بقلم: حسب الله يحيى المعرفة.. بئر من الحقائق والاكتشافات, مثلما هي مخيلة عميقةيمكن أن تضفي الى شيء وإلى لاشيء أحياناً. المعرفة.. بحث في المألوف واللا مألوف.. وصولاً إلى فاعلية جديدة مجتهدة, من هنا كان الاهتمام بالسيميائيات كونها دلائل ومؤشرات و(تفكير في الدليل اللغوي) .. ذلك أن اللغة سبيلنا إلى الآخر, جسرناإليه واقترابنا منه. وكتاب: (سيميائية النص الادبي) للكاتب المغربي: أنور المرتجي, محاولة في اكتشاف الأدلة التي تلتقي في بعض جوانبها مع سوسور الذي يقسم الدلائل إلى قسمين: (الدلائل الطبيعية القائمة على علاقة سببية, والرموز القائمة على دلائل ليست سببية والمكونة أساساً من الدلائل اللغوية.. فالميزان كرمز للعدالة لايمكن أن يعوض بأي شيء آخر. إنه ليس استبداليا) في حين يذهب سوسور في تعريفه لمفهوم القيمة التي يشبهها بالعلاقة المتبادلة بين قطع الشطرنج: (فكل تغير في عنصر معين يؤدي إلى تغيير في النظام ككل قوانين اللعبة) . ويرى المرتجي أن (التصور السوسوري لمفهوم القيمة, هو تصور لا يتكىء على خلفية ديمقراطية تنتظم الدلائل, أي أن سوسور يتعامل معها كمواطنين في مجتمع داخل نظام يقوم على المساواة) . ونرى أن أي مجتمع متقدم لابد أن يقوم على نظام, وغياب النظام, غياب للمساواة والفوضى لا تحقق المساواة.ويختلف أن تكون فوضويا من ان تكون ديمقراطيا, الديمقراطية تصب في قلب النظام ومن ثم المساواة, فيما الفوضى تعمم اللاعدالة. من هنا يصح قول رولدن بارث بأن (كل وحدة بناء لا يمكن التعرف عليها الا بواسطة القيمة الخلافية وموقعها في علاقتها مع ما يحيط بها من دلائل) . وينسحب هذا المعنى على دارس النص الادبي في (تحديده للوحدات السردية الدنيا, فداخل السرد كل شيء له معنى, ولكن يجب ألا نطابق بينها وبين الاشكال التقليدية للخطاب, مثل المشاهد والحوار, ويجيب ألا نخلط بين الوظائف والوحدات اللغوية) . ـ كما يقول المؤلف ـ وهو ما ذهب اليه سوسور في ضرورة نظام قائم للدلائل. ويذهب: جاكوبسن على الضد من القائلين إلى أن (دراسة المعنى شيء لا معنى له) قائلا: (ان السبب لا يخلو من امرين: إما أنهم يفهمون ما يقولون, ففي هذه الحالة رأيهم له معنى, أو أنهم لا يفهمون ما يقولون وهنا رأيهم له معنى) . بمعنى ـ يقول انور المرتجي ـ: (إن نفي أو إثبات دراسة المعنى هو دائماً وراءه معنى حسب جاكوبسن) . وفي اعتقاد المؤلف: (ان اول من وضع مصطلح التناص, الدراسة البلغارية: جوليا كريستيفا, اعتمدت عل الارث النظري الذي تركه باختين, والذي بالرغم من عدم استخدامه لمصطلح التناص, فأن الفضل في تعريفه وتقعيده يرجع اليه.. ورجوعه الى (الذاتية المثالية) باعتبار الكلام فعل للابداع الفردي, و(النزعة الموضوعية التجريدية) التي تفضل اللغة, اللسان, الكلام.. مفهوماً شكلانيا) . نافيا ان يكون (الاسلوب هو الرجل) بل إن (الاسلوب هو على الأقل رجلين, وبالضبط الانسان وشريحته الاجتماعية) . من هنا نتبين ان كريستينا قد (استفادت من المنطق النظري لباختين, واضافت اليه حوارا مع المعرفة الحديثة.. وجاء مصطلح التناص كرد فعل على التصورات البنيوية التي تعاملت مع النص داخل سيميائيات التواصل كمجال للتبادل وذلك بالتركيز على على الوظيفة المهيمنة في الارسالية.. انطلاقا من المفهوم السوسوري وثنائية الدال: الصورة الصوتية, والمدلول/ المفهوم) . وفق هذا الوعي, نستدل على أن المؤلف يرى: (ان وظيفة الثقافة.. القيام بتنظيم العالم, فالواقع ليس سوى فوضى) وحسب إيكو (لاتوجد ثقافة إلا عندما يوجد تواصل) . إذن.. كل نص يحتاج إلى انسجام.. الى (قدرة كل متكلم داخل سياق محدد, أن يؤوله كوحدة.. والانسجام خاصية اساسية في تعريف النص) . والانسجام ـ كما نفهمه ـ هو نظام في الخطاب, وقد يختلف مع الآخر, لكنه منسجم مع طبيعة نظمه وتوجهاته.. ذلك: (أن الذات المرسلة (المؤلف) والمتلقي (القاريء) في علاقتهما بالخطاب يحضران كفواعل داخل كل ممارسة دلالية, أي باعتبارهما معاً من انتاج الخطاب الأدبي, كذلك في الوقت نفسه كمنتجين له) ويضيف المؤلف قائلا: إن النص هو الذي يتكلم, أو الأصوات الكامنة في نسيجه التي تكونه, أي أن الخطاب الادبي يشتغل بدون ضمير المتكلم.. بالرغم من انه يوهمابأنه يتشخص, انه ذات صفرية... أي سيرورة بدون ذات حسب تعبير التوسور.. فالكاتب يصير بناء على هذا التصور, موقعاً أو وظيفة بدون أبعاد سيكولوجية أو فيزيقية..) . ومثل هذا الامر لابد أن ينتهي إلى (صورة المؤلف كديكتاتور يفرض قوله والشبيه بالمشرع الذي يفرض إرادته) . والثقافة والابداع عموما.. ليس عملية إقحام أو إلزام أو إكراه.. انما هما عملية إقناع ودراية واكتشاف قائم على نظم منطقية وعلى معان محسوسة واهداف مرتجاة.. وبدون الوقائع والأدلة والرموز المستخدمة التي لاتقدم حسها المسئول وتصوراتها العميقة, تظل مجرد إيحاءات ضبابية لا نصل من خلالها إلى معنى. ووفق هذا, لايعني الغاء الابداع, كما أن الابداع نفسه ليس خلواً, أو مفرغاً من المعنى.. إنه وجد حتى نحس من خلاله على المعاني الكامنة في داخله.. حتى نتبين سيميائية/ دلالاته.. مما يثري اللغة بأبعاد ويشمل المعطى بآفاق مطلوبة.