في مطلع الصبا عندما توزع إعجاب زملائي بين الاسكندر الأكبر وبونابرت وشكسبير وأحمد شوقي وأنور وجدي وأرسين لوبين وغيرهم كنت معجبا بعاطف أفندي جارنا.. وأسأل نفسي كل ليلة هل ما في داخلي من مشاعر هو الحسد؟ وأقلق من أن أكون حسودا, فلما عرفت أن الغبطة غير الحسد ارتحت كثيرا.. ببساطة كان عاطف أفندي مثلي الأعلى في الحياة. وكان عاطف أفندي مشهورا في الحي بأنه (كمساري) قطار. واحتجت الى وقت لأعرف أنه (مفتش) قطارات فهو يصعد الى القطار ليراجع بطاقات الركاب أو (التذاكر) كما تسمى. ويتأكد من صلاحيتها, أما اذا وجد راكبا يريد (الزوغان) من الدفع, فعليه أن يأخذ منه ضعف الأجر عقابا له على ما فعل. وبالطبع لم يكن في هذا العمل ما يفتنني أو يسيطر على مشاعري. ولكن ما جعل عاطف أفندي هو مثلي الأعلى شىء آخر تماما هو أنه يسافر كل يوم الى خارج البلدة. فلقد وعيت على الحياة لأجد نفسي عاشقا للسفر.. ومن الدلائل الهامة القليلة أنني سافرت كثيرا في مرحلة الطفولة وما بعدها. نتيجة ظروف عمل الوالد, الذي كان ينتقل من مدينة الى أخرى. وعندما كبرت أخذت أتحين الفرص للسفر, ولما تولى سعد الدين وهبة الثقافة الجماهيرية جبت مصر من أقصاها الى أقصاها في ندوات أدبية وفنية. وأرجو أن تراجع السطر السابق لأنه ذكرني بقصة أحب أن أحكيها لك. فلقد كان سعد الدين وهبة يمتلك مجلة أدبية هي (الشهر) .. وكانت تتعثر في الصدور. وبعد إحدى فترات التعثر سلمني المجلة وطلب مني اصدارها, وحدد لها ميزانية لا تكفي لاصدار بعض أوراق, وكنت طموحا, فتصورت أن يكون بين كتاب المجلة عباس محمود العقاد, وذهبنا اليه, وعرضنا عليه الكتابة, وشرحنا له ظروفنا بدقة شديدة, وقلنا له اننا لانستطيع أن ندفع له إلا خمس الأجر الذي تدفعه له أية مجلة أخرى. وكان العقاد يعيش من قلمه, ولم تكن له مهنة أخرى كما كان لجميع الكتاب في زمانه. ولذلك توقعنا أن يرفض فإذا به يقبل, ويحدد لنا نظامه, فكان يذهب اليه أول كل شهر من يسلمه أجر المقال ويستلم منه المقال الثاني. وكان منتظما في ذلك انتظام الساعة الى شهور طويلة, لم نر فيها العقاد, ولم نسمع عنه شيئا. إلى ذات يوم كنا في المطبعة وكان في بدروم بناية في المنيرة الى جوار مبنى روزاليوسف القديم, وكان الحي صحفيا فكانت فيه جريدة البلاغ والصباح والقاهرة وغيرها. وكان باب المطبعة كبيرا. التفتنا لنرى عملاقا يدخل الينا. وكان العملاق هو العقاد بعصاه الشهيرة, ويلف (كوفية) حول رقبته. وكنا متأكدين أن العقاد لم يأت لخير أبدا, ولذلك انكمشت وهو يتقدم إليّ, ولحسن الحظ لم يتذكرني وسألني: * هل أنت الذي تراجع هذه المجلة؟ ـ ونفيت ذلك نفيا قاطعا, بل كدت أقسم الايمان المغلظة أنني لا أقوم بهذا العمل. وأشرنا الى (زوربا) ولم يكن هذا هو اسمه بل لم يكن قد أطلقناه عليه بعد. وهو الأستاذ عامر الذي كان يصحح نصف مجلات البلد.. وكانت لديه قدرة عبقرية على التحكم في كم الأخطاء وحسب الأجر الذي يأخذه. ومال عليه العقاد وسأله هل هو الذي يراجع المجلة.. وتهلل عامر وهو يرحب به مجيبا إياه بالاجابة.. وقاطعه العقاد مشيرا الى الطاولة التي يجلس اليها عامر: * أليس هذا أقصى الطاولة؟ ـ وأجابه عامر بالايجاب. فأشار الى الناحية الأخرى: * وهذه أليس أيضا أقصى الطاولة؟ ـ فأمن عامر على حديثه. فقال العقاد: * إذن أستطيع أن أقول من أقصى الطاولة الى أقصاها. ـ وأجاب عامر بالايجاب مبتسما غير منتبه للعصا التي ارتفعت لتهوي عليه والعقاد يصيح فيه: * فلماذا لا أستطيع أن أكتب الدنيا من أقصاها الى أقصاها! فلقد جن الأستاذ عامر واعتقد أنه سهو من العقاد ومنذ هذا اليوم وهذا التعبير يذكرنا بعصا العقاد التي انهالت على الأستاذ عامر, ولولا خفة حركته وسرعة قدميه لما نجا من الضرب الشديد. ولذلك عندما قلت انني جبت البلاد من أقصاها الى أقصاها في الثقافة الجماهيرية وغيرها تذكرت القصة. وبعد ذلك سافرت الى الدنيا