يتمتع الكاتب الارجنتيني جورج لوي بورخيس (1899 ـ 1986) بأهمية كبيرة في الادب العالمي, وذلك بسبب ثراء لغته, وعمق مخيلته, ومرجعيته الثقافية الشرقية. وعندما يحظى كاتب مثل بورخيس بمثل هذه الاهمية, فإن امر مذكراته, لابد ان يجد صداه ويسحبنا للانتباه اليه.. لنبين اسرار هذه الشخصية الابداعية من خلال صاحبها نفسه. يقول مترجم (مذكرات بورخيس) عبدالسلام باشا ان بورخيس يبدو (مثل ساحر قديم يحكي حياته, كأنها متاهة او خريطة كنز في قصر مجهول) حتى اذا قرأنا مذكراته تبينا ان له: (ماض عسكري ومعظم عائلتي من الجنود ربما هذا يفسر حزني على المصير الملحمي الذي حرمتني منه الآلهة) . ثم ان نعلم ان جدته كانت (قارئة عظيمة, ماتت في التسعين واعتذرت لأنها تأخرت في الموت) كما نتبين ان والده كان محاميا وفيلسوفا وفوضويا يقوم بتدريس علم النفس, كما نعرف ان امه كانت تقرأ وتترجم بنهم ودقة.. ترجمت: (الكوميديا الالهية) وهوثورن, فرجينيا وولف, سارويان, هربرت ريد.. اذا كانت هذه عائلة بورخيس, فلا عجب ان يبدأ الكتابة وهو في السادسة او السابعة من عمره.. وان يتجه لتقليد سرفانتس مباشرة.. يقول: (منذ طفولتي, عندما اصيب ابي بالعمى, اعتبر بشكل مضمر انني سأكمل الطريق الادبي الذي منعت الظروف ابي من اتمامه..) . كان بورخيس يدرك مساره, يرسم له, ينميه, يسعى نحوه بشكل حثيث.. لا يهم ان كان لم يدخل المدرسة قبل التاسعة من عمره.. تكفيه بيئته التي زرعت فيه البذور الاولى للابداع.. حيث: (لم اتلق منه الاجزاء المحظورة مطلقا, وقرأت القصص دون ادراك لأي معنى اخر) . اللا محظور له اهميته, والقراءة التي لا تدرك.. كانا من عوامل اندفاع بورخيس لمزيد من الجهد.. والتأمل والمراجعة, ومن ثم الوصول الى شواطئ الابداع التي كان لابد من وصوله اليها. وكان احساسه العميق يضفي عليه قدرا كبيرا من الاحترام لنفسه ولمن حوله.. يقول: (في شبابي, كنت اشعر انني محتال أخجل من حفلات عيد ميلادي, لأنني لا استحق كل هذا الحب) . لقد كان محبوبا.. والحب الذي لا يضفي على صاحبه حضورا.. يشعره بلا اهمية هذا الحب, وانه لا يستحقه. (لماذا الناس طيبون معي, ولماذا ليس لنا اعداء؟) ان هذا الانتباه.. قد جعل من بورخيس مبدعا ينطلق من حس الانتباه هذا مضيفا اليه حبه لـ (قصص قطاع الطرق واللصوص الارجنتينيين) كذلك: (كنت اقرأ ترجمة الف ليلة وليلة في مكان سري.. لقد كانت محرمات) . ولأنه لم يجد امامه ما هو محظور.. فقد بدأ يكتشف الاشياء بنفسه. و(في الثلاثين من عمري, كان استاذي الحقيقي.. شاب في السابعة عشرة من عمره) فقد احس بورخيس بوعي ونباهة الشاب, ولابأس ان يتعلم منه.. كذلك لا يجد بورخيس ما يسيء اليه عندما يعترف بشأن قصته: (الاقتراب من المعتصم) التي كتبها عام 1935 واصفا اياها: (تلفيق ومقال فريق) وان قصته (بيرمينارد): (خطوة وسيطة بين المقال والقصة الحقيقية) بينما عد كتابيه: (خيالات)/ 1946 و (الالف) 1952 اهم كتبه. ومثل بورخيس. كان لابد ان يحصل هذا: (في عصر بيرون, كان يتبعني مخبر خاص. كنت اتعبه في نزهات طويلة بدون اتجاه. في النهاية اصبحت صديقه) اذن.. بالفعل والمنطق والحس المسئول والود العميق, يمكن ان نكسب الى صفوفنا اكثر الناس عداء لنا.. وهكذا كان مع بورخيس.. الذي كان يعد: (الشهرة مثل العمى, كانت تصلني شيئا فشيئا, لم انتظرها ابدا, ومع كل ما قدمه قال: عندما انظر الى كتب البدايات, لا اشعر انني صاحب هذه الذنوب الرهيبة, ترى هل كان ما قدمه بورخيس يعد ذنبا, على صاحبه الاعتراف بما جنته يداه من آثام؟ ان العمى الذي اصاب بورخيس منذ طفولته, جعله يحس به مثل (غروب صيفي بطيء) حتى زواجه كان ارضاء لأمه, اليوم وبعد مرور السنوات, مازلت افكر في كثير من الاحجار التي لم احركها والاخرى التي احب ان احركها مرة اخرى. ونواجه صدمة, صدمة حقيقية مفاجئة ونحن نقرأ مذكرات بورخيس هذه.. عندما يعترف ويباهي نفسه بزيارة الكيان الصهيوني عام 1969: (امضت عشرة ايام جميلة في تل ابيب والقدس بدعوة من الحكومة الاسرائيلية, عدت الى بلدي بشعور انني زرت اقدم وهي في نفس الوقت احدث البلاد. ويرتبط هذا الموقف الملتبس لبورخيس بسلسلة من المواقف الاخرى التي اتخذها منها موقفه من تجربة بيروت الشعبية, ومساندته امريكا في موقفها المعادي لكوبا! ان مثل هذه المواقف تجعلنا نقف في حالة دهشة امام مواقف بورخيس الذي كان يفترض معرفته بكل الحقائق التي يحتاج اليها في مسيرته الفكرية والابداعية, باعتبار ان عملية الكتابة ذاتها بحث دائم عن الحقيقة, باتجاه ترسيخ قيمها وابعادها بعيدا عن كل الضغوط, وبعيدا عن اي ضغط اعلامي يمكن ان يشكل تأثيرا على ذهنية مبدعة مثل ذهنية بورخيس. ونحن اذ نقرأ مذكرات بورخيس ونترجمها الى العربية مثلما ترجمنا سائر كتبه الاخرى: الالف, متاهات, كتاب الرمل, قصائد, تقرير برودي, مكتبة بابل, المعتصم.. وسواها من قصصه وكتاباته الاخرى, لابد من عزل مواقفه عن ادبه, فقد جاءت المواقف غير منصفة للحقيقة, ولا تليق بمبدع ضلله الاعلام الغربي, فيما بقي ادبه مصفى, خاليا من اي توجه يميني معاد للتقدم والحرية.