تكثر المعاهد والاكاديميات في العالم العربي لتدريس الفنون المسرحية, وتتعدد في البلد الواحد حتى يكاد عددها يتجاوز الخمسة او الستة, وهي تتنوع بين المعاهد الخاصة والرسمية (الحكومية), كما في لبنان مثلا. وتخرج هذه المعاهد عددا كبيرا من المسرحيين المتنوعي الاختصاص: كالتمثيل, والاخراج, والتقنيات المسرحية المتعددة, وهم يمكن ان يشكلوا فيما بعد التخرج نواة إبداعية تربط ما بين الافكار النظرية والمعرفة الاكاديمية, وبين النشاطات الابداعية الخلاقة, التي يعود الفضل في تعزيزها وتطويرها الى تنوع الخلفيات الثقافية, التي يحملها الاساتذة, فيعملون على تثقيف الطلاب وعلى تعريفهم بالفن المسرحي, وتكليفهم بإعداد مشاريعهم المسرحية التي تزدحم بها منصة الاكاديمية او المعهد. ولكن اعمال الطلاب لن يقتصر تقديمها على المنصة الاكاديمية, ولن تبقى خدمات الاكاديمية مستمرة, بتوفير مكان العرض, وبإنتاجه, وبتأمين حضور المشاهدين وهم طلاب, لان هؤلاء سوف يتخرجون ويخرجون لمصيرهم, فعلى عاتقهم تقع مهمة صعبة, انها مهمة تشكيل حركة مسرحية متطورة تنم عن وجه عربي حضاري... وعند التخرج يقف هؤلاء الطلاب الخريجون امام صعوبات كثيرة تحول دون تفجير ابداعهم المختزن في دواخلهم, وتحول ايضا دون اظهار مواهبهم الفنية, ويمكن تحديد هذه الصعوبات بالآتي: * اختلاف نسبة دعم الانتاج المسرحي من بلد لآخر, او في افضل الحالات قلة توفر المنتجين الذين يولون اهتمامهم بالمسرح الجاد او التجريبي. * عدم توفر النصوص المسرحية التي تعبر عن قضايا هذا الجيل وهمومه. * العلاقة مع المشاهد والجمهور, اي مدى محاولة التعرف الى الجمهور. * آلية الاستفادة من التطور التكنولوجي, لتوظيفه في المسرح. الانتاج المسرحي بالنسبة الى المسألة الاولى اي قضية الانتاج المسرحي, يمكن الرجوع الى الواقع المسرحي في لبنان, حيث يصطدم الطلاب والخريجون بعدم اهتمام المنتجين المسرحيين بنوع المسرح الجاد, الذي ينتمي اليه هؤلاء المسرحيين الجدد, انطلاقا من منطق الربح والخسارة التجاريين, ويؤثر المنتجون المسرح الذي يستقطب عددا اكبر من المشاهدين, الامر الذي يضع المسرحيين امام خيارين: أولهما, الانصراف الى النوع الاخر من المسرح, المسرح الذي يلتزم بشروط شباك التذاكر. وهنا اود تجنب ما شاع من تسمية المسرح ووصفه بالتجاري. وثانيهما, الاعتماد على التمويل الذاتي لنتاجهم المسرحي, او اللجوء الى جهات تمويلية, وما اكثرها في هذه المرحلة: انها متعددة الهويات والانتماءات, من اوروبية الى امريكية... اما العربية, فهي قليلا ـ بل ـ نادرا ما تهتم بتمويل المشاريع الفنية: السينمائية او المسرحية ذات الميول والاتجاهات التجريبية, وهذا أمر يرتبط بالضرورة بالسياسة الثقافية التي تدخل ضمن المخططات التنموية والمعرفية التي تضعها الدولة, او النظام ضمن اولويات استراتجيتها, وهنا لابد من ايراد بعض الأمثلة الحية الناتجة من مشاهدات