الاسبوع الماضي تجمعت لديّ كثير من الاخبار والتقارير الصحفية والتي اعتقدت انها مهمة وان التطرق لها سيثري القارىء, ورغم ذلك تركتها جانبا, لعلمي ان القضية المهمة اليوم تصبح قضية عادية وباردة غدا, لذا لا اتطرق لما هو بارد, ونحن نعيش زمنا ساخنا, متلاحقا بكوارثه الالكترونية, بعد ان اجتاحت حمى الالفية الثالثة بشكل مثير, لم تستثن معه احدا, جسد العالم ودخلت في مفاصله, ها هي رسالة شوق وحب حارقة تحرق العالم لم يسلم منها الا اولئك البسطاء امثالي الذين لا يفقهون الف باء الكمبيوتر, فأسجل هدفا محكما على امريكا ومن يتشدد لها رافعا بذلك رأس العرب. وحتى فترات قريبة كنت اعتقد ان العرب وحدهم من يجيد فن العشق والحب والغرام, وان اي رسالة حب لم تتخللها ابيات شعر لقيس بن الملوح هي رسالة ناقصة أو تعاني من وهن وضعف, حتى جاءت حكاية رسالة الحب الالكترونية التي زلزلت مفاصل الكمبيوترات في العالم وجعلتها ترتعش حتى اخرستها وقيّدت فعلها ولغتها. المسألة بدأت على ما يبدو مزحة من عاشق إلى صديقته الا ان تلك المزحة اخذت ابعادا اخرى, فالعاشق ريونيل رامونيس الذي يقال انه مخترع فيروس الحب لم يعتقد انه سيدخل التاريخ من رسالة حب, فحتى وقت قريب كان الفلبيني ريونيل الذي يبلغ من العمر 28 عاما شابا مجهولا, لم تتعد شهرته زملاء العمل في البنك الذي يعمل فيه, لكن الاقدار ارادت ان تجعل من ذاك الشاب الضئيل بطلا ومتهما في الوقت نفسه تتناقل اسمه صحف واذاعات وفضائيات العالم, واذا ما ثبتت واقعة رامونيس فانه حتما سيدخل من بوابة التاريخ ولن يخرج ابدا, لأنه لحق بقافلة العشاق وتواصل مع ابطالها, فها هو قيس بن الملوح يسأل عن ليلاه, وقبله قيس بن ذريح الذي قال في لبناه: تعلق روحي روحها قبل خلقنا ومن بعد ماكنّا نطافاً وفي المهْدِ فزاد كما زدنا واصبح نامياً وليس إذا متنا بمنتقض العهد إلا ان ما يميز الرسالة العاشقة التي بعثها رامونيس إلى صديقته هو فيروس حب لكن من نوع آخر لا كما عرفته العرب واسمته الصبابة, فهذه الرسالة التي تلج البريد الالكتروني تجعلك وبشكل لا إرادي تقدم على فتحها لتعرف مضمونها, وما ان تغويك وتهم بفتحها اصبحت صيدا سهلا بالنسبة لها. وما يهمنا في هذه القضية أن الحب الذي اعتقد الكثيرون انه انتهى من الوجود, واستبدل بحب آخر هو المصلحة في هذا الزمن الالكتروني مازال موجودا, فبين الفينة والاخرى تطير وكالات الانباء العالمية خبرا من هنا وآخر من هناك جميعها يصب في مصلحة الحب الصادق. ورغم اختلاف الزمان والمكان واللغة والثقافة والطباع البشرية الا ان العاطفة تظل تمارس كينونتها في كل زمان ومكان متحدية بذلك المتغيرات, وحتى لا يأخذنا مدّ فيروس الحب إلى اراضيه نتوقف هنا فلا نزيد على هذا الحب حباً, لا من باب الفضول ولا من باب الصحافة, لهذا اكتفي باقتطاع مقولة قديمة, فقد قيل (كلمة الحب على كثرة ترديدها لا يبلى الزمان جدتها, ولا تنقص الايام جمالها, فهي تتردد في زقزقة العصفور, وحفيف الاجنحة, وأنين الاوتار, وخفقان القلوب, بل هي همس الروح إلى الروح, ومناجاة النفس إلى النفس, ولو جرّد العالم منها لأصبح الكون فراغا والحياة مملة) . المثير في قضية فيروس الحب أن خبراء الكمبيوتر حائرون امام تلك الظاهرة الغريبة, البداية كانت رسالة تبدو غير ضاره لانها رسالة حب وردت على البريد الالكتروني الخاص بملايين الاشخاص في العالم, وفي غضون ثوان من قراءتها كانت قد دمرت اجهزة الكمبيوتر في كافة انحاء العالم, ولأننا نعيش زمنا تسيرنا الآلة فيه فعلينا ان نتحمل تبعاته, فأمام هذا التدخل السافر في تفاصيل حياتنا اليومية سنظل مجرد تابعين, وستظل مثل تلك الرسائل التي اعتقدنا انها تافهة تسيطر علينا وتخضعنا لسطوتها, خاصة وان الطبيعة البشرية تدفعنا دفعا إلى فك طلاسم الاشياء الغامضة, فما بالك برسالة حب لاهية تأتيك دون عنوان ومن شخص لا تعرفه, حتما ستقرأها فورا دون ان تعي ما وراء الرسالة. عموما كان العرب ومازالوا ينعتون الحب ويصفونه بصفات واسماء مختلفة حسب شدته وتأثيره على الاشخاص, اضافة إلى الاسماء الاخرى التي تبوب الحب وتؤطره, فقد عرف الكثيرون الحب العذري نسبة إلى آل عذره وهو الحب السامي الذي يتواصل روحيا لا جسديا, وكذلك الحب الالهي الذي هو حب التسبيح في ملكوت الله عز وجل, والحب الصوفي الذي يمشي في نفس الاطار والحب العفيف ومن ابطاله جميل بن معمر وتلميذاه كثير عزه وقيس بن ذريح, واليوم تأتي رسالة مجهولة تنشر فيروسا مدمرا يسمى فيروس الحب فتنقش وجهها عميقا في هذا الزمن ليصبح للحب وجه آخر هو الحب الالكتروني. واختم فأقول كما قال الشاعر قديما: الحب يعرف في وجوه ذوي الهوى باللحظ قبل تصافح الاجفان