في متحف (ستاد لايك) في مدينة (خودة) الهولندية ولمدة شهرين استضاف المتحف الفنانة عفيفة لعيبي في معرض شامل لها احتوى على خمس وثلاثين لوحة, هي حصيلة تجربة للأعوام الخمسة الاخيرة, ما يميز هذا المعرض الذي شاهدنا بعض انجازاته، في معهد العالم العربي في بلجيكا العام الفائت, ان عدداً من اللوحات كبيرة الحجم قد اضيفت اليه, مما يعني ان الفنانة لا تزال تحافظ على اتجاه معين في معالجاتها الفنية. ثمة انشاء ادبي للوحة مفاده حكاية قصة امرأة متوحدة, لكنها وهي تروي حكايتها تمتزج مع الطبيعة في تصور صوفي يدل على ان البنية الفكرية لها لا تزال تختزل الكلام العادي اليومي لتحيا في المجهول, هذا الانشداد الى البعيد الذي لن يأتي منح لوحتها علاقة حميمية مع الطبيعة التي تبدو ارضا مخضوضرة ونباتات بارزة الاوراق وأعشابا حادة وكبيرة وبقعا ترابية متشققة احياناً, وثمة حلم يحتل مساحة الرأس او ناي يطلق أنينا انثوياً دافئاً, هذه السمة التي تلازم كل اعمالها, لم تستطع عفيفة التحول عنها حتى في رسومها الاخيرة سوى انها اضافت لها مناخات جديدة كأن يكون هناك ثمة سماء مفتوحة محلقة ببطلتها فوق ارض خفيضة, او نافذة تنفتح على مجهول, وفي هذه النقلة الفكرية ثمة نقلة اسلوبية, هي امتزاج اللون الابيض الدال على الطهارة والبراءة باللون الاخضر الفاقع الذي يمنح اللوحة حسا بالطبيعة المانحة مركزة على سمة قديمة حديثة هي العلاقة الرمزية بين الارض والمرأة تلك العلاقة الانثوية الحادة والمتوحدة وكأنهما معاً يشكلان ملجأ متكافئاً. في لوحاتها اختفى الرجل كبؤرة مكانية وفنية, وان حضر, حضر اما راكعاً تحت القدمين او مختفياً وراء الوان معتمة فحضوره لا يشكل ثقلا في بنية اللوحة, انما هو جزء تكميلي يمنح الفضاء جمالية تشكيلية فقط, وتعوض عنه بكثرة حضور الطفل: البراءة والجمال وكأنه خلاص في تكوين ميثولوجي منح المرأة شيئاً من بعد ديني عميق يذكرنا بأن الطفل اكثر فاعلية من الرجل حتى انه في احدث لوحة لها كان والمرأة (الأم) متطلعان معاً الى افق سماوي مضيء. لا تغيب عفيفة عن لوحاتها كوجه دال على هيئة الطفل, ويعطينا هذا المناخ الحميمي مع الذات اشكالية العلاقة الخفية مع الآخر, الآخر هنا العالم الذي اختزل في كل اعمالها الى غابة او حديقة منزل, ولم يعد لأي بقعة اخرى من حضور في تكويناتها.