كان مطاردا بأخطبوط اسمه السينما يصارعه ويحاول أن يقتنص لحظات السعادة في نجاحه.. وكان منذورا للرحيل.. فمنح السينما 21 فيلما في 14 عاما فقط هي كل عمره الفني, ولن نقول انه أكبر مخرجي القرن في مصر أو غيرها, لكن يكفينا فقط أن نذكر (عاطف الطيب) ولو دقائق بمناسبة ذكرى وفاته التي مرت مؤخراً. هذه السطور جزء من هذا الفيلم السريع ولقطاته المتناثرة عن هذه القصة واسمها (عاطف الطيب). إضاءة خفيفة وصوت بعيد من أقصى الذاكرة بيت فقير في (باب الشعرية) بالقاهرة, ولد (الطيب في 1947 بعد أربع بنات, ليكون فرحة خاصة لوالديه, المتعلقين بجذورهم في إحدى قرى سوهاج بالجنوب. كان والده يملك محلا لبيع الألبان ومنتجاتها في حي الدقي, غير أن الظروف لم تتركهم لتلك الحياة الهادئة وأفلس الوالد واضطر إلى بيع (محله) في مزاد علني, وقتها شاهد (عاطف الطيب) أول مزاد حقيقي في حياته وكان عمره 13 عاما فشعر بمعنى الهزيمة المبكرة وقسوة الأيام ومعنى الخجل من الآخرين. كل ذلك لم يمنعه من استكمال دراسته بجوار العمل في مهن عديدة ذكرها عاطف في حوارات عديدة معه حتى بعد أن أصبح من أبرز المخرجين, منها بائع جوال للألبان. وكانت أحلامه تتسع دائما, وخاض تجربة اللعب في النوادي بعد أن عشق كرة القدم, وتخيل أن مستقبله في هذه اللعبة, لكن الحلم تغير تماما في مرحلة الثانوي وعرف (الطيب) قراءة أعمال (إحسان عبد القدوس) و(نجيب محفوظ) وبدأ يعرف طريقه إلى المسرح وقصور الثقافة. واصبح الفن مثل الأنفاس الضرورية للحياة واصبح يقين الطيب يتجه نحو الإخراج فقرر دخول معهد السينما قسم إخراج. شعرت أن وراء هذا العالم الفني شخصا واحدا المبتكر الوحيد له وعندما وضعت نفسي في مكان المخرج أحسست بمتعة من نوع خاص تفوق متعة التمثيل والأضواء. تحولات الصراع رؤية دقيقة لمتغيرات الواقع المصري في مرحلة ما بعد حرب أكتوبر قدمها الطيب عن قصة (محمد خان) وحوار بشير الديك قدم من خلالها آثار سياسة الانفتاح الاقتصادي التي التهمت الطبقة الوسطى تلك التي كانت تمثل الشريحة الأكبر من المجتمع جاء ذلك في (سواق الأوتوبيس) وهو كما يقول النقاد: عمل شديد البساطة والعمق استطاع الطيب به أن يخطو أولى خطواته نحو سينما واقعية جديدة ترتكز على ما طرحته الأجيال السابقة وتتجاوز تلك الأطروحات, في محاولة للتعبير عن جوهر الحلقات داخل المجتمع المعاصر من خلال لغة سينمائية جديدة, ورغبة للكاميرا في الانطلاق خارج إطار الاستوديو إلى الحارات والشوارع والأماكن الطبيعية لتأكيد صدق اللحظة في المكان والزمان , لذا لم يكن غريبا أن يجمع النقاد على هذا الفيلم, باعتباره أحد أهم عشرة أفلام في تاريخ السينما المصرية حيث استطاع مخرجه أن ينقل صورة لتراجيديا الوطن والمواطن بعد أن هبت عليه رياح السبعينيات السامة. وفي الفيلم يظهر لنا حسن (نور الشريف) الذي قضى أكثر من عشرين عاما متطوعا في القوات المسلحة خاض فيها أربعة حروب (اليمن/1967/الاستنزاف/1973) وتكونت أحلامه بدماء زملائه الشهداء وعايش الموت عشرات المرات, ودفع أغلى سنوات عمره في شرف الدفاع عن وطن يحاول اللصوص قتله! وسيناريو الفيلم نسج رحلة (حسن) في كم هائل من التفاصيل الصغيرة والسلوك اليومي, ومتابعة دقيقة لتطور شخصيته من السلب إلى الإيجاب, من المسالمة واللامبالاة إلى المواجهة والفعل