غربا وشرقا, واستمتعت بالسفر واكتشفت أنني سائح مختلف تماما عن بقية أنواع السياح. فأنا لا أجمع معلومات عن البلد بالدرجة الأولى, ولا أموت كمدا إذا لم أزر هذا المكان أو ذاك, أنا (أعيش) : أي بلد أذهب اليه. قد استغرق في تأمل الناس أو الشارع أو المباني أو المكتبات. أتبع هواي فقط. وأعتبر أن الطائرة ـ على كراهيتي ركوب الطائرات ـ هي المنقذ من سأم الحياة ومشاكلها. وبعد سعار السفر لأكثر من ربع قرن انتقلت الى النقيض تماما. أصبح السفر بالنسبة لي هما شديدا. ولم يصبح مثلي الأعلى عاطف أفندي مفتش القطار. بل أصبح نجيب محفوظ الذي لم يسافر خارج البلاد إلا مرة واحدة عندما سافر الى اليمن. ويبدو أن هذا كان تكليفا من القيادة السياسية. وربما كان هذا هو السبب في امتعاض نجيب محفوظ من أشياء في الفترة الناصرية. وليس معروفا أن نجيب محفوظ سافر داخل البلاد إلا الى الاسكندرية التي يسافر اليها كل حين بانتظام شديد. وكتب ذلك وعن ذلك مرات, ومما كتب روايته الشهيرة (السمان والخريف) . وسبب انتقالي من النقيض الى النقيض هو أنني فجأة وجدت نفسي لأكثر من ثلاثة أشهر بين الطائرات والمطارات والفنادق. سألني صديقي كيف حالك فقلت له: كأنني كنت سائرا في أمان الله فاصطدم بي قطار من الوزن الثقيل! وأنا من الذين يحبون أن يأملوا ما يحدث, لكن هذه الفترة لم تجعلني أملك الوقت لشىء من هذا. وأنا من الذين لايستطيعون عمل شيئين في يوم واحد. لكنني كنت مضطرا لعمل أشياء كثيرة في يوم واحد, مما أفقد هذه الأشياء مذاقها. ومقابل الأشياء الكثيرة التي حاصرتني, اضطريت للتخلى عن أشياء كثيرة. ومن هذه الأشياء (استراحة البيان) .. وما كنت أظن أنني سأحس بالشوق اليها, إذ لم أجد أبدا سببا لأن أكتب هذه الاستراحة! أصار حكم القول أنني أعتقد أن المقالة فن صحفي لا يجيده إلا قلة. ولأنني قارىء مزاجي وأقرأ ما أحب قراءته فأنا ألتهم بعض المقالات, وأعجز تماما عن قراءة بعض المقالات حتى لو كان كتابها من الكبار جدا. ولم أصدق أبدا أنني أنتمي الى هؤلاء القلة الذين يمتعون القارىء بما يكتبون. وكنت أبرر طلب (الاستراحة) مرة بأريحية أهل (البيان) ومرة بأنهم تورطوا في تكليفي وأصبح من الصعب تراجعهم. وأحيانا أتخيل أن أحدهم يقول لي لا داعي لما تكتب, فيستريحون وأستريح. وابتعدت برغبتي فترة طويلة, فأخذت أحس بالحنين الى الاستراحة. وواجهت نفسي بغضب: هل أدمنت هذا المقال؟ كيف وأنت لست كاتب مقال؟! وتذكرت عندما أبطلت التدخين, وحنيني له لفترة, وقلت لنفسي ان الادمان هنا متشابه, وانني بعد فترة سأنسى تماما مذاق التدخين.. أقصد مذاق المقالة. ومن الطريف أنني أبدأ يومي دائما بمطالعة الصحف, وأبدأ قراءة الصحف بـ (البيان) وأبدأ (البيان) بالاستراحة وكأنني أتوقع نفسي (كاتبا) .. وبالطبع لا أجدني. فأقرأ ما كتبه الزملاء, ويذكرني هذا بموضوع أردت الكتابة فيه.. وأحيانا أقول الحمد لله أنني لا أكتب, فأنا لا أستطيع أن أجاري هؤلاء الزملاء. ولكن دائما أحس بالحنين. وفي هذه الفترة الجميلة الحالكة ـ ولا تندهش للتناقض ـ قررت هيئة التليفونات حياها الله أن تغير أرقام تليفوناتي. وعدت من الأراضي الحجازية عقبالكم لأجد أن تليفوناتي ترسل ولا تستقبل. وللحقيقة أحسست بالسعادة لفترة. فلم أكن أنام لأسابيع من رنين التليفون. ولكن بعد فترة أحسست بالقلق. ووجدت تليفونا من الأستاذ جلال عارف الصحفي المعروف ومدير مكتب جريدة (البيان) في القاهرة يسألني لماذا لا أكتب (الاستراحة) ولدهشتي وجدت نفسي متلهفا على العودة, كنت فعلا أريد العودة, لكنني ربما أحسست بالخجل. وحملت الأسفار مسئولية تعطلي كل تلك الفترة. وحددت للأستاذ جلال عارف موعدا. وها أنا ملتزم بالموعد, وأحاول أن أنتهي من هذا المقال والبيت كله يصيح عليّ, فلقد كادت تفوتني الطائرة, سفرية جديدة. ورحم الله عاطف أفندي الذي سافر طول حياته, وكان مثلي الأعلى في طفولتي!