ظلت المرأة المصرية على حجابها أو نقابها إلى ان غمرت نتائج ثورة 1919 نفوس النساء اللائي خرجن في مظاهرة مارس الكبرى, فأخذت نفوس هؤلاء النساء في التطلع إلى التمرد على الحجاب, ومن ثم إعلان السفور العام. وجاءت الفرحة التي اشعلت هذه الرغبة, وخرجت بها إلى ما اقترب بها من حيز الوجود, مع الدعوة التي تلقتها لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات بزعامة هدى شعراوي من الاتحاد النسائي الدولي فى مارس ,1923 وذلك لحضور المؤتمر الذي تقرر ان يعقد في روما بحضور نساء العالم, ويبدو ان وصول خطاب الدعوة دفع هدى شعراوي إلى تشكيل جمعية الاتحاد النسائي المصري من بين عضوات لجنة الوفد, وقد تشكلت هذه الجمعية بالفعل, وأعلن الاتحاد النسائي المصري في السادس عشر من مارس ,1923 أي في اليوم نفسه من الشهر نفسه الذي حدثت فيه مظاهرة النساء الكبرى في ثورة ,1919 والذي اصبح فيما بعد يوم المرأة المصرية, وقد انعقدت الجمعية العمومية للاتحاد النسائي المصري في تمام الساعة الرابعة بمنزل هدى شعراوي بشارع قصر النيل (نمرة 2) ووافقت على القانون الأساسي للاتحاد, كما انتخبت وفد مصر في مؤتمر روما الذي استمر من الثاني عشر إلى التاسع عشر من مايو 1923. وكان الوفد مكونا من هدى شعراوي وزميلتها نبوية موسى سيزا نبراوي. ووصل الوفد إلى روما للاشتراك في المؤتمر, فوجد العاصمة الايطالية محتشدة بمندوبات ست وثلاثين دولة مشتركة. وكانت كل دولة اوفدت اكثر من عشرين مندوبة عدا الصحافيات والصحافيين. وسرعان ما اكتشفت عضوات الوفد المصري انهن لم يحملن معهن علم مصر ليرفرف مع بقية أعلام الدول المشاركة, فطلبن من طلاب البعثة التعليمية المصرية في روما تجهيز علم مصري يتعانق فيه الهلال والصليب فصنع الطلاب العلم اكبر حجما من كل الأعلام الموجودة, متعللين بأن مصر اعرق الأمم ويجب ان يكون علمها أكبر الأعلام. وعندما قدمت هدى شعراوي العلم المصري لرئيسة المؤتمر معتذرة عن كبر حجمه, تقبلت الرئيسة العلم مقدرة قلة الخبرة, ولكنها تأثرت تأثراً عظيما عندما رأت الصليب يعانق الهلال على العلم, فأمرت بوضعه على يسار المنصة معادلا للعلم الايطالي الذي كان إلى اليمين. وقدمت الرئيسة الوفد المصري للمؤتمر تقديما حمل التقدير والاعجاب وازال شبهة التعصب الديني عن الحركة الوطنية المصرية. وسرعان ما عبرت المشاركات في المؤتمر عن اعجابهن بثقافة عضوات الوفد, وان كان الاعجاب لم يخل من الدهشة نظرا للفكرة السائدة التي قرنت المرأة المصرية او العربية المحجبة بالجهل والهمجية, وزاد من هذا الاعجاب حماسة العضوات المصريات اللائي تقبلهن الجميع بالتشجيع والدعوة إلى الانخراط الكامل في سلك الاتحاد النسائي الدولي كفرع منه يمثل مصر. وتقبلت العضوات المصريات الدعوة بحماسة وفرحة مدركات أهمية ان يصبح الاتحاد النسائي المصري الوليد اتحادا ذا صفة دولية وصفة قومية معترفا به في مصر والخارج. وتقول هدى شعراوي, في مذكراتها, انهن اخذن على انفسهن عهدا ان يسرن مع نساء أوروبا على طريق النهوض بنساء وطنهن املا فى الوصول ببلادهن إلى المكانة اللائقة بها بين الأمم الراقية مهما كلف ذلك, وان يؤدين بأمانة واخلاص الخدمات الاجتماعية والانسانية التي يتطلبها برنامج الاتحاد النسائي الدولي. وكان من مظاهر ذلك تأييد الاتحاد النسائي الدولي في المطالبة بحقوق المرأة السياسية والمدنية, وتخويلها حق الانتخاب, فضلا عن منحها بقية الحقوق المحرومة منها. ولم يكن لذلك كله من معنى إلا بعد ممارسة السفور الكامل في المؤتمر. ويبدو ان ذلك هو السر في ان العضوات الثلاث قررن خلع النقاب اللائي كن يرتدينه إلى الابد. وابتداء ممارسة سفورهن العام في ردهات المؤتمر وقاعاته, متشبهات في ذلك ببقية المشتركات الأوروبيات اللائي لم يرين بينهن وبينهن فرقا يدفعهن إلى ان يختفين وراء الحجاب أو النقاب, وتحمل الترجمة الانجليزية لمذكرات هدى شعراوي التي اعدتها وقدمتها الباحثة الأمريكية مارجو بدران (صدرت عن الجامعة الأمريكية في القاهرة سنة 1998 بعنوان: سنوات الحريم: مذكرات رائدة العمل النسائي في مصر) مجموعة من صورها في روما. وقد لفت نظري صورة منها, تقف فيها هدى شعراوي في المنتصف, وعن يمينها سيزا نبراوي, وعن