لا تشكل القصص والاساطير والخرافات محور اعمال الفنان الجزائري ياسين بلفرد وحسب, بل ان دورا مهما للرموز يبرز عبر الاشارات التي تبثها الخطوط بما تحدثه من احالات خيالية تحتويها منظومات مرئية تمسح سطح اللوحة بعفوية وغموض , لتستوعب تقبلنا لدورها كمفسر للشكل الذي يقدم احالات طبيعية لمواضيع بعيدة عن الطبيعة, غارقة في اختزالات الفنان لتساؤلات ازلية لا يقصد من ورائها الكشف عن الاسرار بقدر ما يشير الى المتعة التي تقدمها كجواب على مقصد او انجاز مازال يحمل غموضه في منطق تكوينه. حيز اللوحة هو حيز التفكير لدى بلفرد, وهذا التفكير ينتمي الى التراجيديا البصرية التي تعتمد على تقديم اللحظة المدمرة للموضوع, وكأن السياق العام خاضع لمسرحة تجعل من معارف الفنان الساحة التي يحفها التاريخ بما يقدمه من عذابات تحاول موجودات اللوحة ان تعبر عنها بخلق احداث موازية, تبقى احداثا افتراضية, ضامرة التوجه, لغياب الصراع فيما بين عناصر اللوحة (بوذا ـ المهرج). اذ ان القناع الذي يفترض ان يلبسه الفنان للعمل الفني انما هو قناع الذات المدعوة للكشف لا الاختفاء ولهذا فإن شعورا بعدم التكافؤ فيما بين الواقع العاطفي للموضوع والواقع المعماري الذي يقدمه الفنان ينتج ليصوغ نظرة تخرج عن الدور المرسوم تاريخيا للشخصية المستخدمة في الرسم الى دور يبلغ ذروة الترميز والارتباط بتقييم جمالي ينطوي على الدعوة الى الاستقلال عن المعنى المراد من الشكل (مصارع الثيران). ان الفنان الذي يتأمل بعمق موضوع عمله يحاور ما هو فوق الوقع او ما هو دون الواقع, ليمارس تحديا لشروط الواقع التي تتعامل بعبودية مع الممارس لها بفرض الشروط المسبقة التي تبدو ساذجة في عين الفنان, ولقد استطاع بلفرد خلال تجاربه السابقة ان يقدم اشكالا مختلفة من تحدي الاشكال او على الاقل الانصياع لأوامر هذه الاشكال التي تجعله مقيدا بالسرد البصري الذي يقتضي ان يحدد لمن يوجهه او اين يضعه او يعرضه.. اذ ان الاحتجاب عن العرض يستدعي تخيل الفضاء المحتمل لاستيعاب العمل الفني ككيان حي مستقل بصريا. ترسيم الانسان لقد استطاع ياسين بلفرد ان يوضح الجوهر المقصود من الصراع فيما بين اللانهائي والنهائي كثنائية تنوب عن الصراع فيما بين المادي والروحي او اية ثنائية تعيد الى الاذهان الصراع الاسطوري فيما بين الظلمة والنور لاظهار القوة الحيوية التي تمنح الحياة استقرارها وتوازنها وقوتها.. فما هو مرئي على هيئة محددة (زهور جارتي) يندغم بما هو لا مرئي في الدلالات اللونية التي تبحث عن توازن حركي قبل ان يكون توازنا بصريا, ولهذا فما يبدو لأول وهلة في غير مكانه المناسب انما يمثل تصدعا روحيا ونفسيا في انشاء المعمار الطبيعي للوحة, فما هو قديم يبدو مستقرا, وكل ما هو جديد مازال يبحث عن استقراره عبر المزيد من الحركة التي تكتسب قلق الفنان وكل ما يستطيع استدعاءه من احلام كي تساعد في انشاء معلومات احيائية لمعارف ومواقف وتجارب تنتمي الى اعادة ترسيم الانسان في صورة خارج التصور وبمقاييس لا تنتمي لمنهج التأمل بل الاندفاع خلف الحس للاشارة الى تجريد الموضوع لا السطح. الاصل والانعكاس في اكثر من عمل فني يلجأ الفنان ياسين بلفرد لابراز المخيلة الانسانية في تداعياتها الفيضية بالتأكيد على استحضار مواد معينة (المرآة) وما تعكسه هذه المرآة من قيم نفسية وروحية تطرح في اطار اخضاع المنطق لمنهج الفهم التاريخي لهذه المادة (مصارع الثيران ـ نرسيس). فالمرآة وجه وهي انعكاس, وهي الفضاء المقيد للموجودات بشكل عكسي بمعنى الجوانب (يمين ـ يسار) وليس (فوق ـ تحت) وهذا ما يجعل التعامل مع مفهوم المرآة ينتج علائق بصرية كانت تعد صفة ملازمة لوجودنا بها, وقد حاول الفنان ببراعة التدخل في المعاني التعبيرية للون الفضي بابرازه كقيمة اساسية تدفع التخيل خارج موجودات قوس قزح الفيزيائية في مناح صوفية السمات تتلخص على هيئة دلالات او علامات او اشارات بعيدة عن المعاني الايقونية للاشكال لتكشف عن وجود مواز لقيمة الصورة اللاشكلية. وهذا ما حاول تحقيقه بدفع المساحات الذهبية في لوحته (الجنون) للخروج من اطار المحسوس نهائيا ليحقق هذا الذهبي معنى (الدلالة البصرية) التي تقود التخيل باتجاه معاكس للتعاقب الادبي الخيالي, بمعنى ان ما يوحي بوجود اشكال لا يدفع باتجاه استذكار التفاصيل الأولية لقواعد تشكل الصورة, بل بالانظمة المتعددة المستويات للشفرة التي يؤديها هذا الشكل وما تحققه من معان تركيبية يعود حجم تلقيها الى سوية العين الرأسية والافقية في البحث عن العلاقة فيما بين البصر والتبصر. ان الصورة الفنية التي يخلص لانتاجها الفنان لا يمكن اعتبارها مرتبطة ـ في مدلولها مع الفهم السابق لوجودها, بل باللحظة التي ينتج فيها الفنان هذه الدلالات التي تبني المعنى العام للصورة, وهذا يؤكد انقطاع المتعة اللحظية للكشف عن الاوصاف المسبقة لمعنى الاستمتاع بالعمل الفني لغياب المقاربة فيما بين التحقق الواقعي والتحقق الخيالي للشكل المرسوم, اذ لم يعد تجسيد الشكل هو الغاية من وجوده, بل الحوار الذي يبدأه (الاصل والانعكاس) او (التجاور الخيالي) للألوان التي ترمم الفضاء المبهم للصورة, ليس بوجودها المادي المرئي وحسب بل بانعتاقها من هذه المهمة الاشارية للتحول الى سياق مكثف للفكرة الذهنية التي يؤكد ياسين على طرحها في اعماله. السرد الخطي تختفي خلف السمات الحسية للون الاسود في بعض اعمال التشكيلي بلفرد فضاءات تحمل في طياتها ذاكرة ممحية لا تستبطن الدلالة على امر محدد, وانما تهتز في كافة الاتجاهات لتوهم بعمق لا مادي يساعد على ابراز الاسود كقوة نفسية تعمر الضوء بابراز التناقض الصارخ فيما بين الاحساس بالفراغ الذي يشكل حاجة فنيه صرفة لدى الفنان تدفعه للتأمل او التفكير او بدء الصراع مع السطح لاستهلال التخييل وتحويله الى صيغة قابلة للتعديل في كل لحظة. ولا يشكل هذا الاسود تصورا نهائيا للسطح المرئي في تحوله من فناء الى وجود بل يمضي للبحث عن حقائق بصرية تساعد المرئي كي يكون مرئيا حسب اعتقاد بول كلي (الرسم لا يحاول ان يعيد تصوير المرئي, ولكنه يجعله مرئيا). وبتجاوز هذه المقولة فإن اعتبار عين الفنان منشأ المنظور ونقطة انطلاقه لبناء الامتدادات اللانهائية للسرد الخطي المتمثل باستقراء الفضاء العام للصورة يشكل اطارا موضوعيا لالغاء الواقع واعلاء الرؤيا التي تستبصر الغنى التعبيري للخيال الانساني في محاولته صياغة العالم من جديد. لقد حقق بلفرد في معرضه مجموعة من التجاوزات والالغاءات على المستوى الدلالي للصورة, بازاحة الوظيفة التوصيلية عن غايتها المرسومة لها بازاحة الرابط فيما بين الفن وبين الشكل حيث الجمال غير مرتبط بمفردات التماثل الواقع الايقوني للاشكال او المعطى الحسي او العقلي المتعارف عليه بل هو اللغة البصرية المتجددة فيما بين (الفنان ومتلقي فنه). كتب: طلال معلا