عن كثب, او من معرفتنا الناتجة عن اطلاعنا على بعض الدراسات والأبحاث التي يقوم بها الباحثون المسرحيون العرب في دراسة الواقع المسرحي العربي: ففي المغرب, عبدالرحمن بن زيدان وحسن المنيعي, وفي تونس محمد المديوني, وفي مصر نهاد صليحة وهدى وصفي وفوزي فهمي وسمير سرحان, وفي الامارات عبدالاله عبدالقادر وفاروق اوهان ويوسف عيدابي وجمعية المسرحيين في الامارات..., وفي لبنان بول شاؤول وعبده وازن, وفي سوريا نبيل حفار وماري الياس, وفي الكويت فؤاد الشطي وعبدالعزيز السريع, وفي البحرين يوسف الحمدان وعبدالله غلوم... تدلنا هذه الدراسات على موقع المسرح في الثقافة العربية, وتبدو نسبة اهمية المسرح مختلفة من بلد لآخر ففي مصر وفي سوريا تساهم الدولة ووزارة الثقافة بتعزيز دور المسرح, وبدعمه عن طريق انشاء البنية التحتية للمسرح: بناء او تأمين صالات العرض, والمساهمة في انتاج العروض المسرحية, وفي تقديم المكان المسرحي, وبدفع اجور المسرحيين ولاسيما الممثلين. يؤكد ذلك احد الخريجين المسرحيين السوريين مصطفى الخاني قائلا: (هناك قطبان مهمان تتشكل منهما البنية المكانية للمسرح, المسرح القومي والمسرح الجامعي والاثنان تابعان لوزارة الثقافة, وبعد التخرج يدعم المسرح القومي الخريجين بتقديم عروضهم, وكذلك المسرح الجامعي حيث يقدم المسرح الخاص بالمعهد عروض الخريجين وهو مجهز بأفضل التجهيزات, كما تسلم وزارة الثقافة الشئون المسرحية الى الخريجين الذين يوظفون في قسم مديرية المسارح, حتى يتمكنوا من تحمل مسئولية المسرح من الداخل) . المسرح التونسي في تونس يستند المسرح الى بنيته المادية المستقرة التي تنعكس على المستوى النوعي الذي بلغه المسرح التونسي ويشير الى ذلك الخريج المسرحي التونسي فوزي محمود عندما يقول: (بكل موضوعية, اتكلم عن المسرح التونسي الذي اعتبر انه خطا خطوة لافتة ومميزة تشهد لها الابحاث النقدية المسرحية. وهذه الخطوة هي مدعومة باعتبار ان الرئيس الجديد يعتبر انه لا مجال الان لتهميش الثقافة, وتبنت ذلك وزارة الفنون التي تتكون من عدة ادارات: ادارة المسرح والفنون, وإدارة السينما, وإدارة الفن التشكيلي... وتدعم هذه الادارات الفنون المسرحية, وبالأخص الفن المسرحي المحترف والهاوي, اذ نجد في تونس مئة وخمسين فرقة هاوية تدعمها وزارة الثقافة, بالاضافة الى ستين فرقة محترفة, كما توجد شركات خاصة تعنى بالانتاج والتوزيع والنشر الثقافي, ولكي تيسر اعمالها تعفى هذه الشركات من الضرائب, كما يفترض ان يكون ضمن الشركة المختصة فنان متخصص في الفنون المسرحية مثلا, لهذا تسلمه الشركة إدارة الفنون, وينبغي ان أذكر ان الدولة هي التي تدعم المسرح, والممثلين, وتؤمن الديكور...) وفي المغرب وليبيا يلقى المسرح, هذه الظاهرة المادية للثقافة, اهتماما من قبل القيمين على الحالة الثقافية والفنية وتحديدا المسرحية... اهتماما لافتا قياسا باهتمام المؤسسات اللبنانية