يسارها نبوية موسى, وكلهن سافرات بلا حجاب, تفترش اوجههن الثلاثة ابتسامة واثقة فرحة, متباينة الدرجات. لم يعكر عليها رباط الرأس الذي ترك الوجه طليقا في سفوره الواعد. وانتهى المؤتمر بعد ان ازداد وعي السفور في الفارسات الثلاث (هدى شعراوي, نبوية موسى, سيزا نبراوي) اللائي قررن فيما بينهن ان يعدن إلى وطنهن سافرات, وان يخلعن عنهن الحجاب التقليدي, اعلانا عن دخول المرأة المصرية إلى زمن جديد, خصوصا بعد ان امتلأن ثقة بأنفسهن, وبقدرتهن على مجاراة المرأة الأوروبية المتحضرة بما لاينتقص من قدرهن او ينقص من عفافهن, ولا غرابة في ذلك فقد كان شعور الفارسات الثلاث بنجاحهن في روما مؤكدا, ولذلك عدن إلى وطنهن سافرات مرفوعات الرؤوس, معتقدات انهن أدين خدمة جليلة لوطنهن وجنسهن, خصوصا بما حققنه من اداء متميز, وما قمن به من دعاية طيبة وسط الجمع الحاشد من مندوبات الدول الست والثلاثين المشاركة في المؤتمر الدولي. وقد لفت نظري أمران في الخطاب الذي القته هدى شعراوي امام مؤتمر روما, خصوصا حين قالت انه لايوجد تعليم اجباري في مصر, وان الحكومة حرمت البنات ابتداء من سنة 1909 من حق اداء امتحان البكالوريا, ثم حرمتهن من نيل شهادة الدراسة الابتدائية, وانه لم يكن امام البنات اللائي كن يتعلمن في مدارس الحكومة إلا امتهان احدى مهنتين: مدرسة أو قابلة. وأضافت هدى شعراوي إلى ذلك ان النقاب كان, ولا يزال من اكبر العوامل التى ادت إلى بقاء المرأة في درجة من العلم لا متأخر عنها ولا متقدم, خصوصا ان الفتيات كن يمنعن في سن معينة من الذهاب إلى معاهد التعليم, ولا يسمح لهن ـ قط ـ بالتعليم العالي. ومع ذلك كله لم تغفل هدى شعراوي فى خطابها الروح الذي تركته ثورة ,1919 وما افضت اليه هذه الثورة من تزايد شعور المرأة بكرامتها, خصوصا بعد ان ظهر معدنها الاصيل اثناء الثورة, وشاركت الرجل في كفاحه السياسي باسهاماتها المتعددة في الإدارة والكتابة في الجرائد وتأسيس المجلات, بل انشاء مدارس حرف للفقهاء وملاجىء للمرضى الفقراء بحر مالها, جنبا إلى جنب تكوين جمعياتها الخاصة. وأعلنت هدى شعراوي في المؤتمر عن اعلان الاتحاد المصري النسائي, واوضحت للمؤتمرات برنامجه الذي يهدف إلى رفع مستوى المرأة الأدبي والخلقي لتحقيق المساواة السياسية والاجتماعية بالرجل من وجهتي القوانين والآداب العامة, كما يهدف إلى المطالبة بمنح الطالبات حرية الالتحاق بالمدارس العالية, ويعمل على اصلاح العوائد الجارية فيما يتعلق بطلب الزواج حتى يتيسر للطرفين التعارف قبل التعاقد, وأضافت إلى هذه الأهداف مواصلة الجهد لاصلاح القوانين المتعلقة بالمرأة, ومنها ضرورة جعل سن الزواج عند البنت لا يقل عن ست عشرة سنة. وقالت هدى شعراوي ان الاتحاد يسهم, فضلا عن ذلك, في محاربة الخرافات والعوائد التي لا تتفق مع العقل, ويصدر مجلته الخاصة التي لا تتعارض مع الدعوة إلى مبادىء الاتحاد. ولايفوت هدى شعراوي ان تدافع عن موقف الإسلام من المرأة, وتؤكد أهمية التفرقة بين التأويلات الجامدة وبين صحيح الإسلام في سماحته وعدله فيما يتعلق بوضع المرأة وينتهي الخطاب بما تعلنه هدى شعراوي من تحية للمؤتمر. وحماسة للاتحاد النسائي الدولي. مؤكدة ان الاتحاد قوة, وانها ترجو من صميم فؤادها ان يتحقق في القريب العاجل الغرض اللائي سعين اليه وهو انتصار حقوق المرأة في العالم اجمع. ولاشك ان هذه الحماسة التي فجرها مؤتمر روما في اعماق هدى شعراوي لم تفارقها بعد عودتها إلى مصر. فعقدت اجتماعا عاما للاتحاد النسائي المصري ابلغت الجمعية العمومية فيه بما انجزن في الاتحاد النسائي الدولي. وتدارست مع المجتمعات ضرورة اتخاذ السبل الفعالة للارتقاء بأوضاع المرأة المصرية, وكتبت رسالة إلى رئيس الوزراء تبلغه فيها بأهم ما تدارسته الجمعية العمومية, كما ارسلت إليه وفدا من عدد من السيدات عضوات الاتحاد المصري لمطالبته ببدء اصلاح اوضاع المرأة بمطلبين أساسيين: اولهما فتح أبواب التعليم الثانوي والعالي المغلقة امام الفتيات. وثانيهما سن قانون يمنع زواج البنت قبل السادسة عشرة. وكان هذان المطلبان بمثابة البداية التي سرعان ما اعقبتها المطالب المتلاحقة على طريق تحرر المرأة المصرية وسفورها المادي والمعنوي في الوقت نفسه.