أن تبدأ بخطأ إملائي, تتماثل منه بأخطاء قواعدية, إضافة الى الكتابة كيفما اتفق على هامش وسيع يماثل المتن الا انه هامش. هل كان الفدائي خطأ إملائياً تصعب تهجئته لذا توّجب حذفه. هل كان ركاكة تهدد النص المنمق بجمله المتسقة النظامية, قاعدة شاذة طارئة يصعب احتواءها في كتب القواعد والنحو والإملاء. (الصفحة التي كانت في البداية بيضاء, تخترقها الآن, من عل الى سفل, علامات سوداء صغيرة: الحروف, والكلمات, والفواصل, ونقاط التعجب, هذه العلامات التي بفضلها يقال ان هذه الصفحة صارت مقروءة. ومع ذلك فان بعض قلق في الفكر, ونفور هو اقرب ما يكون الى الغثيان, وضرب من التردد احجم بسببه عن الكتابة, هذا كله يجعلني اتساءل: هل الواقع هو حقا هذا المجموع من العلامات السوداء؟ البياض هنا حيلة تحل محل شفافية الرق والمغر المحزز في رقم الصلصال, ولربما كان لهذه المغرة بارزة الأشكال, مثلما للبياض والشفافية نفسهما, واقع أقوى من العلامات التي تأتي لتشوه هذا كله. أكانت الثورة الفلسطينية مكتوبة في العدم, زخرفا على عدم, وهل الصفحة البيضاء, وكل انزياح صغير على الورق الابيض بين كل كلمتين, أكثر حقيقة من العلامات السوداء؟ القراءة بين الأسطر فن أفقي, وبين الكلمات هي فن عمودي. ولئن كان واقع الزمن الذي امضيت في جوار فلسطين ـ لا أقول معهم ـ محفوظاً في مكان ما, فإنه (وأنا أعبّر عن هذا برداءة) سيكون محفوظاً في طيات كل كلمة تزمع الابانة عن هذا الواقع, على حين يتكور الأخير حتى ليقترن بنفسه, محشورا, او بالأحرى متغّمدا بهذا القدر من الدقة بين الكلمات, في هذا الفضاء الابيض لكل صفحة من الورق, لكن ليس في الكلمات نفسها التي كتبت ليتلاشى هذا الواقع. او فلأعبرن على نحو آخر: فالفضاء المحسوب بين الكلمات اكثر امتلاء بالواقع من الزمن الضروري لقراءتها, لكنه ربما كان معبأ ايضا بذلك الزمن المضغوط والفعلي, المحصور بين كل حرف من اللغة العبرية (والحروف الأخرى). الانعكاس والحقيقة الأسود والأبيض (رجوعا الى فرانز فانون), الاحتفاء بالأسود دون مقاربته النقيض ليتضح. الهوية هوية فقط بعد تنحية المختلف بوصفه تهديداً يحث على التماسك, وتوحيد الابتسامات باعتياد الموت والرفق به كظل. احتفاء التشابه البهي, ولا متكئ على الابيض (العدو) الذي اكد تشابههم بالإبادة التي يمليها, فتخرج من أفواههم تلك الأناشيد المتنقلة من جبل الى اخر, من بلد الى اخر. (يدورون حول الكرة الارضية, مغلفين بجميع العوالم التي اخترقوها) . العلانية ليقول الفدائيون أنهم هنا, ومن بجوارهم (جان جنيه) يؤمن بطريقهم, والمسافة, ونوعية الخطى وامتثالها للموت. حفاوة استقبال القادة للفدائيين تليق تماما بوداع من سيموت في أية لحظة, لا على الارض المقدسة بل من أجلها. الأسود والأسود, الانعكاس والحقيقة. ارتحال الشبيه الى البياض مؤقتا بوهم الابدية وما أملته من تعميق سواد الأسود وفضه. القصر هو الانعكاس, مدينة الصفيح الحقيقة, حقيقة القصر ما كانت الا في الانعكاس والعكس بالعكس, بنوع من الحسد المتبادل الموجب انهاءه بالاستيلاء على الصفيح, لسد نوافذ القصر, وتحويل تعذر الرؤية الى عمى مبرر, مبارك من الأبيض نفسه, موزع الألوان والصفات حسب مصالحه. رقص ورقص مضاد, رقص آيل للانهيار, رقص شعب بأكمله, أمام حشد من المتفرجين اللامباليين المستعدين لاغلاق المسرح, وإنهاء العرض لصالح ما يمليه عليهم لونهم الذي يختار شبيهه متى شاء. هذا التطواف خارج فرنسا واوروبا منطقي. (انه طبيعي) , يقول جنيه, (أن اتجه نحو المحرومين ونحو أولئك الذين يبلورون جيدا حقد الغرب) . ويضيف جنيه واصفا اليسار الفرنسي بأنه يتبع طريقة