العنيف, نراه في بداية الفيلم يقف مكتوف الأيدي في مواجهة اللص (النشال) الذي سرق إحدى الراكبات ويكتفي أن يمسك به بضعف ثم يتركه, وتستمر التحولات فالشخصية حتى اللقطة المشهورة عندما يطارد في نهاية الفيلم أحد اللصوص ويوسعه ضربا وهو يردد عبارة (يا أولاد الكلب) الكلمة التي نستوعب تماما لمن يقولها, ولمن يجب أن نقولها معه إيمانا بأن الحياة لا تحتمل اللصوص والشرفاء ولابد من المواجهة. الحرية المفقودة تجربة تخرج عن سياق الواقعية المعتادة بميلها الواضح نحو الرمزية تلك التي وجدناها في فيلم (الزمار) الذي يواصل فيه (عاطف الطيب) سعيه نحو الحرية والعدل المفقود.. مطاردا بحالة من التأمل تعطي الفيلم إيقاعه الفلسفي الواضح والخاص به. بطل الفيلم (نور الشريف) هارب من السجن لأنه عرض مسرحية سياسية على مسرح الجامعة, ويظل مطاردا من قرية لأخرى حاملا معه (مزماره) إلى أن يتوقف في إحدى القرى. ويستطيع الطيب تجسيد الظلم على ثلاثة مستويات, الأول شخصي حينما اتهم الزمار زورا بأنه على علاقة غير شرعية مع زوجة البقال والثاني عام عندما تنحدر رغبات أصحاب النفوذ ويمثلهم (أحمد بدير) والأخير هو الظلم والقهر النفسي من خلال الزمار وهو يحاول الهروب من بنادق الأهالي التي قتلت زوجة البقال لكن الرصاصات تخترق صدره أيضا وهو يردد (ونعيش في وهم كبير, ومخبيين السناكي في جراب القلب, ومخبيين الغناوي في جراب الليل) فضائح الروح كما نرى دائما في أعمال (الطيب) الانحياز الضروري لهموم الطبقة الوسطى وفي نص للأديب الكبير نجيب محفوظ, قدم لنا الطيب (الحب فوق هضبة الهرم), وبطلا الفيلم شاب وفتاة يعملان في مصلحة حكومية, يرتبطان بقصة حب ويقرران الزواج, لكن الظروف الاقتصادية مثل وحش خرافي لا يسمح لهما بالحياة, ويقرران الزواج سرا, ويتحول هذا الزواج إلى قوة ضاغطة تزيد شعورهما بالحرمان ويفشلان في العثور على مكان لاختلاس لحظات السعادة فيقرران فعلها فوق هضبة الهرم في حماية أبو الهول الذي قام بحماية الوطن طوال تاريخه, لكنه يفشل في حمايتهما, ويلقي البوليس القبض عليهما بتهمة (الفعل الفاضح), الفيلم يكشف لنا زيف المجتمع, حيث الصحفي الكبير يتغنى بالطبقة الوسطى طالبا حلا لمشاكلها, ثم يخرج ليمارس حياة فاحشة الثراء, وشيخ الجامع يقول للبطل المقهور (أحمد زكي) ان الحل هو (من استطاع الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم) وهنا يسأل البطل المهموم ومن لا يستطيع الصوم أو القدرة على نفقات الزواج فماذا يفعل؟؟ نهاية كل خائن عن قصة وسيناريو وحوار (أسامة أنور عكاشة) تعرض الطيب لواحدة من أهم القضايا التي تؤلم أبناء الطبقة الوسطى, ورغم أنه سبق له معالجتها في (سواق الأوتوبيس) إلا أنه في فيلمه (كتيبة الإعدام) عاد ليؤكد قيمة المقاومة, ليلخصها في جملته الشهيرة (الشرفاء حاربوا والجبناء سرقوا الانتصار) وهو يعني بالضرورة حرب أكتوبر وأن من جنى ثمار نجاحها قام بالسرقة والاستيلاء على تضحيات الشهداء بعد أن تخلى المجتمع فجأة عن سياساته واتجه للانفتاح مثل ثور هائج, متنازلا عن معان مثل العدل والحرية والعدالة الاجتماعية, ورغم اعتراض النقاد على المشهد الختامي والطريقة الدموية التي انتهى بها الفيلم على حد تعبيرهم والتي تعد تكريسا لمبدأ الاغتيال الفردي الذي لا يحل المشاكل الأساسية بل يؤدي