كان السؤال الذي طرحه الشاب على الدكتورة يحمل طابع الاتهام أكثر مما يرمي إلى الاستفهام, وإن كانت صياغته قد جاءت على شكل استفسار عن مدى دور الاعلام في نشر الثقافة الالكترونية الحديثة, وتحميل الصحافة والصحافيين على وجه الخصوص مسئولية القصور, ونعتهم بالتراخي وعدم الحماس لاستخدام الكمبيوتر ومصادر المعلومات الالكترونية, مسجلين بذلك تخلفا عن اللحاق بما قطع العالم شوطاً كبيراً فيه إلى الدرجة التي اصبحت الامية معها تقاس بمدى قدرة الفرد على التعامل مع جهاز الكمبيوتر واستخدامه للانترنت ومصادر المعلومات الالكترونية, في الوقت الذي يصر الاعلاميون فيه لدينا والصحافيون منهم بشكل خاص على ترصيع جيوبهم بالاقلام وملء حقائبهم برزم الاوراق في عصر تخلص فيه العالم من الورق والقلم, وصح أن نطلق عليه (عالم بلا ورق) . جالت الدكتورة بنظرها في قاعة المحاضرات فأدركت انها تبحث عن وجهي إذ ما أن وقعت عيناها عليّ حتى بادرتني بابتسامة لطيفة قبل أن تعلق على السؤال الذي طرح وجهة نظر لامست مكمن الداء أكثر مما التمست الدواء لمعضلة وجدت الدكتورة فيها مدخلا للتنفيس عن هم تراكم على القلب طوال اربعين عاما قضتها في الولايات المتحدة منذ ان غادرت موطنها مصر ذات الحضارة العريقة الضاربة في عمق التاريخ لتحل بالعالم الجديد الذي قدمه كريستوفر كولومبس للاوروبيين عام 1492 كي يتخذه المهاجرون منهم لهم موطنا ونلحق بهم نحن بعد ذلك. بعد أن تأكدت الدكتورة من وجودي بالقاعة أعقبت ابتسامتها اللطيفة باعتذار ألطف حتى كدت أتوهم أن اصابع الاتهام موجهة لي أو أنني الوحيد داخل القاعة الذي يتحمل مسئولية ذلك القصور, ثم بدأت حديثها قائلة: مع الأسف اننا في العالم العربي دائما ما نصل متأخرين, ومع ذلك فأنْ تصل متأخرا خير من أن لا تصل ابدا, نعتقد أن ما يدور من حديث الان حول استخدام الانترنت في جميع مجالات الحياة اتجاه جديد أو وليد عام أو عامين بينما الواقع يقول ان الغرب قد سبقنا إلى ذلك منذ ما يزيد على عقد ونصف من الزمان حتى وصل اليوم إلى مرحلة اصبحت كفاءة الموظف فيها تقاس بمدى قدرته على استخدام هذه التقنية في عمله واجادته لها, وقد يتم اخضاعه لدورات تدريبية في هذا المجال ربما نقل بعدها إلى قسم آخر أو وظيفة أدنى إن هو لم يثبت تقدما, وقد يصل الامر إلى فصله من العمل إذا لم يستطع تطوير نفسه لمواكبة هذه الثورة التي الغت الورق تماما وحولت جميع التعاملات إلى اشارات ألكترونية متبادلة بواسطة جهاز الكمبيوتر يمارس الناس حياتهم عبرها بدءا من طلب حاجياتهم البسيطة من محل (السوبرماركت) المجاور وانتهاء بتقديم رسائل الماجستير والدكتوراه من أعرق الجامعات مرورا بأشياء بسيطة ومعقدة في شتى مجالات الحياة. أما نحن في العالم العربي فمازلنا مبهورين بهذه التقنية نناقش إمكانية ادخالها في حياتنا وتعاملاتنا من عدمها, الامر الذي يذكِّرني بما حدث لي عندما ذهبت للدراسة في الولايات المتحدة في اوائل الستينيات حيث وجدت الطلاب والطالبات يستقون معلوماتهم من الكمبيوتر الذي درسوه في المرحلة الثانوية في الوقت الذي لم يدخل فيه الجهاز جامعاتنا ولا عالمنا العربي بعد. استعرضت الدكتورة وجوه الحاضرين بالقاعة لترى ردة فعل كلامها عليهم ثم واصلت: ثمة أمران جديران بالملاحظة ونحن نتحدث عن علاقة عالمنا العربي بهذا الموضوع, الأمر الأول أن استخدامنا لهذه التقنية حتى الان محصور تقريباً في جانب ذي وجه ترفيهي اكثر منه معرفيا وعمليا, وهو جانب التخاطب والبريد الالكتروني, أما الامر الاخر وهو الأهم فهو أن هناك هرماً مقلوباً في عالمنا العربي فيما يختص باستخدام هذه الوسيلة, فبدلا من أن يبدأ هذا الاستخدام من القاعدة التي هي الشعب مدفوعة بالرغبة في التطور