بين فترة واخرى تقيم قاعات الفن التشكيلي في بغداد معارضها المختصة بجانب من جوانب الفن, مثل معارض الطبيعة, المعارض الواقعية, المعارض المعاصرة, معارض الخط والزخرفة, معارض الربيع, وغيرها.. والمتابع لهذه المعارض وسواها يستطيع ان يتأمل حركة التشكيل ويحدد اتجاهاتها وأبعادها, وقد اخترنا لتأملاتنا السياحة في البيئة المحلية, وكيف ينظر الفنان الى البيئة, ومن اية زاوية..! بدءاً نقول: العالم من حولنا متغير, وفي حالة حركة مستمرة, وهو ليس سوى سلسلة من الاشكال والابعاد والأفعال, المنظور في هذه الحالة يرى كسلسلة من المناظر اللامتغيرة المنفصلة, (عالم يعترف بوجهة النظر الثابتة للناظر, المقيد) بوصف ليوناردو دافنشي.. اذ اكد ان على الفنان ان ينظر الى المشهد الذي أمامه. فزاوية النظر (زقاق) موضع واحد ساكن, كذا النهر ـ القرية ـ الجبل ـ فهي صورة فوتوجرافية تؤخذ فقط من الوضع الثابت (للكاميرا) لحظة التقاط الصورة, لحظة ادراك المشهد الطبيعي المتمثل امام العين. ان مدركات الفنان على السطح المستوي تنتقل من هذه الزاوية ـ (زاوية الالتقاط) الى اخرى, وهي وجهة نظر مفردة تحدد الفنان الواقعي وتسقطه في هذا المنظور الذي يعتبر المعيار لتمثيل الشكل والفضاء حتى في المدرسة الانطباعية, يخالف في ذلك التكعيبيون حيث استطاعوا جمع اكثر من زاوية نظر في السطح المستوي. أسوق التكعيبيون هذه المقدمة, وانا اتطلع الى المنجز العراقي التشكيلي الذي استمد من البيئة المحلية موضوعة عمله الفني.. وهنا لابد من تحديد البيئة في التشكيل العراقي قبل الدخول في منطقتها. بيئة الفنان البيئة التي اود الحديث عنها هي بيئة الفنان نفسه, المكان الذي هو فيه, فالبيئات وفق هذا التحديد مقسمة الى: المدينة, الريف, القرية, الاهوار, الجبال والسهول والشلالات, الصحراء والواحات.. فالمدينة مثلا, كما هي عند الفنان, جواد سليم, تعج بالحياة, ضاجة بالمواضيع, زاخرة بالاسرار, والسبب في ذلك هو زاوية الالتقاط الغريبة لدى الفنان, فعينه ترى ما لا يراه المشاهد البسيط الا حين يصطدم باعمال جواد, ويكتشف ان ما يراه في اللوحة مألوف لديه, كما ان السطح الذي يعمل عليه جواد سليم ممتلئ بالبساطة وبالتجريد, وهو سهل ممتنع فتراه يبتعد عن الفوتوجراف الحرفي للكاميرا ويقترب من التصوير على السطح بفعل غياب المنظور, كما انه يضيف الى المشهد اللون غير الواقعي الممتد من الرسوم والنقوش والزخرف الاسلامي, وبذلك يضيف الى البيئة حياة مستمرة بفعل التراكمات اللونية والخطوط, منتميا بذلك الى المدارس الحديثة في الرسم. اما القرية او الريف فنراها ممتلئة وشفافة عند (نوري الراوي) على سبيل المثال, فهو يفترض قرية حلمية اساسها واقعي.. تتجلى امامه زاوية الالتقاط الفوتوجرافية.. وان كانت تنتمي الى الانطباعية, الا انها تبقى اي (القرية) اسيرة وجهة نظر الفنان الذي استطاع ان يحرك الصورة الفوتوجرافية من حالة الثبات والسكون الى حركة تؤكدها الخطوط الدائرية والالوان الشفافة وغياب المتطور. كذلك يفعل الفنان ماهود احمد, في رسم الاهوار, اذ ان البيئة هنا عبارة عن مياه وقصب ومشاحيف, (زوارق خاصة) وشخوص الهور. ان كادر الصورة هنا مليء بالحياة وهو وان كان نقلا لما هو متمثل في الطبيعة الا ان الفنان يضيف هنا الموروث الشعبي المتمثل في الرسم على الاجساد, والالوان الريفية الضاجة بالواقعية. التقاطات ذكية ولعل تفرد الفنان فائق حسن والتقاطاته الذكية في رسمه للمناظر الجبلية الخلابة الالوان تتأصل في عينه الخاصة وكادره المتميز حيث انه يرسم من زاويته التي ترى مالا يراه سواه من الرسامين (حيث ان اغلب اعماله التي رسمها للطبيعة كانت عبارة عن رحلات جامعية او اصدقاء رسامين) وهذا دليل على خبرته ومهارته الفنية العالية في تحويل الطبيعة بكل منظورها وآفاقها الشاسعة الى السطح المستوي, ولطخات فرشاته الفريدة في سلسلة من التكرارات اللونية ذات الشحنات العاطفية التي تجعل العين لا تصدق ما ترى حين تلامس سطح اللوحة, عند هذا الفنان, وقد كتب عنه الناقد الفنان, شوكت الربيعي: (فائق حسن بناء مكون وملون عظيم, ارتبط بطبيعة العراق وبحس عربي دائم الحنين الى الارض, الصحراء, الخيام, الفارس, الجواد, الجمال.. كذلك الحقول والنساء والاطفال, حتى ليشعر المرء انه يشم هواء العراق وتحترق بشرته بشمسه وتلهبه ريح الصحراء وقت الظهيرة). اما الحس البيئي الذي يرتكز على قيم التراث العربي, فنجده عند الفنان (جميل حمودي) فهو يستعمل الالوان البراقة الشرقية والاسلامية ليرسم معالم المدينة بقبابها ومآذنها واقواس منازلها. في حين تعكس لوحات (خالد الجادر) البيئة الاجتماعية في العراق بألوانها الترابية والفخارية وبسمرة وجوه الفلاحين وبألوان القمح التي تعانقها حرارة الشمس, فلوحاته تحليل صميم للبيئة, وتبسيط عال في التقنية بحيث ينقلك الى احساس الحقيقي بالبيئة الشعبية المحلية. (البيئة من الرمز الى التجريد) نجدها قد اخذت صداها في منجزات الفنان العراقي, فالعديد من الفنانين قد تخلص من الواقعية والاكاديمية في البناء والانشاء ولجأ الى التبسيط والاختزال والتجريب.. فدخول الانطباعية مثلا جعل من الفنان (حافظ الدروبي) ينظر الى الهور والريف والمدينة نظرة انطباعية, ويحاول تجسيد هذا المفهوم في العديد من لوحاته, خالقا بذلك جوا رومانسيا مفعما بالحيوية ـ انها البيئة المحلية, ولكن هذه المرة بشكل انطباعي. تبسيط الاشكال اما الفنان (محمد علي شاكر) فقد استمد تقنية خاصة به لجعل البيئة المحلية تنتمي الى اسلوبه هو, فلجأ الى التبسيط في معالجة الاشكال والسطوح واشباعها بالجو الرمزي الذي يقترب به من السرياليين اكثر من اقترابه الى التعبيريين. في حين بدأت لوحات اسماعيل الشيخلي مختلفة, فهي ذات مساحات لونية كبيرة في تصويرها للريف العراقي او المدينة, واستمر في معالجة تقنياته باتجاه الاختزال والتبسيط للاشكال الطبيعية المحورة مما دفعه الى تركيب بنائي يقترب الى التجريد الصوري, وبالوان حارة, ومن مواضيعه: القرية, الاهوار, الريف, الاعراب. اما الفنان (شاكر حسن آل سعيد) فقد ذهب بعيدا في تأملاته الصوفية لقراءة التأثيرات البيئية على الجدران, وهو يحاول ان يصل بما يراه من اشكال وجدت بالمصادفة وبالعوامل البيئية الاخرى وعوامل مناخية مما تركت اثاره على الجدران من شقوق ورطوبة وحك ومسح, حيث تتكون رؤى تشبيهية يخضعها هو فيما بعد الى تقنية تخدم الغرض الفني.. انها حالة تقنية تنتمي الى بعض الخلاصات الاركيولوجية. ومن خلال تأملاتنا في المنجز التشكيلي العراقي الخاص بالبيئة المحلية. لابد من دراسة اثار الفنان (خضر جرجيس) الخاصة بالبيئة والتي كرس لها كل منجزه بهذا الاتجاه, بدأ الفنان برسم البيئة واقعيا وكان يرسم الطبيعة وخاصة الطبيعة في شمال العراق وقراها ووديانها وخيام البدو التي تسكن تلك المناطق وشيئا فشيئا لجأ الى تبسيط تلك المناظر وجعلها مختزلة تحوي بالبيئة من خلال مجموعة الالوان المتجاورة وشيء من المنظور.. ان تحويرات البيئة وفق هوى الفنان جاءت اضافة فنية لمنجزه الابداعي كما انها مناجاة لطبيعة ولبيئة كانت عالقة في ذهن الفنان في طفولته. من هذا نخلص الى ان التشكيل العراقي زاخر بموضوعة البيئية المحلية, وهي تتوزع في الفن الواقعي والانطباعي والتعبيري والتجريدي وتجد حضوتها في ذلك. على ان الفنان العراقي لم يكف عن مزاولة البحث في حركة الثابت في البيئة وتحريكه باسلوبه الذي يختلف فيه عن الآخر.