تتميز مسيرة الدكتور علي فخرو السفير السابق لدولة البحرين في باريس بالفرادة. فهو وصل الى السياسة من الطب مرورا بوزارة التربية ما اضفى على ممارسته المهنية صبغة فريدة. عرفته الساحة الثقافية الباريسية سفيرا متقد الذهن يحركه فضول، ونهم فكري مزمن يشبعه بنشاطات ثقافية بعيدة كل البعد عن الارتجال والعفوية. كل مؤتمر شارك في تنظيمه ىأتي تلبية لحاجة. وتحقيقا لهدف واضح. ولا عجب في ذلك فهو كما يقول (يؤمن بالتحليل والنهج العلمي) من حديثه يستشف انه انسان على اطلاع وثقافة عالية. من جراحة القلب التي هي مهنته الاولى (درس الطب في الجامعة الامريكية في بيروت وتابع تخصصه في الولايات المتحدة) عين وزيرا للصحة في بلاده ثم وزيرا للتربية ثم كسفير في فرنسا وهو الان مستشار لدى امير الدولة. للوهلة الاولى يبدو ان الدكتور على فخرو تنقل بين مجالات مختلفة لا رابط بينها, لكن من يتعرف الى شخصيته وطريقة رؤيته للأمور يتبين ان هناك رابطا اساسيا لم يحد عنه منذ البداية, هو حقل التربية والثقافة. ما هي رؤيته لهذا المجال على الصعيد العربي عموما وما هي اهم الخطوات التي اتخذها في مجال التربية عندما كان وزيرا؟ علما ان خطواته ادخلت تطورات جذرية في قطاع التعليم في البحرين. في اطار تقويمه لدوره كسفير لبلاده في باريس يقول: (ما من وظيفة عامة الا وتعتمد على الانسان, من الممكن ان يكون دبلوماسيا ولا يتعدى عمله قراءة المجلات والصحف وكتابة تقرير او ان يهنئ ويذهب الى المطار ليستقبل ويودع. من الممكن له ان يساهم في تغيير النظرة الى بلاده. فبالتعاون مع السفراء العرب في باريس طورنا عملنا في مجلس السفراء من عمل يقتصر على الصعيدين السياسي والدبلوماسي ليشمل الثقافي, واعطينا ذلك كل الاهمية لاعتقادنا بأن العاصمة الفرنسية هي بوابة ثقافية رئيسية في اوروبا. لذلك لدينا الان لجنة ثقافية اعلامية تعمل بجد ونشاط لتشجيع النشر وتنظيم محاضرات دولية دورية تتحدث في اطارها بعض الشخصيات العربية وغير العربية, وتكون محورها العلاقات الفرنسية ـ العربية وتثار فيها قضايا عدة. واعتقد انها ستتطور لتتناول قضايا فكرية وليس فقط قضايا سياسية آنية. (ونحن نطمح للدخول في وسط الساحة الاعلامية الثقافية الفرنسية لتنشيط التفاعل العربي ـ الفرنسي الذي سيؤدي الى التفاعل العربي ـ الاوروبي وان يتسم ذلك بمستوى فمن العقلانية والموضوعية واحترام الجهتين) . ولم يشأ ان يفصح عن الشكل الذي سيأخذه هذا التعاون لأن بعضه يجب الا يكون محور كلام, لكنه وعد بمعلومات في المستقبل بما فيها قضية النشر التي يجب ان نحفزها لتنجح في الارض الفرنسية ممثلة لفكر عربي جديد. العودة الى الاصول ويقول الدكتور علي فخرو عن الثقافة في العالم العربي انها (حقل بالغ الخطورة وسيكون مدخلا رئيسيا الى جانب حقل التربية, في مستقبل النهضة العربية او المشروع النهضوي الذي حلم به العرب منذ منتصف القرن الماضي بل ابعد من ذلك منذ حملة نابليون على مصر) . ويعتبر ان نجاح هذا الحلم يعتمد على ثلاث قضايا تناولها المثقفون العرب ويحللها بقوله: (القضية الاولى تحدث عنها كتاب مثل محمد عابد الجابري وحسن حنفي وغيرهما, ومفادها انه لابد من الرجوع الى الاصول في التراث الثقافي العربي لازالة الغبار, والغيبيات, والسحر, والشعوذة, التي لحقت بهذا التراث, اذن الرجوع الى الاصول للانطلاق منها بحيث انك تبني على ارض صلبة تخصك انت ولا تخص غيرك عندئذ فإن تفاعلنا مع الحداثة وما بعد الحداثة, ومع الفكر الغربي سيكون من منطلق القوة وليس من منطلق الانهيار التام امامه. هذا موضوع بالغ الخطورة جرب عبر أعوام طويلة منذ محمد عبده والافغاني وغيرهما, الى ان وصلنا الان الى كتاب امثال الجابري وحنفي وعبدالله العروي وغيرهم. ويشير الى ان (هذه المحاولة لن تؤتي ثمارها وستبقى مجرد محاولات متفرقة تطفو من حين الى اخر اذ لم تتحول الى كتلة تاريخية واذ لم يقم بها عدد كبير من المفكرين العرب ومؤسسات كبيرة من المؤسسات العربية) . ويشيد في المناسبة بعمل مركز دراسات الوحدة العربية الذي ينخرط منذ اكثر من 15 سنة في هذا الاتجاه لايجاد تربة لهذا التحرك من دونها تبقى الثقافة العربية مثقلة بماضيها. ويقول: (القضية الثانية تتمثل في الاخذ بعين الاعتبار الساحة الثقافية العالمية والتي لا يمكن تجاهلها, فالثقافة العقلانية مرتبطة بالثقافة الديمقراطية وثقافة حقوق الانسان ويجب اعطاؤها هي الاخرى اهتماما بالغا في الساحة الثقافية العربية خصوصا ان الانسان العربي تعود على الحدس اكثر من العقلانية, وهذا جانب يحتاج انتباها شديدا. اما الجانب الثالث, فهو الثقافة العربية, ولكن ليس الجانب العلمي, ونقصد بذلك مناهج العلم ومداخل العلم اضافة الى المعلومات العلمية هذا العالم الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالعلم والتكنولوجيا والاتصالات والمعلومات, ولم يعد في الامكان التعامل معه الا بثقافة علمية على رغم انها تشمل الجوانب كلها وتدخل في الساحة المجتمعية. ونحن اذ لم ندخل في هذه المجالات الثلاثة من الباب الواسع ونجعلها مشاريع تاريخية وتكون القوى القائمة عليها كتل تاريخية فسيحكم علينا بفشل ذريع لا نرضاه لأنفسنا) . (عندما كنت اسأل ماذا كنت اتمنى لو لم اكن طبيبا اجابتي كانت دوما كنت احب ان اكون معلما في حقل التربية والتعليم) . وهكذا يرى على فخرو ان امنيته تحققت عندما تسلم وزارة التربية في العام 1982, فهو كان يعي ان هذا الميدان كان وما يزال هاما واهتمامه به كان بارزا منذ البداية. خلال ترؤسه وزارة الصحة لم يكن يركز فقط على صحة العامل الجسدية بل على تقدمه الفكري ايضا, ويقول: (كنت اسعى الى ان يكون مواكبا لتطورات العصر والتغيرات العلمية والتكنولوجية في حقل الصحة كان عندي شغف منذ البداية) . التعليم والتأهيل خطواته في وزارة التربية كثيرة, معه اصبح المعلم موضوع عناية خاصة ومدخلا رئيسيا لتغيير حقل التدريس, بحيث ركز على ثلاث نقاط: المعلم, المدرسة كخلية مستقلة, والمدير الذي يرأسها بشكل غير متسلط وديمقراطي. الاولوية كانت لمعلمي الصفوف الابتدائية التي يعتبرها الاساس ويبرر هذا المنحى بقوله: في السابق كان الاعتقاد السائد ان السنوات الثلاث الأولى يمكن ان يقوم بها اي من كان لكني اعتبرتها السنوات الاساسية التي يجب ان يتولى امر الاطفال خلالها اناس ذات كفاية, فتم الحاق المعلمين حاملي الشهادة الثانوية بالجامعة لمدة اربع الى خمس سنوات. حينها خصصت له حكومته مبلغ 50 مليون دولار لمشروع تأهيل كافة معلمي المرحلة الابتدائية لتدريبهم على الاهتمام بالطفل ككل وليس فقط بالمواضيع التدريسية, وهو ما سمي بمعلم الفصل. انعكاسات تأهيل اساتذة نظام الفصل كانت مهمة اذ اصبح تلامذتهم جزءا مشاركا وليس عنصرا مستمعا يشاركون وينتقدون ولا يقبلون بسهولة الرأي الاخر. معلمو المرحلة الثانوية ايضا تم تأهيلهم للحصول على الماجستير في مجال اختصاصهم. وقبل ان يترك وزارته كان بدأ بالتفكير باشراك اهل الطلاب في اجواء المدرسة وان يدخل في مجلس المدرسة من يمثلون الطلبة واهلهم واولياءهم. ويتابع: (في الوقت ذاته قلنا ان المدير يجب الا يكون قائدا اداريا فقط وانما قائدا اكاديميا طبعا الجدد كان باستطاعتهم ان يستوفوا الشروط لكن القدامى اعطيناهم دورات تدريبية للحصول على دبلوم الادارة المدرسية للاطلاع على اسس الادارة وتوجهاتها وتغيير نمط تفكير هؤلاء ثقافة عامة للإطلاع على ما يحدث في العالم. هذا الى جانب اعتماد الساعات المعتمدة في المرحلة الثانوية كما في الجامعات وكان الهدف تقويم الطالب عبر ثلاث سنوات ليس بامتحان واحد في نهاية المرحلة الثانوية مما اعطى مرونة وحرية وفرصا اكثر عدالة للطالب بحسب قدرتهم الفكرية والمادية. اما مشاركة البنات, فالبحرين من البلدان التي كانت سباقة في افساح المجال امام الفتيات وفيها اعلى نسب مشاركة للمرأة في حقل العمل. اول مدرسة للفتيات افتتحت في البحرين كانت عام 1928 والاولاد 1918. في جامعة البحرين كان ثلثا الطلبة من الفتيات والثلث من الاولاد والنساء تشكل 25% من كلية الهندسة واكثر من 50% من كلية الطب والمعلمات اكثر من 60% من الحقل التربوي.