ومواكبة العصر ليصل بتدرج هرمي متصاعد إلى القمة ويصبح امرا واقعاً تفرضه المصلحة العامة فقد تخلفت القاعدة عن ذلك مما اضطر القمة ممثلة في القيادة السياسية إلى فرضه عليها كما حدث هنا في دبي بإطلاق مشروع الحكومة الالكترونية, وهو أمر يحمد للقيادة ويضع الشعب امام تحدٍّ صعب ولكنه تحدٍّ يفرض نفسه شئنا ذلك أم أبينا, فمن الحكمة إذن أن نختار نحن بإرادتنا دخول هذا التحدي وقبوله بدلا من أن يفرض علينا في عالم لم يعد فيه مكان للجزر المعزولة, ومن هنا أعود للنقطة الاولى التي قادتنا إلى هذا الحديث, وهي ضرورة أن يكون للاعلاميين والصحافيين على وجه الخصوص دور الريادة في دفع هذه العملية ليس فقط بتسليط الضوء عليها وتحريض أفراد المجتمع على استخدام هذه التقنية, وإنما بالمبادرة إلى التخلص من الاساليب القديمة التي لم يعد لها وجود في صحافة العالم اليوم, ونبذ التردد والخوف من استخدام الوسائل والاساليب الحديثة, ففاقد الشىء لا يعطيه وحامل القنديل لا ينتفع بضوئه ان هو ابقى عينيه مغمضتين وسار متخبطا على غير هدى بينما ضوء القنديل ينير المكان حوله. ثم مضت الدكتورة تتحدث عن الفجوة الحاصلة بين جيل الآباء وجيل الابناء, ففي الوقت الذي لا يجد الابناء فيه صعوبة في التعامل مع هذه التقنية يقف الآباء حائرين يقدِّمون رجلاً ويؤخِّرون أخرى بينما يمضي القطار منطلقاً بسرعته القصوى لا يأبه بالواقفين على رصيف المحطات ينتظرون من يدفع بهم من الخلف ليستقلوا احدى عرباته وينضموا إلى القافلة. كانت الدكتورة تتحدث في حماس ظاهر, أما انا فقد آثرت الانصات الذي هو تعبير مهذب عن السكوت, وفي ادبيات سلوكنا ان السكوت علامة الرضا الذي لا معنى له هنا سوى الاتفاق في الرأي مع الدكتورة حيث لا بديل عندي لذلك سوى المكابرة وانا اضع امامي ارقاما وردت في احصائية حول استخدامات شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) في العالم العربي تقول إن الاعلاميين والكتاب والنساء اقل الشرائح استفادة من الشبكة, وان الاجيال المتقدمة في العمر لاتزال مترددة في الاستفادة من خدماتها حيث إن متوسط أعمار مستخدمي الانترنت العرب يقل عن المتوسط العالمي البالغ 33 عاما, وكانت مفاجأة الدراسة ان العاملين العرب في مجال الصحافة والاعلام والكتّاب كانوا اقل المستفيدين من خدمات الشبكة حيث لم تتجاوز نسبتهم قياساً ببقية المهن المستفيدة من الشبكة 1% في الوقت الذي سجل فيه مهندسو الكمبيوتر والاتصالات اكبر نسبة وهي 15%. من طرائف الدراسة ايضا ـ مع الاعتذار للدكتورة العزيزة ـ أنها كشفت ان الذكور في العالم العربي يهيمنون على استخدام الشبكة الدولية حيث لم تسجل نسبة مشاركة الاناث أكثر من 6% وتعتبر هذه النسبة متدنية للغاية إذا ما قورنت بنسبة 46% للاناث في الولايات المتحدة و32% على المستوى العالمي. فإذا ما طوينا أوراق الدراسة التي كشفت مواضع خلل كانت مستترة ووضعناها جانبا وجدنا العالم منشغلا بفيروسات من نوع (ميليسيا) و(أحبك) أما نحن في العالم العربي فقد شغلتنا قضية (الطلاق الالكتروني) الذي اوقعه احد العاملين في مجال الاعلام لدينا على زوجته, ومازال هذا الطلاق معلقاً حتى تبت المحكمة في امر وقوعه من عدمه, فهلاّ سمحت لنا الدكتورة تهاني العريان بأن نثقل عليها لنعرف إن كان قد مرّ عليها مثل هذه الحالة خلال الاعوام الاربعين التي عاشتها في الولايات المتحدة خبيرة في مجال نظم المعلومات والمكتبات حتى غدت كبيرة لأمناء مكتبة الامم المتحدة بعد أن سجلت اسمها كأول سيدة في العالم وخامس شخص اجنبي يحصل على درجة الدكتوراه في هذا التخصص في الولايات المتحدة. افتينا يا دكتورة فنحن مقبلون كما يبدو على زمن مضطرون لأنْ نفتح فيه باب (الاجتهاد الالكتروني) .