يمثل وجود الآخر في التجربة الشعرية, ملمحاً أصيلاً من ملامح التجربة الشعرية على اختلاف حدودها الزمانية والمكانية, فالآخر شرط رئيسي من شروط الوجود, كما أنه معيار الحركة في الزمن, وأحد صور الفعل البشري في الحياة, وهو ـ بذلك التصور ـ صوت اخر, لا يملك مبرراته الا عندما يملك هذا الصوت الآخر, مشروعيته ايضا, فبمشروعية الآخر, أقدم مشروعيتي, وتكتسب الحياة هذا التعدد, الذي هو شرط للوجود وضمان للاستمرار في آن. وتختلف هوية الآخر هذا, فتارة يكون فرداً, وتارة يكون نظاما او مؤسسة, وتارة يكون قانوناً او عرفا, وتارة اخرى يتمثل في آليات عمل, او يتمثل في وعورة تضاريس, وقسوة طقس, او يتمثل في احتداد مرض, او مطاردة شيخوخة, او تربص موت.. الى آخر ما يمكن رصده من صور للآخر, إنه ـ باختصار ـ كل غيرك, أو دعنا نتحرى الدقة, فنذهب الى أن الاخر هو كل ما (غايرك), حتى لو كان هذا الذي يغايرك نابعا منك, او كامنا فيك. ويعيش الفرد مع الآخر حياة تتميز بالدعة والسكينة حينا, ولكنها تتميز بالاختلاف أحيانا, أو غالبا, ويشتد هذا الاختلاف الى أن يصل حد الصراع او الصدام, وثمة عوامل تتحكم في صورة العلاقة بينك وبين الاخر, وتحدد حجم الاختلاف. والشاعر عبدالله البردوني عاش حياة ساهمت في ان تصبح علاقته مع الاخر علاقة صدام, فقد كانت نشأته سلسلة متواصلة من المعاناة, بدءا من مرض الجدري الذي داهمه في الخامسة, وأفقده البصر, وخلف ندوبا في وجهه, الى المعاناة الاقتصادية, الى صور التخلف الاجتماعي, الى الفساد السياسي, الى غير ذلك من صور للمعاناة, جعلت العلاقة التي تحكمه بالآخر, تميل الى الصدام. ولكن هذه العلاقة, ولدت, على المستوى الفني سمة فنية, صبغت العديد من تجارب البردوني الابداعية, هي وجود صوت آخر في قصائده لا يعبر عن نفسه بشكل منفرد, فالبردوني يدخل معه, غالبا, في حوار, لتتولد في العمل الشعري ملامح درامية, تكتفي بتعدد الأصوات حينا, وتطرح صراعا هيناً ويسيراً حيناً آخر, ولكنها تعلو احيانا اخرى, لتتعدد صور الآخر في النص, ولتتجه القصيدة صوب الدرامية, متخلية عن الغنائية التي تصبغ ـ عادة ـ غالبية القصائد ذات الشكل التقليدي. البردوني يعيش حالة ابداعية, ذات ملامح رومانسية واضحة, تجعله يرصد في نفسه اصواتا اخرى ـ غير صوته الفرد ـ يعيها, ولكنه لا يستطيع ادراك كنهها, وان كان يرصد ما تسببه من حزن وألم, يقول: متألم.. مما أنا متألم؟ حار السؤال.. وأطرق المستفهم ماذا أحس؟ وآه حزني بعضه يشكو فأعرفه, وبعض مبهم بي ما علمت من الأسى.. وبي من حرقة الأعماق.. ما لا أعلم بي من جراح الروح ما أدري وبي اضعاف ما أدري وما اتوهم في هذه المرحلة المبكرة من تجربة البردوني, وهي مرحلة ذات ملامح رومانسية طاغية, جاءت القصيدة لتصور آلام شاعر وأحزانه, حيال نفسه, وبالتالي فإن وجود الآخر, نابع من النفس, او كامن فيها, والشاعر لا يدخل في حوار مع هذا الآخر, ولا حتى يكشف عنه الغطاء, لنتعرف أبعاده, وإنما يكتفي بالتصريح بالشكوى منه, فهو إذن إبقاء للحالة الإنسانية في قلقها الرومانسي الشجي, لا إثارة لما تحتويه من مشروعات درامية, وبالتالي فإن هذه التعددية داخل الفرد الواحد, لم تقدم حالة درامية, وإنما اكتفت بأن تشير الى تعددية, هي أحد المتطلبات الرئيسية للدراما, وفي ذلك إشارة واضحة, الى أن الارض التي تحتوي على الأضداد, قادرة على الدراما, وحاملة لمشروعيتها. الحوار احد ملامح الدراما في تجربة عبدالله البردوني الشعرية, عليه يتكئ في طرحه الشعري, وتختلف صور الحوار في أعمال البردوني, فهو يكون حديثا بصوت مفرد, صادرا من الشاعر الى الآخر, كما في قصيدة البردوني: (صنعاء في طائرة) . تخافين؟.. ماذا؟ على أي شيء تضنّين؟ أصبحت أنت المخيفة فلم يبق شيء عزيز عليك اضعت العفاف, ووجه العفيفة اتعطيك (واشنطن) اليوم وجها؟ خذى.. حسنا.. جربي كل جيفة فقد تلفتين بهذا السقوط كأخبار منتحر في صحيفة الملمح الدرامي هنا متمثل في الحوار, وهو حوار من طرف واحد, ولكنه ليس خطابا شعريا فقط, بل ذا ملمح سياسي, يصور الصراع الذي يعيشه الشاعر مع الاخر, المتمثل في البعد الوطني, ذي الجانب السياسي, ومن خلال هذا الحوار, تتضح لنا ابعاد الصراع داخل الشاعر, ويمكن الاشارة الى الخوف وضياع الهيبة والعفاف, والتبعية المطلقة لأمريكا, سعيا وراء مكاسب رخيصة ومبتذلة. ولأن الحوار من طرف واحد, فان صوت الطرف الاخر (صنعاء) غائب عن النص تماما, لا يرد الا من خلال صوت الشاعر, ولعل الشاعر يؤكد بذلك حالة الانسحاق الكامل التي تعيشها صنعاء, والتي يؤكدها الشاعر بصوته هو. وللملامح الدرامية في تجربة البردوني الشعرية, تجلّ اخر, أكثر عمقا, يتمثل في استخدام تقنية القص, كقالب فني للتجربة الشعرية, يعكس وجود الاخر في صيغة درامية, فهو يقول في قصيدة (لص في منزل شاعر, التي يبدأها بوصف دخول اللص الى المنزل, مستخدما تقنية السرد التي تقدم الحدث, وتصفه, وتعلق عليه ايضا: شكرا, دخلت بلا اثارة وبلا طفور, او إغارة لما أغرت, خنقت في رجليك ضوضاء الإغارة لم تسلب الطين السكون ولم ترع نوم الحجارة ثم يتوجه الشاعر بعد ذلك, بالخطاب الى اللص, مستخدما تقنية الحوار من طرف واحد أيضا يكشف عن الآخر, المتمثل في سعي الشاعر, النص الى فضح الواقع الاقتصادي المتردي للشاعر/ وللص معا, والبردوني ـ من خلال هذا الحوار ـ لا يفضح اللص, ولا الواقع الاقتصادي فحسب, وانما يستغل الحوار في التعبير عن دراميته الشخصية في الحياة, من خلال فضح مفردات الواقع الذي يعيشه, والذي كان مفاجأة للص, الذي كان يمني نفسه بالكثير, يقول: ماذا وجدت سوى الفراغ وهرة, تشتم فارة ولهاث صعلوك الحروف يصوغ من دمه العبارة يطفى التوقد باللظى ينسى المرارة, بالمرارة لم يبق في ثوب الأسى شيئا, حساه الى القرارة وتسير القصة الشعرية في نموها الى النهاية, حيث يتوجه الشاعر بالحوار الى اللص, مبديا تأسفه لفشل اللص في تحقيق مبتغاه من السطو, ومؤكداً مسئولية اللص عن هذا الاخفاق: فمنذ متى كان شاعر/ صعلوك الحروف يملك غنى الامارة؟ ماذا؟ أتلقى عند صعلوك البيوت, غنى الامارة؟ يا لص, عفوا ان رجعت بدون ربح او خسارة لم تلق الا خيبة ونسيت صندوق السجارة شكرا, اتنوى ان تشر فنا بتكرار الزيارة؟ ومن الجلي ان اعتماد الشاعر على تقنية القص, كقالب فني لتجربته, قد انعكس على تشكيلها الجمالي, فلم يول البردوني اهتماما للخيال, واتجه الى اللغة المباشرة, باستثناء السرد الوصفي في البداية, حيث كان الوصف يقدم الحدث كما يتخيله الشاعر, ويمثل الصوت احد عناصر التشكيل الجمالي في السرد, ولعل في افتقاد الشاعر لنعمة البصر سببا في ذلك. ويعكس النص السابق ما يتمتع به البردوني من قدرة على التهكم والسخرية, يغلف بها تجربته كلها, ولعل هذا ما يشكل أبعاد التجربة الدرامية في النص, فهي تجربة ساخرة, لا تتجه الى فضح اللص الذي يلجأ الى السرقة, نتيجة عوز اقتصادي, ولا تتجه الى الشاعر الذي لا يملك سوى دمه, يصوغ منه العبارة, ولكنها تفضح واقعا