بأن كل انسان يسمع صوت البوق والناي والعود والرباب والسطير والمزمار وكل انواع العزف يخر ويسجد لتمثال الذهب) . وتشير الدراسات الى ان الشعر الغنائي كان يكتب في الحقبة السومرية من مقطع واحد, تصاحبه قطعة لحنية محصورة في نطاق السلم الموسيقي المعروف آنذاك, وهو السلم الخماسي (أي المكون من خمس أنغام فقط في الاوكتاف) , تلاه في مراحل اخرى في حضارات ما بين النهرين السلم السباعي النغم, وهو السلم الحديث المتداول في الموسيقى الغربية, وكانت الالحان تصاغ في قوالب متعارف عليها, كما يصاغ الغناء الديني في قوالبه الخاصة: (النشيد) و(البكائيات) و(الصلاة) و(الضراعة) وكثيراً ما اشتملت الأغنية على مقاطع عدة تصاغ لكل منها الحان خاصة, ويتخللها فاصل موسيقي, وكان قالب الدعاء في الصلاة أكثر القوالب شيوعاً, ويغلب عليه طابع الابتهال والتوسل. وتعتبر الوثائق التي دونت في عهد الملك (جوديا) عام 2400 ق.م, وحدها يرجع الفضل في إلمامنا بالكثير من الغناء الديني وقوالبه, ولم تتضمن أية وثائق أخرى سوى مشاهد منقوشة لعازفين ومغنيين وحفل ومآدب ملكية, ولقد عثر في بلاد ما بين النهرين على العديد من الآلات الموسيقية التي تعد أصولا لبعض الآلات الحديثة. ومن المؤكد ان التقاليد الموسيقية قد اتبعت بشكل أو بآخر منذ الأسر الاولى لسومر حتى آخر ملوك آشور, إذ أن الشعائر الدينية السومرية والموسيقى التي تعتبر جزءا لا يتجزأ عنها, قد استمرت على حالها طوال ذلك الزمان, ورغم كون البابليون والكاشيون والاشوريون شعوبا غازية, الا انهم لم ينزعوا الى التخلي عن عبادة الآلهة السومرية. وتعد الات الكنارة والقيثارة والانابيب الفضية التي وجدت بالمقابر الملكية في أور أقدم أمثلة لآلات موسيقية منغمة نشأت في مدينة حضرية عظيمة, ومع ذلك فمن المؤكد أن هذه الآلات الحضرية التي كان الصوت ينطلق منها عن طريق اهتزاز اوتار مصنوعة من امعاء الحيوانات مشدودة على صندوق صوتي رنان أو عن طريق اهتزاز ريش من صفائح (البوص) مثبتة في انابيب (كالمزامير المزدوجة), قد نشأت كلها في بلاد ما بين النهرين اثناء العصر التالي لثورة العصر الحجري الحديث (9000 ق.م ـ 4000 ق.م) الذي بدأت فيه الزراعة وتربية الماشية وممارسة أغلب الحرف التي اسهمت منتجاتها في راحة الانسان ورفاهيته. الموسيقى ودورة الحياة في تلك الحقبات كان لتربية الماشية وزراعة المحاصيل, معناه الارتباط بدورة الطبيعة والتعاون معها, وحياة المدن السومرية الكبرى ورخاؤها كان يعتمد على انتاج قوى الطبيعة وفق ما كان عليه المجتمع الزراعي في العصر الحجري الحديث, وكذلك كانت الاحتفالات الدينية السومرية, ولو أنها تطورت الى ماهو أبعد من حدود الطقوس البدائية الخاصة بالخصوبة, إلا أنها مع ذلك كانت تعبر عن تغير الفصول, فكان أعظم الاعياد هو ما يتصل بطقوس الخصوبة في العالم الجديد, ويبدو أن الثور كان يرمز اليها في الألف السابع ق.م., وذلك من واقع النقوش البارزة للعجول والربات في كهف (كاتال هويوك) بالأناضول, فقد كان الثور عند السومريين رمزاً مرتبطا بمعبودهم, وتتبدى الصلة الفريدة التي تربط بين الكنارة السومرية القديمة والثور ومايرمز اليه من التصويرات والزخارف في النماذج التي بقيت على مر الزمن. الزخم الآلاتي لعل استعراض أنواع الآلات الموسيقية وتركيبها وطريقة تناول الاداء على كل منها يلقي الضوء على فنون سومر وبابل وآشور في تلك الحقبة السحيقة من تاريخ الحضارة الانسانية. وبدراسة الآلات الموسيقية القليلة المكتشفة بمقبرة (أور) والنقوش البارزة والاختام ولوحات الفسيفساء التي تصور عازفين موسيقيين, وكذا الكتابات السومرية التي تتناول الآلات الموسيقية واسماءها, أمكن تقسيم الآلات الموسيقية إلى آلات إيقاعية وآلات نفخ ووتريات, فقد ابتكروا ستة أنواع من الآلات ذاتية الصوت, أي الآلات الايقاعية, وعلى الرغم من قلة ظهورها في مناظر الاحتفالات الكبرى فإن الدراسات تؤكد انها كانت شائعة الاستعمال, ويمكن حصرها في : العصي الإيقاعية والتي تتكون من عريضتين ملويتين تمسك كل منهما بيد, تصطكان أو تضرب إحداهما بالأخرى وترسلان تصفيقاً إيقاعيا وقد استعملت هذه العصي في عصور ما قبل التاريخ بمصر. ومن هذه الآلات المصفقات, وتتكون من قطعتين من الخشب على شكل قبقابين يقرع أحدهما بالآخر, وثمة صورة صغيرة لحيوان صغير يصفق بهما على خاتم من (أور) يرجع تاريخه الى حوالي عام 2600 ق.