إلى مزيد من العنف إلا أن الذي يشاهد الفيلم سيشعر بالضرورة بالرضا عن هذه النهاية الطبيعية لأي خائن. سبع الليل يتمرد فيلم يدين القهر ويتعرض لأخطر مشكلة في بلدان العالم الثالث ـ الحرية الفكرية الاضطهاد, بطل الفيلم سبع الليل (أحمد زكي) فلاح بسيط لا يعرف من الحياة إلا الأرض وزراعتها, ويحين دوره في التجنيد ويخبره رفيق عمره الطالب الجامعي ( حسين) (ممدوح عبد العليم) أن دخول الجيش واجب ودين في رقبته لحماية البلد من أعدائها, ويدخل (سبع الليل) ضمن إحدى الكتائب التي تحرس السجون بتغريب (أعداء الوطن) فيمارس مهمته بحماس لدرجة أنه يلحق بكاتب معتقل أثناء هروبه ويقتله رغم ما قاله: (أنت حمار ومش فاهم حاجة). وتشتعل المظاهرات عقب مقتل الكاتب فيتم اعتقال المتظاهرين من الطلاب وفي السجن يتم تجهيز (حفل استقبال لهم) .. ويقوم (سبع الليل) بالبطش بهم من أجل حماية الوطن, ويفاجأ بأن من ضمنهم صديقه (حسين) ويرفض تعذيبه فيوضعان معا في زنزانة واحدة ويقوم الضباط بوضع كيس به ثعابين ليموت الطالب (حسين.. ويكتشف سبع الليل أن أعداء الوطن الحقيقي هم المتسلطون, فيعود لممارسة دوره كجندي ويفاجئ الجميع برصاصاته, ثم يجلس ممسكا بالناي, لكن النهاية المأساوية أن يقوم احد الجنود الجدد ممن كانوا على نفس معتقده القديم من زملائه بقتله من الخلف برصاص غادر على اعتباره من أعداء الوطن!! والمدهش ان هذا الفيلم تم عرضه قبل احداث تمرد جنود الامن المركزي وبذلك يكون عاطف الطيب قد نبه الى هذا الامر قبل حدوثه الهروب والعنف تواصل سينما (الطيب) المواجهة وترفض الهروب من الواقع المرير, لكن فيلم (الهروب) يؤكد أن السلطة ليست هي الشرطة التي تطارد المجرم لكنها قد تصبح أحيانا المجرم الذي يحاول الإفلات من العقاب, انه يقدم لنا التطرف والعنف والإرهاب والاغتيالات ليست بوصفها وافدة على مجتمعنا بل ليؤكد أن بعض ممارسات السلطة ساهمت في غرس تلك الظاهرة ونموها, البطل هنا (منتصر) أحمد زكي شاب صعيدي من إحدى قرى الجنوب المنحوتة في قلب الجبل, فاكتسب أهلها الصلابة, يعمل (منتصر) في مكتب لتشغيل العمالة ويقع ضحية مؤامرة نصب من صاحب المكتب تنتهي به إلى السجن وبعد أن يخرج يبدأ رحلة الانتقام من ظالميه, وقد كان من الممكن أن يقع الفيلم داخل إطار ضيق لا يتجاوزه لولا عبقرية الطيب التي جعلته ينجح في كسر القيد الدرامي بتجاوزه إلى تعرية جهاز الشرطة مؤكدا أنه يمكن أن يمارس الإرهاب, ليس فقط على المواطنين بل وفي داخله من خلال التناقض بين شخصية الضابطين (عبد العزيز مخيون) و(محمد وفيق) , وفي المشهد الاخير تنطلق رصاصات الشرطة لتحصد روحي الهارب (منتصر) الخارج عن العدالة وقريبه (الضابط) الذي يحمي تلك العدالة؟ نهاية قلب كبير كان (ابن موت) هكذا قال الجميع, منذورا للغياب بعيدا عن ضجيج العالم, كان نقطة بيضاء وسط لوحة غاشمة من العتمة والظلام لذا كان ضروريا أن يرحل. دخل المستشفى لاجراء عملية في صمام القلب, وقبلها بساعات جلس مع أصدقائه (محمد زين) مدير الإنتاج ولبلبة والمنتج هاني فوزي وزوجته وشقيقته, يتحدث عن مشروعاته القادمة, قائلا عندي عمل مع نبيلة عبيد وآخر مع عادل إمام وثالث ورابع نجحت العملية, لكن انتكاسة حدثت بعد الفجر وتوقف القلب ليذهب عاطف الطيب بعيدا عن رداءة هذا العالم. القاهرة: سراج محمد
