ان اكثر ما يشد في القصة الساخرة, هي المفارقة التي تعتمد في صورها الطريفة والمضحكة على الألم والمعاناة, والكاتب الساخر احمد عمر, قناص لهذه الصور المفاجئة, وغير المتوقعة, يكتبها باسلوب متميز وملفت, من خلال عالم خاص به, حيث بدأ اسمه يترسخ كواحد من الكتاب الساخرين, من خلال مجموعته القصصية الاولى (مقصوف العمر) عام ,1990 والتي قال عنها الكاتب الراحل سعيد حورانية: (مجموعة ساخرة.. تدخل كاتبها فورا في نادي القصة العربية, ومن بابه الضيق ايضا) . هذا بالنسبة لـ(مقصوف العمر) , اما بالنسبة لمجموعته الاخيرة (قلب الدراق) , فهناك اتساع مفتوح ولانهائي من الدوائر التي مركزها ونقطة ارتكازها الكاتب ذاته, كما جاء في الاهداء: (الى إيمار.. هذا جناه ابوك) . بهذا الالم يبدأ احمد عمر, ليسخر من نفسه ومن (عمره المقصوف) , وكأنه يزيح الستار الابدي عن طفولته وشبابه وذكرياته, لا ليسدلها على حياته الجديدة ـ (إيمار) ـ وانما لنشاهد معاناته كاملة, كيقين منه ان ما (جناه) كان لابد منه, لتواصل الفجيعة دورتها فقط. لهذا كله تكاد تكون قصصه واقعية في اكثرها, وخاصة تلك القصص المتعلقة بذكرياته البعيدة, التي مازالت تجرف روحه, والتي اصبحت من تجاربه الحياتية التي لا تنسى, كما في قصته (ثنائية الدار والجار) والتي ارادها الكاتب ان تكون بمشهدين. ففي المشهد الاول, والمعنون بـ(الدار, او أطلال هندسية) , نكتشف براعته في وصف داره هذا من جهة, ومن جهة اخرى براعته في وصف جاره الحاج أمية, الذي كافأ والد الكاتب على دعواته له بطول العمر والغنى ببناء طابق ثالث, فسرق بذلك الشمس كما سرق نصف الدار, مما جعل الكاتب يبيع النصف المتبقي, بعد وفاة والده الاعمى, عن سابق اصرار وتصميم ليكمل دراسته, اما المشهد الثاني والمعنون بـ(الجار, او اكثر من ثلاثة آلاف ليلة وليلة) , ففيه يكمل الكاتب حقيقة غدر جاره الحاج أمية, وذلك بعد استلامه ورقة انذار, تدعوه بدفع كافة الرسوم والضرائب, باعتباره المالك القديم, وذلك في غضون عشرة ايام من الانذار بالحجز على الاموال المنقولة وغير المنقولة والتعرض للغرامة القانونية, وهنا تأتي سخرية الكاتب المؤلمة عندما يقول: (صحيح انني لا املك اموالا منقولة او غير منقولة اخشى عليها من الحجز, لكنهم عاجلا او آجلا سيعرفون بتوظيفي الجديد وسيعمدون في احسن الاحوال الى اقتطاع نسبة من الراتب لاستيفاء المبلغ.. سيطول الامر سنوات طويلة. ربما اورث اولادي ديون البلدية ورسومها!) . هذان المشهدان معا, سيرة حقيقية للمكان الذي ولد فيه الكاتب, وسيرة حقيقية لتفاصيل حياته في الوقت ذاته. حيث للمكان وتفاصيله دور كبير في بناء هذه القصة, اذ يوصل الزمن ببعضه, وفق مجريات الاحداث, ويضفي عليها عمقا خاصا هو عمق وجرح الكاتب الخاص. وكأن الكاتب احمد عمر في مجموعته هذه يسترجع ماضيه الاليم, بدءا من الوالد الاعمى, ومرورا بالاخوات والاصهار والاعمام, وكأن هذه العائلة لا اجازة لديها من المصائب, كما يقولها الكاتب في قصته (هذا جناه ابي) , حيث يتناول عائلته فردا فردا, وذلك برسم صورة ساخرة تليق بآلامهم, وتليق بغدر بعضهم, كما يقولها صراحة في قصته (مكابدات رجل فقد ريشه) : (رضيت بالعيش في بئر) . هذا الغوص في الالم, استطاع الكاتب ببراعة رصدها بحزنها وبفشلها, حتى قبض على نواصيها بخبرة معلم. لذلك فالكتابة عن هذه المجموعة, هي كتابة الذات المجروحة, التي تنزف دما وحبرا, رغم السخريات الموجودة فيها, والتي التقطها الكاتب بشكل خاص من حياته المأساوية, واسقطها بذكاء في المفارقة التي تدهش وتفاجئ, بدقة وبكثافة, من خلال سرد تسجيلي لماض مؤرشف نطقه بألم كبير وصادق, لعله يستريح قليلا من آثار الماضي العنيد.