بالمسرح حيث لا يوجد حتى اليوم اي من المؤسسات او اماكن العرض, وحيث تقوم الاعمال المسرحية والعروض على انتاج المسرحيين الجدد انفسهم, واليوم تقوم تعاونية شمس, هذه التعاونية التي اسسها المخرج المسرحي اللبناني روجيه عساف مع الشباب اللبنانيين المسرحيين, والسينمائيين والموسيقيين والتشكيليين, والتي تهدف الى دعم انتاج الشباب الفني. ويلقى المسرح اهتماما كبيرا في عدد كبير من دول الخليج ومنها الامارات حيث شاهدنا ما يؤسس له من بنية تحتية لاسيما في الشارقة مع العلم ان معرفة هذه المناطق وممارستها للمسرح هي معرفة وممارسة حديثتين. ونحن اذ نتعرض لهذه الصعوبة علاقة المسرح بالانتاج, نقوم بذلك ليس بدافع العرض فقط انما بدافع محاولة الكشف عن سياسة الدول والأنظمة والمؤسسات الثقافية في العمل على تطوير وعي الشعوب الحضاري, لأن الفنون وتطورها هي جهاز الرصد الجلي والظاهر للمقياس الحضاري. انها مظهر من مظاهر نموها المعرفي بأكثر من وسيلة من وسائل التعبير بما في ذلك السلوك وأنماط العيش الاجتماعي. (ترتبط الفنون بحياة الشعوب, بوعيهم للعالم, بتأويلهم للكون, بممارساتهم المتنوعة. وهي بذلك كما أظهرت العلوم الانتروبولوجية, فنون ترمز الى الثراء البشري, وتشير الى نوع تقدرات الناس الخلاقة) (يمنى العيد, الكتابة تحول في التحول). لذلك وعت بعض الدول العربية الى اهمية الفنون, ولاسيما المسرح, فقامت بدعم النتاج المسرحي, وبتوفير الامكانات الضرورية لتطويره. أزمة النصوص وتلي هذه الصعوبة, صعوبة اخرى ترتبط بعنصر اساسي من العملية المسرحية, وهو النص المسرحي, وهو إذ لم نبالغ يشكل العنصر الاول في العرض المسرحي. واذا عدنا الى مرحلة الستينيات, مرحلة تفجر الابداعات المسرحية: شكلا ومضمونا, ومرحلة التأثر بالتيارات الحداثية التي بدأت تصوغ للمسرح صياغات فكرية وجمالية وهبتها الحداثة مقومات متعددة, فضلا عن ذلك اغتنت تلك المرحلة بالقضايا السياسية والاجتماعية, شكلت مادة حقيقية تعبر عن هواجس جيل الستينيات واهتمامهم, فلجأوا للتعبير عنها الى نصوص تنبع من منهلين: ترجمة النص الغربي او اقتباسه او الاعداد عنه, والبدء بتأليف النصوص المسرحية المحلية. ظهر الكتاب المسرحيون العرب, في مصر ظهر توفيق الحكيم, والفريد فرج, يوسف ادريس, نعمان عاشور, عبدالرحمن الشرقاوي, سمير سرحان, فتحية العسال... في سوريا كتب ممدوح عدوان, سعد الله ونوس, محمد الماغوط, فرحان بلبل... في الكويت كتب عبدالعزيز السريع... في تونس كتب عز الدين المدني... في المغرب كتب الطيب الصديقي, وعبدالكريم برشيد, وفي لبنان كتب عصام محفوظ, وريمون جباره... كتب هؤلاء وغيرهم نصوصا للمسرح, تنوعت فيها الرؤية الابداعية, فمنها ما تراوحت في محليتها لتعبر عن واقعها الاجتماعي, والسياسي, والاقتصادي. ومنها ما اتسعت مداراتها المحلية لتطول العالم العربي الانساني, والثقافي... أما اليوم, وقد خضعت هذه المرحلة