لعل الموقع الطبيعي الفريد المحيط بمدينة تعز في اليمن من أجمل ما رأت عيناي, لكم طفت شرقا وغربا, غير أنني لم أطالع مثل هذه الروعة التي تتمثل في الجبال المحيطة, والبيوت اليمنية العتيقة المطلة على الفراغات, على أطراف الكون, الطيور تراها من أعلى, لا ترقى مهما جاهدت إلى النقطة التي وصلنا إليها, فوق جبل جد, والغمام يسبح تحتنا, والقمم ترد على بعضها البعض. في صنعاء نصحنا الأب الروحي لليمن الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح أن نجلس بمقهى يطل على المدينة من عل, ورغم ان الاصدقاء حجزوا لنا في الطائرة المتجهة من صنعاء إلى تعز حرصا على وقتنا وراحتنا, إلا أننا قررنا - الدكتور جابر عصفور وكاتب هذه السطور - أن نصل إلى تعز برا, هكذا خرجنا في الصباح الباكر قاصدين المدينة العريقة عبر الجبال, رحلة تستغرق في الطريق المرصوف جيدا الآن ثلاث ساعات ونصف تقريبا, وفي الماضي كان اليمنيون يقطعون المسافة في شهر, جبال وعرة, تصعد وتنزل, يتوسطها السحاب. الحديث عن الطريق في حاجة إلى كتاب وليس مجرد مقال, لكن الحوار الممتد بيني وبين أخي جابر عصفور تناول أمورا عديدة, كنا نبدأ وننتهي عند ذكر أديب يمني, له رواية بديعة اصبحت جزءا من التراث اليمني, الذي يقرأه العالم بعدة لغات الآن, انني أقصد رواية (الرهينة) للأديب الجميل زيد مطيع دماج, الذي رحل منذ شهور قليلة بعد صراع مرير مع المرض. زرت اليمن أول مرة عام ثمانية وثمانين عندما نظمت جامعة صنعاء بمبادرة من رئيسها الشاعر, العالم عبد العزيز المقالح ندوة كبرى لمساندة الانتفاضة الفلسطينية. لا أذكر الآن اين التقيت بزيد مطيع دماج, بالتأكيد في الندوة, لكن أذكر حديثا طويلا جرى بيننا وكان ذلك بعد الظهر, ربما في المقيل الخاص بالدكتور المقالح, أذكره فيمثل أمامي شخص دمث, رقيق, متواضع إلى أقصى حد, وقد أحببت اديبين من اليمن, كلاهما رحل للأسف, الروائي زيد مطيع دماج, والشاعر عبد اللطيف الربيع, لسنوات طويلة كنت أظن أن زيد هو نفسه بطل الرهينة, هذا الوصف الدقيق لقلعة القاهرة, وللأطفال الرهائن من ابناء شيوخ القبائل الذين كان يحتفظ الامام بهم حتى لا يفكر اباؤهم في الثورة أو التمرد عليه, تجربة فريدة, غنية, شديدة الخصوصية, إلا أنني في صنعاء اكتشفت الحقيقة. الرهينة الحقيقي قبل توزيع جوائز مؤسسة السعيد الأدبية, فوجئت بالدكتور جابر يقدم لي صديقا له نحيلا, اسمر الملامح, قال: تفضل يا سيدي.. الرهينة الحقيقي. قال انه احمد قاسم دماج, ابن عم المرحوم زيد, انه الرهينة الحقيقي, فلم يكن زيد رهينة, إنما كان يجيء ليزور ابن عمه أحمد في قلعة القاهرة, ومن تجربته استوحى هذا العمل الأدبي الجميل. كان الحديث قبل الحفل سريعا, تساءل الدكتور جابر مداعبا: وماذا عن الشريفة؟ كان يشير إلى قصة إحدى النساء في الرواية وما يجري في الخبايا, غير أن أحمد قال باختصار: كان الواقع أفظع من الرواية.. كان بشعا إلى حد كبير. ثم قال: كلما استيقظت الذاكرة واستعدت تلك الايام يجافيني النوم.. والله لا أقدر على النوم. في نفس الحفل تعرفت على ابن المرحوم زيد, وهو أديب موهوب أصدر مجموعة قصصية. غير أن أثمن ما قدمه لي كتاب والده (الانبهار والدهشة) الصادر حديثا عن دار رياض الريس, سيرة ذاتية جميلة, موجزة, غير أن ما يعنيني منها ما يتعلق بالرهينة. القاهرة من سفح جبل جد, من مقهى يشرف على تعز القديمة والحديثة جلسنا نحدق في فراغ الليل, موقع المقهى عند الحافة, والاحساس القوي بوجود الفراغ الهائل الذي يسفر عنه توزع الاضواء وتناثرها إلى أعلى وإلى اسفل يجبر