استأثر كتاب الشاعر الفلسطيني محمود درويش الجديد (جدارية) باهتمام الشعراء والنقاد في لبنان, معتبرين انه بين (سرير الغريبة) و(الجدارية) مسافة كتابين, زمنين, لكن الجوهر ظل حاضراً ومحافظاً على محورية الكلام. والعلاقة بين الكتابية ثلاثية مكتملة, حيث الشاعر المريض لكونه عاشقاً لأرضه الصعبة المنال (عاجزا عنها),إذا غرب عنها وتغربت عنه بفعل الزمن, وتحولت نتيجة انفصال الذاكرة ـ الماضي عن الواقع ـ الحاضر, فلم يبق امام الشاعر العاجز عن ارضه, امام الغريب في سرير الدخول, سوى نقش القصيدة لوحة ابدية على جدار الذاكرة, فماذا يبقى بعد زوال الجسد غير الاسم والقصيدة؟! شاعران وناقدان لبنانيان تناولا (الجدارية) هما محمد علي شمس الدين, وصباح زوين, فكانت مع كل منهما على حدة ملاحظاته وانطباعاته. في رأي الشاعر والناقد اللبناني محمد علي شمس الدين ان قصيدة محمود درويش تكتب نفسها بنفسها وان كاتبها يشمل نفسه بأولئك المرضى الغنائيين الذين تضيق عليهم الارض, فيوسعونها بالغناء, وهم اشبه ما يكونون.. (بأجمل غريق في العالم) . يقول شمس الدين عن (الجدارية) وفيها: قصيدة محمود درويش هي قصيدة الشاعر العائد من الموت على مركبة الشعراء أو حصانه والمركبة والشعر والحصان (كلمة) من اجل ذلك اتى نسيج القصيدة. الحياة, نسيجا أو شبكة من (كلمات) . هي تقنية الشاعر وادواته وحيلته في ممارسة الحياة/ القصيدة/ الكلمات/ الإنشاد.. ضد الموت. ومن يرافق الشاعر في تهجئة القصيدة, سيبدأ معه من أول التهجئة, وهو في الوقوع على الاسم (اسمه) حيث تهديه اليه امرأة بيضاء في مستشفى. والمرأة البيضاء في المستشفى حال متلبس بين الموت والولادة.. في حين ان تسليم الاسم او تلقينه لصاحبه, هو البداية, أولى اشارات الكينونة وعلاماتها. والاسم يتشكل من حروف, كلمة (شعر), ذلك ما سيعود الشاعر في آخر القصيدة لتفصيله والإلحاح عليه. إذن تبدأ مغامرة محمود درويش الوجودية والشعرية (اللغوية) من النقطة الغبشية بين الموت والحياة, بل من طرف الموت وأول الحياة (في مستشفى) بالتسمية: (هذا هو اسمك) قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي..) وهكذا تبدأ القصيدة ـ النشيد والاسم المهدى للشاعر يسقط على البياض أو يحط في البياض الذي يتلفع به في الفضاء الابيض على السرير الابيض في الغرفة البيضاء وفي الوحدة الوحيدة البيضاء. وحضور الابيض هنا وتعداده من الحمامة الى الطفولة إلى الغمامة الى البحر فاللاشيء فسماء المطلق فالأبدية البيضاء.. هو حضور مرتبط بذاكرة الدخول في سلام الموت أو الولادة أو العدم حيث الابيض هو شارة ذلك كله. وموقف محمود درويش لحظة ذاك موقف واقف بين الموت والولادة واللاشيء. وهو موقف بين الوعي والغيبوبة.. وان كان ميلا للغيبوبة.. (فلا عدم هنا/ في اللاهنا/.. في اللازمان/ ولا وجود) . لكن اللافت في هذا الانطلاق من الغيبوبة أو ما يشبهها, أنه الانطلاق يتشبث بحسيات واولويات ملموسة: الاسم, اللون الابيض, وانطلاق الشاعر/ المبحر أو الطائر, من هذه النقطة الملتبسة يجعله