الذين يعرفون الكاتب البريطاني (مايكل) أوندانجه ربما عرفوه للمرة الاولى بعد حصول روايته الثالثة (المريض الانجليزي) على جائزة (البوكر) البريطانية للادب في عام 1992 وبعد تحويلها الى فيلم نال حشداً من جوائز الاوسكار. وسواء اشتهر هذا الكاتب من خلال رواية (المريض الانجليزي) أو غيرها من الاعمال الروائية مثل (الاعمال الكاملة بيلي الصغير) أو (شبح أنيل) فان اوندانجه ينجح دائما في ما يسمى بكسر القاعدة. وبالعودة الى ما يطلق عليه النقاد كسر القاعدة فان اهم ما يقوم به اوندانجه هو ارغام روايته على فعل اشياء لا يفترض ان تؤديها كعمل روائي فقط. غير أن هذا الكاتب يفعلها بل ويفعلها بقوة تجعل روايته مثيرة للجدل, خاصة لعلاقتها بمشروع الحداثة. إن ما يميز عمل اوندانجه الروائي هو انه يخرجه في صورة لعبة محيرة تبهر الآخرين بجمالها واكتظاظها بحقائق واقعية تشبه الاحلام. لعبة شديدة القوة, شديدة التخيل, لايمكن تصديقها بسهولة وعلاوة على ذلك هي أكثر رومانسية. كما أن متابعة اعمال أوندانجه الروائية تتيح للقارىء ايضاً فرصة متابعة اشياء أخرى مثل توجهه الى التخصص فيما يمكن أن يقال بأنه المضي نحو التألق أو في السعي الى حدود المجد والشهرة على حساب الموضوع الذي يتناوله بالنقاش. فهو مغرم بتصوير تلك اللحظات التي يرتدي فيها العالم اشياءه المبهرجة. عندما ينتفخ الكون الحقيقي ليصل بحجمه الى درجة من الضخامة والتهويل تساوي تلك التي يصل اليها حدود الخيال. تخيلات مذهلة هناك تصبح المقارنة بين اوندانجه وبين شكسبير ونقصد بذلك الاعمال الاخيرة للمؤلف الانجليزي الشهير, تصبح المقارنة واردة, لاسيما وان اعمال اوندانجه الروائية مليئة بالتخيلات والرؤى المذهلة, ومليئة بالاداء البارع المتسم بالثقة ومليئة بالمفاجآت والمفارقات غير العادية. فكل اعماله تشبه تلك الاعمال التي يقوم بها عامل في بناء جسر يصل الى النهاية التي لا تتحقق إلا بالانتصار على ما حوله. فكل رواياته تبدو متشابهة بدءاً برواية (في جلد الاسد) وانتهاءً بروايته الاخيرة الصادرة في شهر ابريل الماضي (شبح انيل) . واضافة الى ذلك فان اعمال اوندانجه تستمر في قابليتها للمقارنة باشكال ابداعية اخرى كالاوبرا فهي تتميز بشخوصها الغريبة وموضوعاتها القوية الاكثر غرابة الى جانب شاعريتها والعلاقات الغرامية التي تحلق بأصحابها بعيدا إلى حد الموت وما الى ذلك من شعور بالقسوة والسمو العنيف الذي يلازم هذه الشخصيات. بدلاً من ان تتحول هذه الاعمال الى شكل يشبه الميلودراما فان براعة اوندانجه تتجلى بسهولة في قدرته على السيطرة على التحول عن مساره القصصي بمجرد التحكم في اسلوبه السردي. وهناك ايضا ما يشير الى فهمه العميق لما يتعلق بالمكان والتاريخ. ومع ان ملكة اوندانجه الشعرية المعروفة تظهر بوضوح في كتابته الروائية الا ان ملكته المعرفيه وقدرته على البحث تساعده في التخلص من مشكلة تحول العمل الروائي الى ما يشبه التمثيلية العاطفية المثيرة. ان ما تتميز به بعض اعمال اوندانجه هو انها تتحول بالفعل الى مشاهد جادة تصور بلغته الشاعرية الشفافة المكثفة المعهودة الحياة العامة للآخرين, أو الناس وهم في مواقع عملهم لا يختلف في شيء الا فيما يتعلق بهؤلاء الاشخاص. ما الذي يفعله لص يتسلل إلى غرفة مظلمة؟ وما الذي يفعله عامل في بناء الجسور يجد نفسه معلقاً بين السماء والارض عبر العد التنازلي للحظات المتبقية من عمره؟ وما الذي يفعله خبير ابطال مفرقعات وهو يبدأ يومه بالجلوس في ماء مثلج من أجل نزع الفتيل, غير الغناء بصوت عالٍ. الحقيقة والوهم كما أن مايكل اوندانجه في روايته الاخيرة (شبح انيل) يبدو أكثر استحقاقاً للقب الكاتب الحداثي الذي يزاوج بين الواقع والمستحيل من هول الصدمة التي تتسبب فيها حياة الانسان المعاصر. يعود مرة اخرى الى تلك الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم, الحدود التي قادتنا اليها روايته الثالثة (المريض الانجليزي) . ومع ان المشهد لايتكرر في هذه الرواية وكذلك الزمان (1940) فسينتقل المرء وهو يقرأ هذا العمل الى مكان بعيد مثل سريلانكا في أوائل التسعينيات, الا انه لايبتعد كثيراً. وما يمر به القارىء في رواية (شبح أنيل) هو مشاهد موحلة من الرعب الذي اجتاح هذه البلاد باندلاع الحرب الاهلية. مشاهد الجثث وقد مزقتها القنابل التي تشيع الرعب في شوارع كولومبو. مشاهد من العنف والعنف المضاد. مناظر الجثث وهي تلقى في البحر من اعلى, من طائرات هيليكوبتر ثم تمتليء بها السواحل والشواطىء التي كان يرتادها عشاق الاسترخاء والراحة. اطفال مصابون بطلقات نارية. مذابح واعمال خطف واسعة الانتشار. اما الجهات المسئولة فلا أحد يعلم ان كانت هي الحكومة أو مقاتلي الشمال أو متمردي التاميل. ظهور أنيل تلك هي اللحظة التي تصل فيها (انيل تيسيرا) الخبيرة في مجال الطب الشرعي المبعوثة من قبل منظمة حقوق الانسان الى موطنها الاصلي, بعد غياب استمر 15 عاما. والتي تتلخص مهمتها في التأكد من سلامة التحقيقات التي تجريها المنظمة في هذا المجال. اللحظة التي تعثر فيها على أحد الهياكل البشرية التي خلفتها الحرب الاهلية الاخيرة مدفونة في احد المواقع الاثرية ليبدأ التحقيق في ملابسات واحدة من الوقائع التي تتورط فيها الحكومة السريلانكية. غير ان المتعة التي يحصل عليها القارىء في هذه الرواية هي تلك المتعة التي يمكننا أن نصفها بالسينمائية والتي تتوالى من خلال البحث عن الهوية. هوية الجثة التي احاطتها الجهات الحكومية بالغموض الى الحد الذي يثير الصدام بين البطلة وبين السلطات السيرلانكية التي تجاهد من أجل إخفاء معالم جريمتها. وهنا يبرز وجه الشبه الآخر بين هذه الرواية وبين رواية المريض الانجليزي حيث تبدو كل من الروايتين غير قادرتين على توضيح الجوانب المادية والعاطفية لحياة شخصياتهما, وربما كان ذلك يعود الى أن بعض هذه الشخصيات قد غيب اصلا بسبب الضغوط التي تفرضها ظروف الحرب. كما يبرز وجه آخر للمقارنة في حرص اوندانجه على الخلط بين الفن والوحشيه بين التحضر والقتل. فاصل بسيط بين الدخول إلى أحد المعابد المقدسة القديمة وبين مشاهد الخراب التي