لتطورات متعددة الأوجه, صارت الدراسة المسرحية دراسة اكاديمية, بحيث تخرج الأكاديميات عددا كبيرا من المسرحيين المتخصصين, هؤلاء الذين الى جانب موهبتهم الابداعية, يفترض ان يكونوا قد تلقوا أصول التأليف المسرحي نظرا لادراج مادة التأليف المسرحي ضمن المناهج الاكاديمية, كما يفترض ان يبادروا بخوض تجربتهم التأليفية, ولكن مشاهداتنا لاعمال هؤلاء المسرحية تظهر انهم اما يعتمدون على النصوص المسرحية الغربية, فيترجمونها او يعدونها, واما يعتمدون نصوصا محلية الفها كتاب مسرحيون عرب. وفي هذا المجال لابد من التساؤل, عن اسباب عدم كتابة هؤلاء الخريجين المسرحيين لنصوصهم, هل يعود ذلك لعدم توفر الموضوعات التي يمكن ان يشكل منها طابع المسرحية؟ نعتقد ان هناك قضايا كثيرة يمكن ان يعبر عنها هذا الجيل, الوضع الاقتصادي, مشاكل البيئة, تغير الكثير من القيم الاخلاقية والاجتماعية, بحيث صارت ترتبط بمعظمها بقيم المركز العالمي نتيجة التحولات التي اقتضتها شروط العولمة, والتي خلقت لدى هذا الجيل المسرحي حالات تصارع بين القيم المحلية الموروثة, وبين هذه القيم الجديدة التي تفترض خلق جيل عالمي متشابه ممسوح الخصوصية, لذلك ينبغي ان يعي هذا الجيل كيفية التعاطي مع هذه القضايا, التي من الممكن ان تشكل تيمة جوهرية من ثيمات المسرح. اذا ما قاربنا بين هذه المرحلة ومرحلة الستينيات, لألفينا ان معطيات هذه المرحلة غنية بالقضايا السياسية, والاجتماعية, والاقتصادية, والثقافية, لذلك نتساءل عن مقدار اهتمام هذا الجيل بتجسيد هذه القضايا في نصوصهم؟ مع العلم ان العروض المسرحية التي يقدمها هؤلاء الخريجون تبحث في النصوص المسرحية عما يعبر عن اهتماماتهم, وغالبا ما تكثر الاشكال التي تعبر عن الاحباط, والموت, والسوداوية, والانحراف, ولكنها تقل, لا بل تندر في التعبير عن الرغبة في التغيير, او العمل على المساهمة في بناء الوطن والمواطن, ويعكس اذ ذاك المسرح لجوء الجيل المسرحي الجديد الى النصوص المسرحية في بنيتها وتقنياتها الغربية, مما يوعز الينا بالتساؤل عن سبب عدم كتابة هؤلاء لنصوصهم؟ نعزو السبب ربما الى حاجة الجيل المسرحي لان تتخمر تجربتهم, فالكتابة المسرحية تعوزها التجربة الحياتية والمراس المسرحي... العلاقة مع الجمهور والصعوبة الثالثة, اي العنصر الثالث من عناصر العملية المسرحية بعد الممثل والنص, تكمن في نوعية العلاقة مع الجمهور, المشاهد, المتلقي. هذا الجمهور الذي تعاملت معظم الدراسات تقليديا, ولفترة طويلة مع مفهوم الجمهور باعتباره كتلة غير واضحة المعالم, ثم طرح في الدراسات التي عرفها القرن العشرون, وضع المتفرج كفرد, هو انسان مجهول الهوية في البداية, ولكنه في الوقت ذاته انسان ذو كيان خاص وانتماء اجتماعي, ومستوى ثقافي معين, وطرح هذا المفهوم ايضا آلية استقباله للعرض المسرحي, بحيث يصير كل الافراد المشاهدون جمهرة يربط بينها الرغبة في متابعة عرض مسرحي