بأكمله, ولعل تلك هي وظيفة السخرية الحقيقية كما تشير نشأتها, حيث هي صوت لشخصية تتميز عادة بالدهاء والمكر, والضعف, ولكنها قادرة دائما على الانتصار على خصمها, ونستطيع ان نشير الى ان السخرية نفسها ذات ملامح درامية, لأنها تقصد غير معناها السطحي المباشر, وترك (صندوق السجارة) لا يهدف الى الاضحاك للمفارقة فقط, بل يشى باستمرارية الوضع, وضع الشاعر, ووضع اللص, وقبل هذا وبعده, الوضع الاقتصادي الذي كان بمثابة مسرح الأحداث, ومفجرها في آن. وفي موضع اخر, نطالع تجربة شعرية اكثر عمقا, يوظف البردوني كلا من الحوار والسرد والقصة الشعرية, لتحقيق الدراما في النص, وذلك في قصيدة مميزة, هي قصيدة (سندباد يمني في معهد التحقيق) : تحديت بالأمس الحكومة, مجرم رهنت لدى الخباز أمس جواربى من الكاتب الادنى لديك؟ ذكرته لديه كما يبدو, كتابي وكاتبي قرأت ـ كما يحكون عنك ـ قصائداً مهربة.. بل كنت اول هاربي اما كنت يوما طالبا؟ كنت يا أخي وقد كان استاذ التلاميذ صاحبي قرأت كتابا مرة, صرت بعده حمارا, حمارا لا أرى حجم راكبي احبيت؟ لا بل مت حبا. من التي؟ احببت حتى لا أعى من حبائبي وكم مت.. مرات؟ كثيرا كعادتي تموت وتحيا؟ تلك إحدى عجائبي نحن هنا ازاء قصة شعرية, تتوافر لها عناصرها القصصية, من شخصيات وأحداث وزمان ومكان, بل إنها تأخذ من حداثة القصة اختلاف اتجاهات الحوار لدعم معنى مختلف عن المصرح به, فعندما يسأل المحقق الشاعر, سندباد اليمن: تحديت بالأمس الحكومة؟ مجرم, يكون رد الشاعر عليه, من وجهة مغايرة تماما, فيؤكد: رهنت لدى الخباز امس جواربي, وتلك اجابة لا تتجه الى تحدي الحكومة, كعمل يستدعى معاقبة السندباد, ولا تتجه ايضا الى بيان حالة الفقر الشديدة التي تستدعى ان يرهن الشاعر جواربه لقاء خبز يومي, بل إنها تشير الى ان رهن الجوارب لدى الخباز, ومحاولة التغلب على المشكلة الاقتصادية, هي التي تمثل تحديا للحكومة, اذ بها يتمكن الشاعر من الخروج عن قبضة الحكومة, وسطوتها. وبذلك ينمو الحدث عبر ما يمكن تسميته بالفوضى المتعمدة, لتأكيد ملمح من ملامح الاجرام التي ترتكبها الحكومة. واستخدام تقنية القص, والسرد والحوار, انعكس ايضا على وسائل البناء الفني, فاعتمد الشاعر اعتمادا رئيسيا في تشكيله الجمالي على فضاء الحدث, وتعدد النوافذ التي يفتحها للتجربة كل من السؤال والاجابة, وهي تقنية تضع المتلقي في قلب التجربة الشعرية, يصنع نفسه صياغتها الحياتية, ويعيد استنطاق الحدث. ان واحدا من أكبر الفروق بين التجربة الغنائية والدرامية, اعتماد التجربة الدرامية على منطق الحركة, يحكم وجودها, ويوجهه, وتوفر النظرة الموضوعية للحدث, وللاخر كصوت داخل العمل الشعري, ومن خلال السرد والحوار وأسلوب القص, وفر البردوني لنصه الحركة, وقد تجلى ذلك في الحدث, ولكن وجود الاخر في النص كان يتم ـ غالبا ـ من خلال رؤية البردوني, ولعل هذا ما أصاب موضوعية الدراما, وإن كان قد خفف من حدة الغنائية في التجربة الشعرية للبردوني. ومما يضاعف من قيمة هذه الملامح الدرامية في التجربة الشعرية عند البردوني, أنها كتبت في ظل سطوة القالب التقليدي, وهو قالب ذو ايقاع موسيقى عال, يوفر للنص, رغم تعدد الاصوات, ورغم ما فيه من حوار او سرد او قص, غنائية واضحة. ولعل هذا هو المسئول عن بقاء الملامح الدرامية في النص في مستوى دلالي واحد, فلم يوفر لها الايقاع العالي فرصة للنمو والتشابك, وانما خفف لها حدة الغنائية, وأحالها الى فضاء اوسع. بقلم ـ د. مشهور فواز