تحتفل البرازيل هذه الأيام بعيد ميلادها الخمسمئة, وبلوغها سن الرشد, ومن المثير للانتباه انه في الوقت الذي تجمّع فيه الهنود الحمر من كافة بقاع البرازيل في مدينة بورتو سيجيرو ليقطعوا المرحلة الأخيرة من مسيرة الاحتجاج التي قاموا بها بهذه المناسبة ويصلوا إلى شواطئ مقاطعة باهايا, تلبّدت السماء بالغيوم وهطلت الأمطار بكثافة كبيرة لم تعرفها البرازيل طيلة السنوات الماضية. الهنود الحمر أرادوا الاحتجاج على الاستعمار البرتغالي الطويل وما أصابهم من ظلم واضطهاد منذ اكتشاف البرازيل على يد البرتغال, أما صاحب الامبراطورية الاعلامية جلوبو والمثقف اليساري الرئيس الحالي للبرازيل هينويك كاردوسو فقد أراد الاحتفال بسن الرشد للبرازيل بطريقة هادئة وبعيدة عن الضوضاء الاحتجاجية, وأمر تخليدا لهذا الحدث التاريخي بتشييد نصب تذكاري كبير من المعدن الثمين, في حين ان الهنود الحمر سكان أمريكا اللاتينية الأصليين منعوا من بناء مثل هذا النصب التذكاري الخاص بهم بالقرب من النصب التذكاري الأول الذي يعيد إلى الأذهان سنوات الاحتلال والقمع. لقد أراد الهنود الحمر احياء ذكرى المقاومة ضد المحتلين قبل 500 عام في بورتو سيجيرو, لكن الحواجز البوليسية وقوات الشرطة, بل وحتى أحيانا أمطار السماء الغزيرة حالت دون تحقيق هذا الهدف المتواضع والرمزي. ومما لا شك فيه ان السيد كاردوسو كان يأمل في الحصول على اجماع شعبي دون استثناء لسياساته الليبرالية, لكن جموع المحتفلين كانوا يهتفون بأصوات مختلفة عكست حقيقة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البرازيل حاليا, حيث يتوجب عليها تسديد 30 مليار دولار خلال هذا العام فقط, كفوائد عن ديون تبلغ قيمتها 240 مليار دولار. وهناك أصوات ارتفعت لادانة عدم العدالة في توزيع الدخول والرواتب أيضا, إذ ان طبقة الفقراء من الشعب البرازيلي التي تصل نسبتها إلى 40% لا تحصل إلا على 7% من مجموع تلك الرواتب, كما ان ما يزيد على 46 مليون شخص مضطرون للعيش بأقل من 40 دولاراً في الشهر الواحد لكل رب عائلة. فهل بعد كل ما تقدم يستغرب المرء عدم مشاركة الجميع (170 مليون نسمة) باحتفال بلوغ سن الرشد للبرازيل؟ لكن قد تحدث المعجزة في سن الزواج بعد 500 عام! محمد خليفة