في عمق اروقة سوق تبريز الذي يبلغ عمره 1000 عام وعلى جدار دكان علي رضا اكبري تتدلى سجادة تحمل رسم فتاة هندية بشعر اسود يتهدل على كتفيها. ونظرة تتألق من عينين جميلتين. وقبل خمس سنوات من الان لم يكن اي تاجر سجاد ايراني ليجرؤ على عرض سجادة تحمل مثل هذه الصورة على الملأ. لكن تلك السجادة المعلقة في دكان اكبري ليست مجرد رمز للمواقف الاجتماعية التي غدت اكثر تحررا في ايران, بل هي ايضا, حسب اعتقاد اكبري, تعد مثالا لآلاف السجاجيد زهيدة التكلفة المستوردة من الهند والصين وتركيا, تلك السجاجيد التي اصبحت تتدفق الى ايران منافسة المنتجات الايرانية باهظة الثمن. ويعكس هذا الوضع انحدار القدرة على المنافسة من جانب صناعة السجاد الايرانية التي تعتبر اكبر مشغل للعمالة في ايران ويمثل انتاجها اهم صادرات ايران غير النفطية, كما يشير ايضا الى تفاقم المشكلات الاقتصادية التي تحل منذ فترة بالاقتصاد الايراني. وقد غدت هذه الصناعة, على وجه التحديد, بحاجة ماسة للدعم على اي مستوى بعيد قرار الحكومة الامريكية مؤخرا, بتخفيف الضوابط الاقتصادية المفروضة على السجاجيد الايرانية وواردات اخرى من المنتجات الايرانية غير النفطية. وتجار (البازار) من امثال اكبري في بتريز يتوارثون هذه التجارة من جيل الى جيل, لذلك, في بعض الحالات, مثل تبريز واقليم اذربيجان, تجدهم ارباب العمل الوحيدين في اقاليمهم. كما ان هؤلاء التجار الاثرياء يتمتعون بقوة سياسية, فالعديد من الايرانيين لايزالون يذكرون ان فقدان الشاه لدعم وتأييد تجار البازار في عام 1978 كان بمثابة نقطة تحول على طريق ايران, والان وبعد 20 عاما, بدأ هؤلاء في الاعراب عن القلق من جديد. ويقول اكبري ورفاقه التجار في تبريز ان انخفاض مبيعات السجاد الايراني بشكل كبير يعود لارتفاع اجور الايدي العاملة وتكلفة وسائل النقل. ويضيف اكبري كذلك الصعوبات التي سببتها القيود البيروقراطية على الصادرات واللوائح التي تلزم المتعاملين بتصريف ارباح العملة الصعبة بأسعار زائفة. وقبل خمسة اعوام من الان, كانت قيمة صادرات السجاد الايراني تفوق قيمة اي سلعة اخرى غير نفطية, لكن في الفترة نفسها انخضفت قيمة الصادرات غير النفطية من 5 مليارات دولار الى اقل من 3 مليارات دولار في السنة. وعلى الرغم من الصعوبات التي يواجهها معظم الايرانيين في الاقتصاد في الانفاق كي لا يتخطوا حدود دخلهم, الا ان مؤيدي الرئيس خاتمي كسبوا الانتخابات العامة الشهر الماضي على اساس قضايا اجتماعية اكثر منها اقتصادية. لكن العديد من تجار (البازار) صوتوا لمرشحين محافظين, لأنهم ظنوا ان المحافظين يبدون تفهما اكبر لأهمية المال وقيمة القطاع الخاص. ويرى المحلل بيجان خاجيبور ان اغلبية الاصلاحيين الجدد في البرلمان سيوضعون على المحك الحقيقي عندما يطلب منهم وضع اطار للسياسات الاقتصادية المستقبلية. وحتى الان, لايزال الايرانيون يلقون باللائمة في عثرات الامة على المحافظين المتشددين الذين كانوا يسيطرون على البرلمان. لكن بعد الانتخابات العامة التي جرت الشهر الماضي سيكون على الاصلاحيين ان يتحملوا المسئولية المباشرة عن مواطن الضعف في الاقتصاد الايراني. ويقول اكبر كربسيان, الخبير الاقتصادي في معهد طهران للعلوم المصرفية: (تعتبر ايران واحدة من دول قلائل في العالم بدون ديون عامة ونسبة فائدة سالبة. فبدلا من اقتراض المال لتغطية العجوزات السنوية في الميزانية تطبع الحكومة المزيد من النقود. وهكذا يتحول الدين الى الشعب, مع انخفاض قيمة الاموال التي يستخدمونها في كل عام. وقد تدهورت قيمة العملة الايرانية من 70 ريالا للدولار قبل 20 عاما, الى 8.200 ريال للدولار في الوقت الحالي. ويجري التضخم السنوي بمعدل يتراوح بين 30% الى 50%. ويقول كربسيان في ذلك (عاجلا او اجلا سيتعين اتخاذ اجراء حيال هذا الوضع) . لكن اخرين يبدون اكثر تفاؤلا من كربسيان. اذ يرى مهدي بكهيش, المستشار المستقل والمدير السابق لقسم العلاقات الدولية في غرفة التجارة بطهران يرى ان الخطة الخمسية الثالثة التي قدمها الرئيس محمد خاتمي للبرلمان في الخريف الماضي هي اول خطة تحدد المشكلات الاساسية التي تصادف عملية اعادة البناء.