الانسان على التأمل والتفكير, لا شيء يدفع الانسان إلى التأمل مثل اللا مدى, كأن يجلس أمام البحر أو الجبل أو الصحراء. قال لنا صديق يمني ردا على تساؤلنا: قلعة القاهرة في المواجهة تماما.. أمامكما. رحت أحدق في القمة غير أنني لم أكن قادرا على رؤية أي تفاصيل, خاصة أن القلعة مهجورة, وغير مضاءة بأي مصابيح, يدوية كانت أو كهربائية, في اليوم التالي ظهرا, كنت أجلس في المقهى نفسه, وكانت تعز كلها أمامنا, والقلعة في مواجهتنا, كتلة هائلة من العمارة الحربية تقوم فوق جبل يتوسط الفراغ ويشرف على المدينة القديمة وامتداداتها الحديثة, هنا عاش أحمد قاسم دماج كرهينة منذ طفولته وحتى شبابه, وعبر هذ ا المرتفع الوعر كان يصل إليه الاديب زيد مطيع ليزوره ويطمئن عليه. هنا وجدت نفسي أعود إلى السيرة الذاتية للمؤلف, كي أقف على ما ذكره عن تلك القلعة, وظروف الرهائن. القلعة يقول زيد مطيع دماج: كانت بداية معرفتي ومشاهدتي لهذه القلعة عندما صعدت إليها من المدينة عن طريق مدرج بالحجارة إلى مزار (الشبزي) الذي يزوره اليمنيون رجالا ونساء واطفالا , المزار عبارة عن كهف صغير بابه مقضض بالنورة, وحوله كراسي من الحجارة المنحوتة ليجلس عليها الزائرون, في تلك المرحلة من الطفولة والصبا لم أكن اعرف شيئا عن هذا (الشبزي) ولم يتسن لي معرفة كونه أديبا وشاعرا وشخصية يهودية مشهورة إلا أخيرا. ينتهي الطريق المدرج بالحجارة عند هذا المزار, وبعد ذلك كان علي الصعود في طريق وعر شقته عبر الزمن أرجل الصاعدين والنازلين, كانت قد فتحت فجوة من السور مستحدثة للدخول والخروج تدعى (عين الدمة) منها يؤدي الطريق إلى البوابة الرئيسية للقلعة بمرحل معبد بالحجارة المصقولة يصعد منها الناس والامدادات وعربات المدافع التي تجرها البغال, كان المرحل ملتويا ويستدعي المرء للاستراحة في كل منعطف به. عند البوابة المنيعة يقف زيد مطيع دماج, ولنر معه ماذا شاهد؟ فتحته هذه النافذة الصغيرة المحصنة بالاسياخ من الحديد غليظة بالرغم من انها لا تسمح بدخول رأس كلب أو قط فما بالك برأس إنسان. من تريد؟ أريد أن اقابل ابن عمي الرهينة وأطبق النافذة الصغيرة في وجهي بعد أن بصق من فمه (الشمة) فاتسخ ثوبي فوق ما هو متسخ, بعد فترة انتظار طويلة فتح الباب الصغير المقوس من اعلاه محدثا صوتا مزعجا, كنت أول الداخلين وخلفي مجموعة من الرجال الزائرين لابنائهم يكادون يدفعونني إلى الارض, لكن الحارس (الجلف) استطاع برجله الغليظة أن ينظم دخولنا بانضباط دقيق, فتشني بدقة وبسرعة, وأخذ من مصروف ابن عمي ريالين, وعندما حاولت التلكؤ والاحتجاج لكزني الذي كان ورائي وهمس في أذني بأن لا اعترض وأن أمشي سريعا. بعد مراحل من المعاملة الخشنة, وسلب ما يحمله زيد من نقود يصل أخيرا إلى المكان الذي يقف فيه الرهائن, ويرى ابن عمه أحمد, يقول زيد: عندما سمح لنا الشيخ (المحجاني) بالالتقاء بالرهائن انزعجت لصوت جلجلة القيود الحديدية على أرجلهم, لم أعد أتذكر أي ملمح لصورة ابن عمي ولا هو, لكن صلة الدم كانت رائحتها تقودني وتقوده لنعرف بعضنا بعضا, هرولت إليه وحاول أن يهرول إلي رغم قيوده الغليظة, وعندما اقتربنا من بعضنا تعانقنا, وتمسكت باكيا حتى علا صوتي. يقول زيد مطيع دماج - رحمه الله - انه لم يعرف في كل اسفاره التي تمت فيما بعد قلعة منيعة كقلعة القاهرة, مقر الحكم في اليمن خلال الدولة الرسولية, والسجن الرهيب للرهائن في زمن حكم الامام أحمد, من زيارات زيد لابن عمه استوحى هذا العمل الادبي الجميل (الرهينة) , وبقيت القلعة شاهدا على ماض شديد القسوة في بيئة وطبيعة باهرة الجمال.