في نهاية العرض تقف ديدمونة القتيلة في غطاء رأسها الذهبي ثانية لتحدق في قدرها فيما زوجها وقاتلها عطيل يجثو على ركبتيه امامها مناشدا اياها بصمت لا للغفران بل للقصاص. على هذا النحو يختتم الاخراج الجديد لمسرحية شكسبير (عطيل) ، بنسخها المعدلة والمصاغة بمفردات قديمة من رقص الخمير التقليدي لترسل لمجتمع كمبوديا المعذب رسالة عصيبة: تحملوا مسئولية اعمالكم الشريرة!. وفي هذا الشهر عادت مجموعة من ابناء كمبوديا, ذلك البلد الصغير المنكوب بالفقر, المغتربين في الولايات المتحدة الى كمبوديا بروح من الحداثة المتشحة بأشكال الماضي الجميل. والهدف المعلن للفنانة سوفيلين تشيم شابيرو ( 32 عاما) هو بناء جسر ثقافي عالمي عبر تقديم قصة من ثقافة غربية كلاسيكية بواسطة فن كلاسيكي عظيم في كمبوديا. ويأتي عرض (سامريتشاك) ,والتي تعني بالكمبودية (الامير الحزين) عرفانا بالجميل لأساتذتها وتراثها ومحاولة لاغناء الامة التي تركتها قبل عقد من الزمن بالرؤية التي اكتسبتها في الولايات المتحدة. وتقدم الان اعتمادا على منحة من مؤسسة ارفين في كاليفورنيا بقيمة 30 ألف دولار بعرض مسرحيتها الراقصة التي يؤديها 30 راقصا وموسيقيا ومغنيا من جامعة كمبوديا الملكية للفنون الجميلة. ولقيت مغامراتها هذه ترحيبا حذرا. تقول شابيرو وهي تنقل عبارة سمعتها من عمها وهو من ابرز معلمي الرقص واحد اهم رعاة هذا الفن بعد ان استشارته بشأن رحلتها هذه: (القرد داخل القفص ليس بذكاء القرد الطليق في الغابات) . لكن عمها تشينج فون خلال احدى البروفات الاخيرة ظل متحفظا وصامتا وهو يراقب عرض قريبته الشابة وهو يرتدي ثوبه الابيض ويلوحه بمروحته السوداء من قصب البامبو. يقول متحدثا بالفرنسية (الامر يحتاج شجاعة لفعل ذلك. حتى الان لا استطيع الادلاء برأيي. بل انتظر النتائج) . عادات متميزة وتنحني شابيرو أمامه وهي تسمع رأيه. اذ ان احدى المواصفات الشخصية التي لم تفقدها نتيجة انتقاله للغرب هو توقيرها للكبار ولثقافتها. تقول (باعتباري فنانة كمبودية شابة ليس لدي المقدرة على تغيير اي شيء. اسلافي اوجدوا شيئا متفردا في تاريخهم. وكل ما يمكنني فعله هو محاولة تحسينه. اعتقد انني سأكون مجرمة لو فعلت اي شيء يضر به) . لكنها تقول في اشارة الى المشهد الفني النابض في وطنها الجديد كاليفورنيا (بانها تأمل بتوسيع نطاق مفردات الرقص لجعلها ذات صلة ومعنى بالنسبة للمشاهدين الكمبوديين المعاصرين). والصيغة التي وضعتها شابيرو لمسرحية (عطيل) لا تتضارب ابدا مع الاشكال القديمة بحركاتها المعقدة والصعبة وازيائها البراقة والظلال المنعكسة المتراقصة على الجدران وايقاعاتها النابضة. وقد طورت شابيرو القصة بحيث يمكن للجوقة التقليدية غناؤها, لكنها مع ذلك لم تستخدم سوى الصيغ الموسيقية التقليدية الشائعة, اما ابتكارها الاكثر جرأة وحسب قولها فهو تطويل الخطوة الايقاعية للراقصين بشكل بسيط بحيث تعكس امواج المحيط. لكن مهما كان الشكل الفني ثابتا, فإن كل فنان جديد يستطيع ان يستوعبه, وشأن كل ابناء جيلها عاشت شابيرو اسوأ ازمان تاريخ بلادها الا وهي حكم الخمير الحمر الشيوعيين المسئولين عن مقتل اكثر من مليون انسان بين عامي 1975 و 1979. اما الان, ربما كنتيجة