ما. (تراقب هذه الجمهرة العرض, وتحكم عليه, باعتبارها مجموعة من أفراد تميزهم معتقداتهم الجمالية, والايديولوجية) (باتريس بافيز, المسرح في مفترق طرق الثقافة). ونعتبر ان مسرح الجيل المسرحي الجديد لا يتطلب مشاهدا يختزل من خلال طبيعته المحافظة, وغير المتسائلة, الى متلق سلبي للعلاقات, لا يقوم بدور ايجابي او جدلي في انتاج المعنى, فمسرحه التجريبي لا يتطلب من المتفرج الاستهلاك فقط, والا تتحطم الوظيفة الاتصالية للمسرح, وينعدم التواصل بين المسرح والمشاهد, المتلقي. لذلك ينبغي ان يكون هناك تواصل حقيقي بين الخشبة والقاعة لان (المسرح هو الصيرورة, وانتاج وعي جديد في نفس المتفرج, وعي ناقص شأن كل وعي, ولكنه محرك من لدن هذا النقص نفسه) (سياسات الأداء المسرحي, بازكير ـ شو). انطلاقا من هذا المفهوم ينبغي ان يصوغ الجيل المسرحي الجديد علاقته مع الجمهور, المشاهد, لان مبدأ تاريخ اي عصر من عصور المسرح, يتضمن تربية المشاهد على عادات معينة في المشاهدة, وكلما زاد تعقيد التقاليد الخاصة بالنص والعرض, زادت المتطلبات من المتفرج للمشاركة في بناء فضاء مسرحي, في المتخيل من ما يشاهده على الخشبة. لذلك يقصد المسرح انواع مختلفة من الجمهور, ويرتبط اختلافه باختلاف انواع المسرح: يقصد مسرح الطفل الاطفال, ويقصد المسرح التجريبي, الجاد الجمهور المتخصص والمثقف, يقصد المسرح التجاري جمهور اللاهي ويقصد المسرح الراقص الجمهور الذي تستهويه مشاهدة الحركة الراقصة, ويجذبه سماع الموسيقى المرتبطة بتعبير حركي على الخشبة. في بيروت مثلا, يبدو هذا الفرز لانواع المشاهدة جليا واضحا, فللفودفيل مشاهده الذي ينتمي الى الفئات الاجتماعية المتوسطة, يبحث عن متعته والتفريج عن نفسه, وللمسرح الجاد مشاهده الذي يبحث عن المتعة البصرية والجمالية والابداعية (التمثيل, والديكور, والسينوجرافيا, والاضاءة...) والمتعة الفكرية (الرؤية الابداعية, والفكرية التي يطرحها العرض) والذي يطلب من العرض ان يحوله الى مشاهد, متلق متفاعل, وليس متلقيا سلبيا يخضع لشروط العرض ومقتضياته. ينطبق الامر نفسه على الجمهور, المشاهد اينما كان, شرط ان تتم دراسة بنية هذه المشاهد الفكرية, والثقافية... متى عرف هذا الجيل المسرحي هذه البنية, لن يفاجأ بعدد المشاهدين الذين يقصدون عرضه. وعليه ان يعرف ايضا انه كلما تمكن من مس مشاهده ومن التوغل الى دواخله, وبعثرة الثابت والراكد لديه, وجسد قضايا تؤرقه, كلما يستطيع بناء علاقة تفاعلية مع هذا المشاهد... لانه استفزه... واقلقه... ولم يطهره كما يريد ارسطو من خلال نظريته (التطهرية catharsis) . والتطهر هو عملية تنقية وتفريغ لشحنة العنف الموجودة عند المشاهد, مما يحرره من أهوائه (ماري الياس وحنان قصاب, المعجم المسرحي). التطور التكنولوجي ومن الامور التي على المسرحيين الجدد التركيز على آلية التعاطي معها, وكيفية الافادة منها, هي التطور التكنولوجي, والتمدد