شبيها ببحار في بحر لجي هائج لاحدود له وليس حوله من منارة, والبحار يتمسك بمجذاف حقيقي وحسي لكنه مقذوف في المطلق المجهول... ولعله طائر أيضا في سماء مفتوحة ولانهائية الا انه يملك ما لا يشك فيه هو جناحاه اللذان يخبط بهما في المطلق الوجودي يخبط بهما خبطا هندسيا وانشاديا موقعا وتدوير مطلق على المحسوس, المجهول على المعلوم, والعدم على الوجود, يجعل من تجريد محمود درويش تجريدا مضمرللحسية..من جهة, ومكشوفا على غموضه من جهة ثانية, ومركبا على اصل القصيدة/ الوجود, بالنسبة إليه: الكلمات وهو من ابرع اللاعبين بها, فهو يمسكها بقدرة قادر, ويفلتها كلاعب مدرب شديد التدريب, فتندفع من بين يديه اندفاعات متعددة, وتناور وتدور وتبتعد كثيرا حتى تحسب انها أفلتت من يد مطلقها, وانها تصنع بنفسها من نفسها دوائرها ومناوراتها... لنكتشف من النتيجة, ان الشاعر (كساحر) مايزال يمسك بأصابعه اطراف خيوطها, حتى تلك الخفية الرقيقة الهوائية, وأنه قادر على جذبها اليه في آخر كل نفس أو مناورة. التقنية الدرويشية في كتابة القصيدة أو النشيد هي هذه: تقنية بين القصد والآلية, بين الوعي والغيبوبة, بين إعطاء الكلمات حريتها في الحركة والمناورة والدوران, والامساك بها بعصب مدرب, وهو يكتب كليا القصيدة/ والاناشيد, واساسها أو نواتها مانسميه (البيت المقطع) ويختار, أو نختار اللعبة الشعرية فيه عادة, الكلمة الجوهرية, الكلمة النواة التي عليها وحولها منها واليها ينتظم البيت المقطع, وتنتظم القصيدة في الإنشاد.. وهذه التقنية الدرويشية المحكمة, على سعة مسرحها, ولعبها المتمادي والمتناسل من ذاته إلى أبعد الحدود, تجعل قراءة الشاعر متوقعة أو مقروءة نستطيع من أول كلمة التخمين بأكثر احتمالاتها ومساربها ومسارحها.. وحتى المفاجآت تبقى في حدود هذه الامكانيات. فإمساك محمود درويش بقوة ودربة طويلة بطرازه وإنشاده وتناسلات كلماته وارتداداتها.. تجعل منه أكثر الشعراء العرب المعاصرين, صاحب اسلوب وتقنية.. فهو على سبيل المثال, حين يختار نواة أو بؤرة أو كلمة (اعرف) للبيت المقطعي التالي, يلعب بذلك ألعابه اللطيفة والمحتملة, بين السلب والايجاب والتنويع والتفريد.. الا انه يبقى اسير فضائه. يقول: (أعرف هذه الرؤيا, وأعرف انني أمضي الى مالست اعرف/ ربما مازلت حيا في مكان ما/ واعرف ما أريد) . فالمعنى, وهو غالبا ما يكون ملتبسا لدى الشاعر, يترك نفسه متدافعا في آلية الكلمة, التي تتحرك بما يشي بأنها حرة إلا أنها في النتيجة, لا تخون او لاتستطيع ان تخون صاحبها ومطلقها (الشاعر).. فتنتظم في التباسه العظيم, وانشاده المرسوم. ومثل ذلك قوله ايضا: (كل نبض فيك يوجعني ويرجعني الى زمن خرافي) ويوجعني دمي والملح يوجعني ويوجعني الوريد) . وهكذا, فالقصيدة تظهر وكأنها تكتب نفسها بنفسها بتلقائيه, بولادات ميسرة ومنجزة ومكتملة.. ولكنها قدرة درويش الهائلة على الامساك بقوة بأعناق الكلمات وتدوير زوايا اللغة كيفما أراد.. ان قدرة درويش اللغوية قادرة لدرجة تستدعي السؤال لماذا؟ ولا احد في الشعر العربي المعاصر (حتى أدونيس), قادر على هذا التفريع والتدوير والشطح باللغة واللعب معها, بانسجام تام, بين اخذ ورفض وغمز وجناح وطباق ورمز وثورية كمحمود درويش... لا عن دراسة في قواميس اللغة, بل عن سليقة على الارجح, وتآلف موسيقي مبكر وزواج تم من الطفولة والصبا واستمر حتى الشباب واطرافه, بين الشاعر واللغة. ومن شدة امتلاك الشاعر للغة لا تشعر بانها تشاكسة, أو على الاقل تحاول المشاكسة.. فهو ليس شاعر تأتأة أولعثمة, وليس مصارعاً لقرون ثيران الكلمات, بل تحسه وكأنه صارعها.. وربما يرغب أحيانا بأن يكون صريعها الا انه لا يستطيع ذلك ليس بيده. وهذه السمة من سمات قصيدة تتجلى في كل بيت مقطعي من قصيدة) . هذه لغتي وهذا الصوت وخز دمي ولكن المؤلف آخر/ أنا لست مني إن اتيت ولم اصل/ انا لست مني ان نطقت ولم أقل) ... (لو أخضعت عاطفتي بحرف الضاد تخضعني بحرف الياء عاطفتي) . (وأنا الغريب تعبت من درب الحليب الى الحبيب) . (يضيق الشكل يتسع الكلام) . أفيض عن الحاجات مفردتي) . غبش التشابه بين بابين: الدخول أم الخروج.. ولم أجد موتا لاقتنص الحياة/ ولم أجد صوتا صوتا لأصرخ (الوقت صفر.. فلم أكن حيا ولا ميتا ولا عدم هناك ولا وجود) . (حين طار الموت بي نحو السديم.. انا الفقيد أم الوليد؟) . (جدارية) بأحرف من ذهب وترى الكاتبة والناقدة صباح زوين ان محمود درويش كتب على (جداريته) حروفا من ذهب. وتقول إن الشاعر يعرف تمام المعرفة ان الارض لاتزال تلك المريضة في سريرها وألم الشاعر في سريرته, والجدارية لوحة حفر عليها حزنه واسمه بأحرف من ذهب, لكن لا من أجل البقاء والخلود, بل من أجل ذاكرة روح هامت على وجهها في أوهام انعكاسات الامكنة الملتبسة التي يستحيل حسمها طالما ثمة (حبة قمح صغيرة) يتقاسمها هو (وأخوه العدو) انها رحلة الدرويش الدوّار الذي توصل الى مخاطبة الموت بلغة مباشرة في سدى التاريخ وسدى الحياة. ثم تقول زوين ان محمود درويش يدخل في مرحلة شاقة من تشابك المآزق, فيتداخل مرض الارض ومرض الجسد لتتطابق المواقف وتتوحد الحالة (الوقت صفر) يقول الشاعر. هل هي تلك الهنيهة التي يراها عبر هذيان الجسد الذائب ـ الزانل؟ بل هو الوقت صفر, لحظة انفصام الوقت والمكان, هنيهة التفكير في الأنا (الغربية) دائما, وغريبة سوف تظل اذا (كلما فتشت عن نفسي وجدت الآخرين) انا الأنا الوحيدة, الغاربة عن ذاتها, الفاقدة وجهها ـ صورتها والمرأة لا تعكس الوجه الضائع بل تحفر عميقا في نفس الشاعر سؤال الازمة الكبرى (هل أنا هو؟) . وكان درويش, عبر مرضه من ناحية, ومرض أرضه من ناحية اخرى, يقع في التباس الثنائيات بل الاحرى في الانقسامات, منها الذاتية التي ذكرناها آنفا وحيث لا يعود يميز, في زمن ما, بين الأنا والآخر, فيمضي إلى الابعد والاصعب حيث يزداد السؤال تكثيفا وتعقيداً, اي جنونا, ويبلغ به الظن انه الأنا والآخر في الوقت عينه, لكنه لا يكتفي فيتساءل, بل يسأل ثنائيته, يسأل ذاته, من هو الأنا ومن هو غير الأنا ليكون ذاك الآخر! ألا نعود هذا, واستمرارا الى ثنائية مكان درويش, إلى عنوان كتابه, حيث الجدارية تكون ايضا المطرح الثنائي ـ الانفصامي بامتياز؟ أليست الجدارية رمز المكان الوهمي برسومها والوانها وفي الوقت ذاته المكان الحقيقي الملموس بمادة بنائها؟ لكن في أي حال, لا يسأل محمود درويش أو يتساءل ليحسم أمره, انما ليفرق اكثر فأكثر في شرك المعضلة ذات الحدين, فتارة تكون الأنا والمكان هنا, وتارة اخرى يكون هناك, ومرة يكونان هناك, ومرة ينتمي الى الهنا ومرة أخرى ينتمي الى هناك. (لا التجسيد يرجعها من الذكرى, ولا التجريد يرفعها الى الاشراقة الكبرى..) يتوجه درويش عبر هذه الكلمات الى قصيدته ـ جداريته للتأكيد على سدى الواقع والحلم به للتذكر بلا جدوى اشياء هذا العالم. فالحاضر تجاوز عملية التجسيد التي يعمل الشاعر جاهدا من أجلها, والاشراقة العرفانية الروحية لا تأبه للتجريد, ذاك ان العمليتين تجاوزهما الزمن الذي يحول المعنى ويقلب المفاهيم رأسا على عقب. في خضم كل هذه الاباطيل والاحلام الخائبة, وامام فراغ ما مضى وما حضر, لا يبقى للشاعر سوى وهم فعله الكتابي, لا يبقى بين يديه الفارغتين الا صدى كلماته, ألهذا نراه مصرا على اقامة جدارية ما؟ ولي منها: صدى لغتي على الجدران) . بذا, يذكر العالم بأنه موجود وبأن المكان, شبهه لايزال على هذا النحو أو ذاك, في متناوله. لكنه يذكرنا ايضا, لدى افول العمر هذا بأن كلا من التجسيد والتجريد لا يكون في الواقع أكثر من صرخة تضيع في الفراغ ليرجع منها صداها وهمها فحسب. لكن كل تلك الاباطيل المكانية والزمنية والكتابية, ولكل تلك الاسئلة العالقة حول الأنا تضع الشاعر في عمق مأزق الهوية الذي لا ينفك يحاصره ويضيق عليه (لا تضعني في الثنائيات واتركني كما انا زاهدا برواية العهد القديم وصاعدا نحو السماء, هناك مملكتي, خذ التاريخ يا ابن ابي, خذ التاريخ, اصنع بالغرائز ما تريد ولي السكينة. حبة القمح الصغيرة سوف تكفينا أنا وأخي العدو) . هكذا يتساءل حول مسئولية التاريخ في صنع اناه كما يتساءل حول مدى علاقة هذا التاريخ به وتأثيره فيه, مما يجعله يرغب في التخلي عما سبق من روايات جاءت قبله, ومما يجعله يزهد ويتهكم في نهاية الأمر, من الرغبة في الزهد والسكينة ينبع كلامه المتهكم, اليائس الخفيض. من العطش الى محطة استراحة, محطة واحدة نهائية واضحة, تطلع امنيته في الاقلاع عن (الثنائيات) . مع فلول العمر والحماسة والآمال يسخر درويش من تلك الروايات التي قسمت العالم وهما وواقعا وقسمت الارض متنا وهامشا وقسمت الذاكرة اصيلة وزائفة, وقسمت الذات معقودة وغير معقولة. وفي خضم كل تلك الثنائيات القاتلة اضحى رجاء درويش الوحيد بساطة السكينة كيفما اتت (أنا الأولى, انا الاخرى, وحدي زاد وبعدي تركض الغزلان في الكلمات لا قبلي ولا بعدي) . انه القلق والسؤال الذي لاتنتهي فصوله, وبين سكينة العرفان واضطراب الخلق.. الكتابة, يرى الشاعر نفسه باستمرار وكأنه في غير ذاته, في اكثر من أناه, في فيضها عنه, من هذا الانسان, هذه الأنا المغلوب على امرها سوى ما يكون (الشاعر) صنعه وخلفه من بعده تلك الاحرف ـ القصائد الأزلية, بيد ان الكتابة تدخل بدورها في اشكال الثنائيات بوهم كل مافعله فاللاقبل واللابعد هما صورة العدم والسدى, هما اللاجدوى. من هنا رغبته في السكينة الاخيرة حيث الاقلاع عن التساؤل والركون الى اهون الاجوبة. اجوبة التلاشي والسخط الهادي) . ربما اتسعت بلاد لي, كما انا واحدا من اهل هذا البحر كف عن السؤال الصعب: من أنا؟ وأنا أنا, لاشيء آخر! هكذا يرد على نفسه لترتاح نفسه وهو ليس شيئاً آخر سواه. انه اقل مما ينبغي اعتقاده وفي غمرة هذا الزهد ليس اكثر من شبيه خاله الاصل, لذا فهو اضافي, وهمي, زاد عني كحرف الكاف في التشبية (انه الشاعر الذي يسخر من اسمه وكيانه ومكانه وزمامه, وكل شيء هو الشيء ذاته اذ لا شيء اكثر مما هو فلا أبعاد ولا آمال ولا تأويل ولارجاء: (تشرق الشمس من ذاتها) انها المفارقة الحزينة التي توصل اليها درويش. الحقيقة الابدية التي يتساءل المرء لدى استحقاقها عن جدوى الاسم وجدوى النقش والرسم والكتابة, يتساءل عن جدوى الفعل والشهرة في حين ان الامس سدى والزمن برمته سدى وكل ما يكون ليس اكثر من ظل, فالشمس وحدها من ذاتها وتبقى ذاتها بينما الانسان اسمه وفعله ظلال لما نخاله هو نفسه, لاشيء يستمر والازمنة تتعاقب وبريق الاسم المذهب لا يجدي حين الاشياء تفني والمرء معها في عدم, في خيال الخيال (فماذا سيفعل موتى باسمائهم هل يضيء الذهب ظلمتي الشاسعة, ام نشيد الاناشيد والجامعة؟ ذاك ما اسفرت عنه جدارية الثنائيات والفصام المكاني ـ الزماني, ولو أكد لنفسه الشاعر غير مرة انه لايزال هنا, في تلك الارض المنقمسة بين حلم وحقيقة الارض الهاذية, لاينفك يشعر بخلل رهيب كرسه الوقت الضائع, خلل الذات وخلل المطرح الذي انشأ في وسطه جدارية كي يتذكر انه من (هنا) في طريقة ما: (ما زلنا هنا, حتى لو انفصل الزمان عن المكان, وبكى الولد الذي ضيعته: لو نفترق. لكننا لن نلتقي ابدا. قطعة مفتوحة على جدارية محمود درويش هذا هو اسمك قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي.. أرى السماء هناك في متناول الايدي ويحملني جناح حمامة بيضاء صوب طفولة اخرى. ولم أحدم بأني كنت أحلم. كل شيء واقعي. كنت أعلم انني القي بنفسي جانبا.. وأطير سوف اكون ما سأصير في الفلك الاخير. وكل شيء أبيض, البحر المعلق فوق سقف غمامة بيضا. واللاشيء أبيض في سماء المطلق البيضاء كنت, ولم أكن. فأن وحيد في نواحي هذه الابدية البيضاء جئت قبيل ميعادي فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي (ماذا فعلت, هناك, في الدنيا؟ ولم أسمع هتاف الطيبين, ولا أنين الخاطئين, انا وحيد في البياض أنا وحيد.. لاشيء يوجعني على باب القيامة لا الزمان ولا العواطف لا احس بخفة الاشياء أو ثقل الهواجس.. لم أجد احدا لأسأل: أين (أيني) الان؟ اني مدينة الموتى, وأين أنا؟ فلا عدم هنا في اللاهنا.. في اللازمان, ولا وجود وكأنني قد مت قبل الآن.. اعرف هذه الرؤية وأعرف انني امضي الى ما لست اعرف أنني أمضي إلى ما لست أعرف. ربما مازلت حيا في مكان ما, وأعرف ما أريد.. بيروت ـ شاكر وهبي