يكتبها: عبد الوهاب قتاية من أبرز الظواهر الاجتماعية في حياتنا العربية المعاصرة ظاهرة الهجرة, وبخاصة هجرة الكفاءات العلمية والعملية, الى خارج الوطن العربي, والى أوروبا وأمريكا بوجه أخص. هذه الظاهرة يسميها المفكرون المعنيون بهجرة العقول, استنزاف الأدمغة, الأمر الذي ينطوي على دلالات وأخطار جسيمة سياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية. وفي الوقت نفسه, فان هذه الثروة الغالية تضاف جاهزة الى قوة الدول الغربية, وتسهم في اغنائها وتقدمها, بدون أن تتحمل هذه الدول شيئا من تكاليف التربية والتعليم والصحة والخدمات. والحديث في ظاهرة الهجرة ذو شجون, لكن ما يهمنا هنا هو شجن اللغة, وبخاصة لغة الأجيال الجديدة من أولاد المهاجرين العرب, حيث ابتعد معظمهم عن لغتهم الأم, وعما تحمله من روح وقيم وثقافة. هذه الظاهرة المؤسفة تتحمل وزرها التاريخي مؤسساتنا السياسية والتعليمية والاعلامية والثقافية, التي لم تضع ظاهرة الهجرة وتداعياتها في الحسبان. كما يتحمل وزرها أيضا المهاجرون أنفسهم الذين جرفتهم حياتهم الجديدة, فلم ينتبهوا للخطر ولم يحاولوا العمل بجد لمواجهته. وفي هذا المقام ينبغي أن نذكر بالتقدير والاجلال دور الجيل الأول من المهاجرين, الذين كانوا حريصين أشد الحرص على المحافظة على انتمائهم العربي ولغتهم العربية. لقد بلغ عمق انتمائهم وشدة حرصهم واعتزازهم الى حد تسمية الصحف والكتب والدواوين بأسماء عربية فصحى مرتبطة بالتراث العربي العريق, فسمى الصحفي جورج شدياق صحيفته (سوق عكاظ) وسمى خليل ملوك وشكري الخوري مجلتهما باسم (الأصمعي) . وأطرف ما يذكر في هذا المجال, أن الشاعر الىاس طعمة الذي ارتبطت في وجدانه العروبة بالاسلام, فأسلم, واختار لنفسه اسم (أبي الفضل الوليد) , وحرص على أن يسمي كل ديوان من دواوينه باسم (الرقين) . والرقين هذه لفظة تبدو غريبة على الأسماع أول وهلة, لكن عناية هذا الشاعر باللغة العربية دفعته الى استعمالها بعدما تبين له أن كلمة (ديوان) أعجمية الأصل. وقد أوضح ذلك في قوله مخاطبا أحد أصدقائه: أهدي اليك بعض شعري, وهو شعر الصبا الذي طبعته في رقين. والرقين هو الكتاب المحسن المزين, وقد خصصت به كتاب الشعر بدلا من كلمة (ديوان) (الفارسية) . يجب أن نحيا بلغتنا, وأن تحيا بنا, فلا تموت إلا بموتنا. وبعد هذا الجيل الأول من المهاجرين, توالت أجيال الأبناء والأحفاد الذين جرفتهم الأجواء نحو الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة, وأخذت الهوة تتسع بينهم وبين لغتهم العربية.