م. وهو محفوظ بمتحف جامعة فيلادلفيا في الولايات المتحدة. ومن بين الآلات الايقاعية كذلك الاجراس الكبيرة التي استخدمها الاشوريون في بعض الطقوس الدينية, كجرس محفوظ في متحف برلين يعود تاريخه الى عام 600 ق.م. ومن الآلات الايقاعية الاخرى (الصفوج) التي استخدمها الاشوريون في القرن السابع ق.م وكانت تصنع على شكل (اقماع مفلطحة) , يعلق أحدهما بالاصبع الوسطى والآخر بالإبهام من كلتا الكفين ويصك أحدهما بالآخر صكا رقيقا اذا ما كانا في وضعية أفقية, أو قويا اذا ما كانا في وضعية رأسية على نحو ما يفعل اليوم. ومن الآلات المعدنية الشيحة (الجلاجل) وتمتاز بملقط في سيقانه جلاجل أو صفوج متحركة, وعند اهتزاز الآلة ترتطم الصنوج فتخرج صوتا, وقد وجدت مصورة على قطعة مطعمة من الصدف وجدت في (أور) نحو 2500 ق.م, نرى عليها حمارا يعزف على كنارة وحيوانا يرفع بيده اليمنى آلة الصلاصل. من الالات الموسيقية التي تصنع من الفخار الاجوف على هيئة حيوانات صغيرة وتملأ بالحصى (الجلاجل) وقد اكتشف بعضها في المنطقة ما بين دجلة والفرات, ويرجح انها كانت من لعب الاطفال. ويرى أحد الباحثين عن الألف الثانية قبل الميلاد أن آلات إحداث الاصوات وكذلك تصاوير الموسيقيين الذين يقرعونها من مستحدثات العصر البابلي القديم, فعلى حين كانت نظائرها في الألف الثالثة قبل الميلاد ارستقراطية أو ملكية او كهنوتية كانت تلك عادية الطابع, تستخدم لهدهدة الاطفال وملاطفتهم. أنماط الطبول عرفت الطبول عند السومريين على أشكال وهيئات وأحجام متعددة متفاوتة, وقد كشفت الدراسات عن اثني عشر نوعا, وذلك لوجود اثني عشر اسما لها في اللغة السومرية, وأثني عشر مرادفا في اللغة الآكادية بشمال بابل, ولم تسجل النقوش السومرية إلا نوعا واحدا من الطبول يمثل طبلة ضخمة وضعت على الارض ويرتفع اطارها الخشبي الى محاذاة عنق العازف وهذا يعني ان قطرها كان يتراوح بين مئة وخمسين ومئة وثمانين سنتميترا, وكانت تسمى (جلد الثور الضخم) وبدت المسامير التي تشد جلدها على اطارها الدائري واضحة في النقوش التي صورتها, وثمة نقش بارز على إناء للزينة من بسمايا يرجع الى 2900 ق.م, محفوظ بمتحف استنبول, يصور طبلة كبيرة مستطيلة الشكل يقرع عليها العازف يمسك بها تحت ابطه خلف مجموعة من عازفي القيثارة. جاء تنوع الطبول في النقوش البابلية والاشورية بين كبيرة توضع على الارض, وصغيرة تمسك باليد في وضعية أفقية أو تحمل رأسية أو أفقية معلقة في حزام يلتف حول وسط العازف الذي يقرعها بيديه, وتختلف اطاراتها بين ضيقة وعريضة على هيئة برميل. وترجح الدراسات ان الطبول الضخمة انتقلت الى سومر من بلاد شرق آسيا ووسطها وذلك لتشابهها مع طبول معابد الصين, أما الصغيرة فقد انحدرت الى بابل من أصل سامي. وكانت الطبول تصاحب العزف على المصفار (الفلوت) أو النفخ في البوق, كما كانت لها قدسية خاصة أشبه بقدسيتها لدى بعض قبائل افريقيا الشرقية واصحاب بعض العقائد الهندية اليوم, ولما كان القمر معبوداً لهم آنذاك فقد كانت الطبول تدق لإثارة الحزن والنواح على القمر المختفي ايام المحق أو الخسوف الكلي. اما عند الاشوريين فقد كانت الصنوج الصغيرة على شكل مخروط, وكانت تقرع افقيا كما يبدو في لوحة من النقش البارز لقصر سنحاريب. ولقد شاع استعمال الآلات المنغمة من مصافر ومزامير وكنارات وقيثارات وعيدان, انتشرت انتشارا واسعاً في حضارة مابين النهرين. الآلات النفخية الآلات النفخية التي عرفت في تلك الحقبة وكانت مصنوعة من الانابيب, هي المصفار والبوق والنفير, ويعتقد ان السومريين كانوا يستخدمون بعض اوان فخارية للصفير, والراجح ان المصفار لم يكن له وجود في بلاد ما بين النهرين قبل سنة 2200 ق.