يهود[ية] ـ مسيحية في التعقلن, ويشعر بأنه غير قابل على الارتباط به. اليسار الفرنسي مثالي أكثر مما هو سياسي, وعصبي أكثر مما هو معقول. (جان جنيه مع الفلسطينيين, الطاهر بن جلون).. الاشكالية التاريخية وفي حوارات سعد الله ونوس مع جان جنيه يمس جنيه النقطة الحساسة والموجعة لدى معظم المثقفين العرب. او موضوعنا الأساسي, اشكاليتنا التاريخية, كما يسميها عبدالله العروي. (للأسف, لاحظت أنكم موشومون بالثقافة الغربية, وأنكم تشكلون أنفسكم وفقا للنموذج الاوروبي, وهذا يعني ان الغرب اصطادكم في فخه الماكر. لقد نجح في أن يصبح مرآتكم, وان يحفر في اعماقكم شعورا مستمرا بالنقص حياله وقد جاءت هزيمة حزيران, وهي بكل مظاهرها هزيمة امام (الاوروبي) , لتعمق شعوركم بالنقص, وتضاعف حاجتكم لان تعكس لكم المرآة صورة مرضية. ولكن أية مفارقة انكم تبحثون عن صورة مرضية في مرآة لا يمكن ان تعكس لكم الا سيماء الضعف والنقص والانسحاق. هذا هو الفخ الذي تتخبطون في حبائله. حين يصبح العدو هو بالذات مرآتكم ومرجعكم في الثقافة والسلوك والطموح, فإني أتساءل أين وكيف تأملون هزيمته! (ولدت في الطريق وسأموت في الطريق, جان جنيه).. الأسود بشطريه: الشطر الأول منغمس باحتمالات الفناء, الدافع الى الانتشار المتخطي للحدود, والمتفق تماما مع حالة اللا ارض, التي تمنع من شن حرب حقيقية او حتى انسحاب. المجال في (أسير عاشق) مفتوح لحرب رومانطيقية تتخطى النضال العادل من اجل ارض مغتصبة, وتتحول الى نضال ميتافيزيقي يحقق انتصارات شعرية. حالة من اللازمن تتفق مع فدائي ادونيس: ... وأغني فجيعتي, لم أعد ألمح نفسي الا على طرف التاريخ في شفرة سأبدأ, لكن أين؟ من أين؟ كيف أوضح نفسي وبأي اللغات؟ هذي التي ارضع منها تخونني سأزكيها وأحيا على شفير زمان مات, أمشي على شفير زمان لم يجئ. الشطر الثاني يتفقد الآلام كمن يتفقد الذهب او الدولار. المشهد بأكمله (المعارك, الجوع, العذابات) يدفع لاستعمال منظار من الصدف يقرب ولا يقترب ـ الكآبة تزيد المشهد أناقة ـ هناك ايضا من يطفو من الشطر الاول وينأى الى منطقته المبتكرة, الى الترف المستجد, والمحصن جيدا بالتنظير والأوامر المذيلة بتواقيع أقلام مذهبة هي آخر ما توصلت اليه الثورات. هفوات الذاكرة يفسح التشكيك بالذاكرة المجال لجان جنيه الرائي, المصاب برهاب الدقة, لتفعيل هفوات الذاكرة كمكان يحتوي المتوقع. بعد الالتفاتة الى الخلف يتضح الامام بالحدس والتخمين. العالم السفلي عالم جان جنيه, حيث يبجل شخوصه في مواضعها لتحويلها الى مكافئ للعالم المضاء بإسراف, العالم المعترف به بالإجماع (النص المنمّق), الذي يلقي نعوته على من يعانده ويختلف معه, هذه النعوت والصفات نفسها حيز للارتقاء والمجابهة. جان جنيه, المتشبه العفوي, حالم داخل حلم, اسير عاشق, من قبض عليه واخذ, من تعلّق قلبه بأحد ولصق به. أسير عاشق دون أل التعريف, نكرتان تفسحان المجال للهامش بوصفه هامشا لا يقترب من المتن, متن اخر, متن مضاد على صفحة العالم. نكرتان تتفقان مع نكرة توالت عليها ادوات التعريف التي سرعان ما انتزعت بالايادي نفسها التي اضافتها, باللامتوقع الذي يجهض اعظم ثورة. اللامتوقع بدد الحلم بهزات عنيفة ايقظ النائم على كابوس احكم عليه قبضته. أكانت الثورة الفلسطينية حلم؟ حلم من مأساة انهالت عليه المآسي لئلا يتحقق, حلم تكلّست شراينه في المكاتب. الخطأ لا يجدي نفعا ما لم يمنح الصواب هشاشته, ما لم يزعزع انظمته وأعمدته الفارغة المزدانة بزخرفة شاهقة. ان يدنو المتعالي بالتوصل الى خيط رفيع على الأقل يصله بالأسفل, أن ينتهي الخطأ بتقويمنا جميعاً لا ان يصحح. بقلم: زياد عبدالله