تحيط به من الخارج لتجسد الاوضاع الراهنة التي تعيشها المنطقة. ومع ذلك فان المشكلة لدى اوندانجه كما يصفها بعض النقاد هي في ارجائه الافصاح عن الامور المهمة على حساب التمادي والافراط في الكشف عن امور اخرى يفترض ان يتم تأخيرها. وربما يكون تأخيره في الافصاح عن الشخصية الرئيسية (أنيل) بذلك القدر الذي يتيح للقارىء التعرف على شخصيتها الحقيقية, هو واحد من الاشياء التي تشعره بالفوضى المتسببه في افساد تقنية السرية والتكتم التي تحتاج إليها هذه النوعية من الاعمال الروائية. وهي بشكل عام لاتبدو من الهفوات المستجدة على الساحة الروائية الغربية لاسيما وان كتاباً كباراً مثل همنجواي قد مروا بها من قبل. تعدد أصوات كما أن تعدد الاصوات في بعض اعماله الروائية لم يضف ما يعتقد الكثيرون بأن أوندانجه كان يسعى الى إضافته من عناصر الغموض التي يحتاج اليها الموضوع الرئيسي. وعلى العكس من ذلك فقد ساهم تعدد هذه الشخصيات فيما يمكن أن يؤكد على شعور القارىء بالابتعاد عن الرواية الاصلية والبدء بقراءة عمل آخر منفصل. ورغم كل ما سبق فان هناك ما يمكن التأكيد عليه باعتباره جزءاً كبيراً مما يلحق باعمال اوندانجه من ايجابيات. ان اهتمام اوندانجه بالحديث عن الاخلاقيات يبدو اكثر وضوحا وتركيزا في رواية (شبح أنيل) الى حد يفوق ذلك الاهتمام الذي تعودنا عليه في رواياته السابقة كما ان تقنيته لاتزال تتمتع بشيء بسيط من الفرق بينها وبين سابقتها في رواية المريض الانجليزي. فاشخاص مؤثرون لا يمكن لهم الا ان يحفروا صورهم في ذاكرة القاريء مثلما يفعل د. جاميني الذي لا تهزمه المشاهد المرعبة التي تملأ نفوس الآخرين بالتشاؤم, فيقرر الاستمرار في الحرب من أجل البقاء. ان خطورة وجاذبية هذه الاعمال التي يقدمها اوندانجه ترتبط في الاصل باللغة التي تحتفل بالاسلوب الشعري المنمق. وبالقدرة على التغلغل في الاعماق الاكثر ظلاماً وكآبة وبانتزاع الموضوعات الاكثر اهمية لكي يعبر عن معاناة الانسان في يومنا هذا حسبما يتفق الواقع والخيال وتقتضي النهايات من وحدة درامية هي بالتأكيد من مواصفات العمل الروائي الجيد في يومنا هذا. وفي روايته المثيرة للعواطف والذكريات هذه يلقي مايكل اوندانجه الكاتب الروائي المولود في سريلانكا الضوء على جوانب مهمة من حياة هذا البلد الذي ظلت تمزقه الحروب الاهلية الداخلية, مؤكدا على أهميته التاريخية والحضارية. ويختار على وجه التحديد تلك اللحظات التي تعقب الحرب الاهلية التي تركت وراءها آلاف الضحايا. ثم يبدأ في تحليل آثار تلك الكارثة السياسية على العديد من الشخصيات التي كتب لها أن تتورط في تلك الاحداث المأساوية بشكل أو بآخر. محطات في مسيرة اوندانجه * مايكل اوندانجه روائي كندي الجنسية من مواليد سريلانكا. صدرت له العديد من الاعمال الادبية منها خمسة روائيه هي (المريض الانجليزي) الفائزة بجائزة (البوكر) البريطانية للادب لعام 1999 ورواية (الاعمال الكاملة لبيلي الصغير, (شبح أنيل) و(في جلد الاسد) و(سيرة ذاتية) و11 عملاً شعرياً. إعداد ـ مريم جمعة فرج