لتجربتها في الولايات المتحدة وربما لا, فإن لديها شيئا تقوله لأبناء بلدتها تقول شابيرو ان الرجال الكمبوديون الذين حضروا العرض قالوا بأنهم وجدوا في انتحار عطيل علامة ضعف خصوصا حينما يكون قائدا عسكريا. وتضيف: (كنت افكر بذلك, ربما كان في عطيل ما يمكن للكمبوديين تعلمه, الا وهو ان الانسان يجب ان يتحمل مسئولية افعاله) . عطيل يحاسب نفسه (الخمير الحمر اليوم لا يقولون انهم كانوا مسئولين عن قتل الكمبوديين اما عطيل وعلى الرغم من انجازاته في حياته العسكرية يعاقب نفسه على خطأه حينما قتل شخصا بريئا. وفي القصة آخر كلمات يقولها عطيل ليست هي, ارجوك اغفري لي, بل هي اقتصي مني) . هذا ليس بأمر سهل ليقوله الانسان في كمبوديا اليوم, حيث الرجال الاقوياء نادرا ما يقتص منهم. ومعظم قادة الخمير الحمر مازالو طلقاء, كما ان معظم قادة المجتمع يقبلون اقتراحهم بأنه (عفى الله عما سلف) . وقد اربك بعض الكمبوديين عرض قصة اجنبية هنا, فما بالك بفكرة القصاص الاجنبية, وفي لقاء تم مؤخرا, سألها صحفي من جريدة (راسمي كامبوتش) بشكل متكرر عن السر في تقديمها لعناصر غريبة في فن تناقلته الاجيال. وقال الصحفي (هذا ليس هما لي فقط بل هم العديد من الناس) . اما شابيرو فردت بأن الرقص الكمبودي بحد ذاته له جذوره في الهند كما ان القصص المحورية التي يقصها وعلى الرغم من عناصر الشبه العديدة التي فيها بأفكار عطيل مأخوذة من ملحمة رامايانا الهندية الضخمة. هي ليست مغتربة عن الثقافة الكمبودية. بل كانت طفلة ايام حكم الخمير الحمر كما كانت اولى الصغار الذين تدربوا على الرقص اوائل الثمانينيات بعد ان صارعت بعض راقصات البلاط اللواتي مازلن على قيد الحياة لبث الحياة في هذا الفن. وعام 1991 تزوجت كاتبا امريكيا هو جون شابيرو وانتقلت معه الى كاليفورنيا حيث كرست نفسها هناك للثقافة الكمبودية باعتبارها راقصة ومعلمة ومديرة للبرامج الثقافية في لونج بيتش. وتقول انها تشعر بالذنب لأنها تركت معلماتها وزميلاتها خلفها في الاكاديمية العادية. وما كان عرضها لعطيل الى اعترافا بجميلهم في جزء منه. تقول: (باعتباري فنانة كمبودية اشعر بالذنب نوعا ما لأني غادرت. بعد عهد الخمير الحمر ناضلت معلماتي لتعليم جيلي وأملن بأننا سنتحمل بعدهن المسئولية في الحفاظ على الرقص هنا, لكني غادرت, لقد كادت تضيع جهودهن لأن تلميذتهن لم تكن ذات جدوى لهن) . (على كل حال لا اظن اني افضل راقصة في المدرسة. ربما استطيع تعلم اشياء اخرى في الولايات المتحدة واتمكن من خدمة كمبوديا على نحو افضل مستقبلا) . وتتفجر افكارها على نحو اقوى بعد انتهاء عرضها الراقص الذي وضعته, ولوعيها بأنه من غير المناسب في التقاليد الكمبودية ان تموت الشخصيات في النهاية, فقد قررت بعثها في لحظة تتحدىفيها كلا الثقافتين. تقول: (في النهاية ينهضان ويصبحان كتمثالين. موتهما جسدي فقط. اردت القول ان ديدمونة تتحرك سواء غفرت لعطيل ام لم تغفر. كما ان تعابيرها المتأملة تتضمن ازدراء عميقا هذا هو الشعب الكمبودي اليوم. انهم يتحركون, لكنهم لم يغفروا للخمير الحمر, عطيل جاء امام قدميها متحملا مسئوليته عن افعاله على عكس القادة الكمبوديين الذين يوجهون اصابع الاتهام لبعضهم البعض) .