(وين شدّو بدو لخويرة) (خويرة) بقعة صغيرة من هذا الوطن, مثلها كأي رسم قديم طواه الزمن وبقي صيته. التاريخ لم يهتم كثيرا بحفظ اسمها, فلا هي أرض استراتيجية لها بعد أو عمق في الماضي أو الثروة أو الجغرافيا أو البطولات. لم تصنع حدثا, لهذا لم يقترب منها التاريخ. إنها ليست مهمة, وكثير من أبناء اليوم يجهل موقعها وحتى اسمها. خويرة هذه سألت عنها دليلا, احتاج هذا الدليل أن يسترشد معارف قدامى, حتى يدلوه على هذا الموقع المجهول. بعد بحث طويل, وصف الطريق نحوها: انها صوب المنطقة الغربية, قرب شمال مدينة زايد. ولا يعلم عنها أكثر من ذلك. غريبة هذه لخويرة, لكنها عند الكندي عزيزة ومعروفة, فيها جزء من قلبه, ذكرياته, لهذا بكاها, وأبكى الربابة حنينا على ذلك الذي سكنها ورحل عنها فجأة: وين شدو بدو لخويره لي عليهم نثني الجية ليش ما هم بدلوا غيره واخلفوا يا خادم النيه عدهم عفيه مصاديره والمنازل ما لها بيه وابعدوا به الله ذخيره راعي العين الذبوحيه وبقيت لخويره وبدوها ومنازلها, مجرد لوحة عشق غامضة تسكن خيال الذين عرفوا كلمات ولحن الكندي. أجمل في ذكراتي صورة قديمة لكنها ثابتة, واضحة المعالم والصدى, عمرها أكثر من عشرين عاما, عندما كان هذا الشاعر يطل كل ليلة أو مرات في الاسبوع الواحد من خلال شاشة تلفزيون أبوظبي. بيت من الشعر, يجلس قرب بابه الشاعر أحمد الكندي, يعزف على الربابة. قصائده في أغلبها تحمل روح وملامح المكان الذي ألفه: الرمال والنوق, والعربان الرّحل والمنازل الخاوية: شدو العربان بالكلي واتركوا ذا الروح ولهانه ما درو وش بالحشا حلي من الفراق وحر نيرانه انه دائم الشكوى والحنين من هذا الهجر, ومن هذه الغربة التي تسكن دواخله: تذكرني بماضيه الليالي منازل بين هاذيك الرمالي مراسمها بعد لايام عفيه عفت آثارها ريح الشمالي ألا يا منزل ما بين نزله رعى الله يوم انا لي فيك غالي في حياة الكندي كثير من علامات الاستفهام مثل قصة الربابة, مسحة الحزن التي تجدها في معظم قصائد الشاعر, وموته المبكر, يحتاج الكندي مثل معظم شعراء هذا الوطن إلى من يبحث في حياتهم, وأشعارهم, فهولاء رموز يفترض أن نعلم ونحفظ روائعهم, فهم ثقافتنا وجزء من تراثنا وحضارتنا. المرحوم أحمد الكندي كان في زمنه أشهر صوت يلحن على وتر الربابة. وأجمل أغاني الفنان جابر جاسم كانت من كلماته. وواحدة من أشهر الأغاني التي رددها أكثر من مطرب ومطربة عربية كانت من قصائده وهي: سيدي يا سيد ساداتي سيد الخود المزاييني راعني وارفق بحالاتي دامني في حبك ارهيني وفيها يقول: هوب كل الذوق غاياتي ولا بكل الشرب يرويني في هواك أتعبت نوقاتي كما لافن من فراقيني وكم خبن في المتاماتي في العلاوة والملاييني إلا ان الكندي في هذا العصر إنسان وشاعر مجهول عند عدد كبير من أبناء هذه الأرض! هذا لان هناك تقصيرا في حق هؤلاء, يتحمله الاعلام والمؤسسات المعنية بالتراث والثقافة. فالكندي وأمثاله يحتاجون إلى من يكتب سيرة حياتهم ويجمع أشعارهم, ويحقق في كلمات قصائدهم. يحتاجون إلى الاعلام بوسائله المختلفة, يعرف أهل هذا العصر, وهذا الجيل الجديد, بجيل الرواد المبدعين. ورحم الله أحمد الكندي.. من تقنع النفس قنعت لو تعاتبها ما عاد ترجع كما لول على العاده شيءٍ بلا شفها ما عاد يطربها إذا انكفت ما لها في تركها راده