السيبرنيتيكي الذي بدأ يثير رعبا لدى المسرحيين. لا ننكر ان التكنولوجيا قد ضاعفت قدرة الاعلام على جذب المشاهد, لاسيما الاعلام التلفزيوني الذي تضاعف عدد مشاهديه, وبالمقابل ينبغي ان للمسرح وسيلته التأثيرية, ومتعته المميزة التي يقدمها حية للمشاهد. لذلك افاد عدد من المسرحيين الجدد من هذا التطور, فاستخدموا التقنيات الحديثة في تنفيذ السينوجرافيا, واغنوا بها مواصفات الصورة البصرية, اذ كثرت على الخشبة عناصر ذات دلالات رموزية تشي بمضمونها الى لغة مسرحية تقتصد من الثرثرة الكلامية, الحوارية وتستعيض عنها بعناصر رؤيوية... وفضلا عن ذلك يمكن توظيف الاضاءة المتطورة في سياق ينسجم والنسق العام للعرض, وكذلك الموسيقى التي تشكل في بعض العروض عنصرا مهما, يتأسس منه ايقاع هذا العرض... ولكن لتوظيف هذه التكنولوجيا محاذيرها, وخطورتها, إذ نشاهد اليوم عددا من العروض التي تغرق في المشهدية البصرية, وفي شروط الصورة المغرية, على حساب قيمة العرض الفكرية ودوره التواصلي لأنها تجعل المشاهد في موقع الحلال لرموز لا يفقه دلالاتها فهي غريبة عن ثقافته ومعارفه الفنية والجمالية, مما يؤدي الى انقطاع التفاعل مع العرض المسرحي... صعوبات كثيرة تعترض مسيرة هؤلاء المسرحيين الجدد, وقد حصرناها في هذه المقالة بأربع, وهي تشكل قضايا اساسية في امكانية خوض التجربة المسرحية, واهميته, وكلما آمن بما يقوله المسرحي الألماني بريشت في دور المسرحي, الذي ليس (كافيا ان يفهم العالم, ولكن المفروض عليه ان يغيره) . ولكي يتمكن هذا الجيل من تشكيل حركة مسرحية عربية تقارب حركة الستينيات من حيث النوع, والمستوى المسرحي المتطور, ينبغي ان تقوم الدولة والمؤسسات الثقافية بدورها والتربوية بدورها, من جهة دعم الانتاج المسرحي, وتأمين البنية التحتية للمسرح, والتشديد على ضم مادة المسرح ضمن المناهج التربوية, لتعد جيلا يعرف المسرح, ويفقه العناصر المشكلة له, وبذلك يمكن ان يدخل المسرح في نسيج العناصر المادية للثقافة. ولكي يستمر التواصل والتفاعل بين المسرحيين العرب أنفسهم, بهدف المشاركة بتشكيل حركة مسرحية عربية متطورة, ينبغي العمل على تبادل الخبرات المسرحية النظرية والعملية, او التطبيقية الشبابية والرائدة, عن طريق قيام المؤتمرات والمهرجانات التي يشارك فيها هؤلاء المسرحيين الجدد وليس كما ثابرت ادارة المهرجانات والمؤتمرات على اشراك وجوه مسرحية مكرسة ومتكررة, ينبغي ان تفسح هذه الحلقات وهذه اللقاءات المجال أمام الجيل الجديد للمشاركة والتعبير عن مفهومه للمسرح, وعن علاقته بكل عناصره, الى جانب المسرحيين الرواد ذوي التجربة المسرحية الابداعية, كما ينبغي ان يشترك هؤلاء بورش عمل مسرحية, على النحو الذي تقوم به مديرة مسرح الهناجر في مصر هدى وصفي. وبذلك يمكن العمل على تطوير المسرح العربي, في حال اتجه التخطيط نحو دعم الجيل المسرحي العربي الجديد. بقلم: د. وطفاء حمادة