م, اي بعد ظهوره بمصر في الاسرة الرابعة بعهد طويل, فهناك نقش على احد اختام الملك (جوديا) السومري يذكر ان (انلوليم) الراعي كان يشترك في طقوس المعبود (ننجرسو) ويعزف على المصفار ليدخل السرور على بلاد (اينينو) , غير ان السومريين لم يعرفوا المصفار الجانبي الفرعوني الذي اشتق منه المصفار (الفلوت) الاوركسترالي الحديث, ولا يزال المصفار الرأسي يستعمل في العراق في الوقت الحاضر دون ان يطرأ عليه تغيير او تحوير يذكر. استخدمت المزامير المزدوجة في بلاد مابين النهرين خلال الالف الثالث ق.م, وكانت المزامير المزدوجة في العالم القديم بكل انواعها سواء الطويلة فيها او القصيرة, المتوازية وغير المتوازية, او المنتهية ببوق في طرفها, كلها آلات ذات ريشة, وهذا يعني انه مهما كانت المادة التي صنعت منها الانابيب سواء القصب او الغاب البامبو او المعدن او الخشب او العاج او العظم, فإن الصوت يصدر عنها من خلال رقائق من البوص تسمى تسمى (الريشة) يهزها العازف بأنفاسه, ودرجة الصوت الصادر عن الانبوبة الاسطوانية للمزمار اكثر خفوتا من ذلك الذي يصدر عن الانابيب المخروطية القطاع. وقد استخدم اهل ما بين النهرين المزمار المزدوج ذا الانبوبتين المتصلتين على غرار المزامير الشائعة في البلاد القديمة بحوض المتوسط ومنطقة جنوب غربي اسيا, وعن هذه انبثقت الاوبرا الحديثة بريشتها المزمارية المزدوجة, اما الارغول المصري القديم بريشته الوحيدة فقد انبثقت عنه الكلارينيت الحديثة. وثمة مزمار مزدوج مصنوع من الفضة محفوظ بمتحف جامعة فيلادلفيا, كشف عنه بمقبرة (اور) التي يرجع تاريخها الى عام 2500 ق.م. وبكل انبوبة منه اربعة ثقوب يعني ان المزمار المزدوج قد ظهر في بلاد ما بين النهرين قبل ان يظهر في مصر بحوالي 1300 عام في عصر الدولة القديمة. ومن آلات النفخ الهوائية (القرن) الذي استعمل في نحو 2400 ق.م, فقد عثر في مدينة ماري على تمثال من الحجر لرجلين متجاورين وبيد كل منهما (قرن) . وتدلنا النقوش الاشورية التي تصور جنودا ينفخون في النفير, ان هذه الآلة ترجع الى العصر الاشوري, ويحتفظ المتحف البريطاني بمحارة من العصر الاشوري كانت تستخدم نفيرا بالنفخ في طرفها. الآلات الوترية اما الوتريات والتي تعتبر من اكثر الآلات خصوبة فكانت تضم في تلك الحقبة العود والكنارة والقيثارة. وتمتاز العيدان الاولى المصورة في النقوش التي ترجع الى العصر الآكادي (2350 ـ 2150 ق.م) بصغر صندوقها وطول رقبتها, ويرجح انها مشتقة من القوس الموسيقي السومري, وان الاشوريين سبقوا المصريين الى ابتداع العود, غير ان الكثير من علماء الآثار يؤكدون ان ثمة عيدانا في الدولة المصرية القديمة المعاصرة للسومريين وان هناك عيدانا اخرى عرفت في عهود سابقة على العصر السومري. وكانت الكنارة السومرية تتكون من صندوق صوتي ذي اطار غير منتظم الاضلاع ضلعه الرأسي البعيد اطول من الرأسي القريب من العازف, وعدد اوتارها ما بين ثمانية واحد عشر وترا, تلف اطرافها وتعقد على قطع خشبية صغيرة تثبت في القضيب العلوي المائل الذي ثبتت فيه الاوتار, يمسها العازف باصابعه دون استخدام ريشة لذلك. وكان هناك نوعان من القيثارة: القيثارة المنحنية التي تتشكل من قوس يشبه نصف الدائرة يصل بين طرفيه ضلع مستقيم والقيثارة المثلثة المكونة من ثلاثة اضلاع: الضلعان الرئيسان يحلان محل القوس المنحني. ويضمان بينهما زاوية عند استدارة القوس, ثم الضلع الثالث الرأسي الذي يصل بين طرفي الضلعين الرئيسيين, وتثبت الاوتار في كلا النوعين رأسية او افقية, ويعزف عليها بمسها بالاصابع او بريشة الغمز.