بقلم ـ د. مشهور فواز: الشاعر محمد عفيفي مطر, واحد من الشعراء العرب القلائل, الذين تخيروا أن تكون تجربتهم وطريقهم, خروجاً على السائد, بكل مفرداته, ولعل ذلك أحد أهم الاسباب التي جعلت الاغتراب يمثل محورا هاما, من محاور تجربته الشعرية, ليس بالمفهوم الرومانسي للاغتراب, وانما بما تستدعيه المغايرة والخروج من نتائج على صعيد الشاعر وتجربته الشعرية من جهة, وعلى صعيد البيئة التي يعيش الشاعر فيها من جهة ثانية, والاخطر من ذلك, على صعيد الانتاج الشعري, فهو ـ في جوهره ـ بعض رؤى الشاعر, ومعاناته. لقد ولد هذا الواقع لدى عفيفي مطر احساسا بالحصار, ورغبة في النجاة من اسر الاحساس بالسجن, فلاذ بالحلم, يوفر له القدرة على احتمال الواقع, ومفارقته في آن, فالحلم ابن المخيلة الآنية, بكل ثقافتها, وهو ـ أيضا ـ ابن مغادرة الواقع, فالحلم انتماء لعالم الغد, أو انتساب للداخل, للاحتماء به من الخارج وضيقه, ولذلك نجد عفيفي مطر, يخاطب نفسه في أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت) قائلا: اصدعْ بما تحلم, الوقتُ أوسعه مَرَّ أضيقه مرَّ, أنت تخطيَّتها, أربعون من العمر ولت, بالد تولتْ, فليتك تملى ولاءك للحلم, هذا تجلِّى ولادتك الجامحة. الشاعر هنا في حصار واقعين سجنين: سجن العمر/ الوقت, وسجن البلاد: سجن العمر ولى, فقد اكتشف الشاعر أنه جاوز الاربعين, فسقط في شرك الوقت, الذي تحول الى سجن يعيشه, والبلاد أيضا تولت, البلاد التي يريد, أو التي يعهد والشاعر في مواجهة هذين الضيقين, يلوذ الى الداخل/ الحلم, فهو ملاذه في مواجهة سجنه, والشاعر يعرف أن الحلم نوع من مغادرة الخارج, واللجوء إلى الداخل, ولذلك يقاوم الاستسلام للحلم, ولكنه يخاطب نفسه آمراً: (اصدع بما تحلم) , ثم يواجه بنفسه مبررات الحلم, أو يواجه واقعه المحاصر, بل إنه يرى في ولائه للحلم نوعاً من الولادة الجديدة: (هذا تجلى ولادتك الجامحة) . وللانعتاق من حصار الواقع وضيقه, يلجأ عفيفي مطر إلى الارض (ليست واقعه الذي يفر منه) محتمياً بانتمائه إليها, لعل هذا الانتماء يخلصه من قيده, يقول في (كتاب الارض والدم) : أيها النهرُ الذي كنت أراه حينما أنعس أو أصحو, وفي لحظة ضحكي وبكائي, أيها النهر الصديق, كنت أطويك عميقاً ودفيناً في دمي كنتُ أناديك إذا كنتُ سجيناً فأرى بوابة العالم تفتح, وأناجيك إذا كنت حزيناً, فأرى الطينة تفرح, كنت ما بيني وبين العالم الرحب جسوراً وقناطر ورغيفاً يجمع الارض على ليلة حب وتخاصر. لا يمثل النهر فقط, مجرد ملاذ للشاعر يهرب به من ضيق واقعه, كما يصرح الشاعر في المقطع, وانما يصبح وسيلة الشاعر للتغلب على واقعه المحاصر, والنهر في المقطع هو الحلم الذي عن طريقه يتحول واقع الشاعر الضيق إلى النقيض, فبوابة العالم المغلقة تفتح, وحزنه يتبدل فرحاً, بل إن النهر/ الحلم هو الجسر بين الشاعر والعالم الرحب, أو لنقل بين الشاعر ومدينته الفاضلة, التي يقوم فيها النهر بدور الرغيف الذي تتجمع حوله الأرض في حب. ولكن النهر/ الحلم الذي (كان) يحقق للشاعر كل ذلك, لم يعد قادراً على الاستمرار في نفس الدور, بل إنه يسهم في إبقاء الشاعر في ظلمة الواقع: لكنك لم تنطق, وأبقيت دمي في ظلمة السجن رهينة أيها النهر الخئون أنا بين الرمح والحائط منصوب مقيد جائع منك إلى كسرة خبز وأمومة ظامىء منك إلى وجهك إذ ينشع في قلبي جسارة يفقد النهر/ الحلم القدرة التي كان يتمتع بها, لدى الشاعر على الأقل, بل ويتحول الى الوجهة المغايرة, فيضيف إلى مفردات الحصار بعدا إضافيا, فيستحق بذلك أن ينعته الشاعر بـ (النهر الخئون) فقد أصبح الشاعر بالنهر/ الحلم مقيدا وجهه للحائط, وظهره للرمح, وهو جائع وظامىء, ليفقد الشاعر بذلك نصيراً قويا, بل يفقد سلاحه الفاعل في مواجهة السجن/ الواقع. ولكن عفيفي مطر لايملك إلا أن يبقى على الحلم كخيار للبقاء, فهو يعيب أن يفقد الشعب العربي القدرة على الحلم, يقول: ها هو شعب أغلقت دونه مرحمة الحلم له الدمعُ العريقُ والكتب الصفر له رائحة الصمغِ واحتماء الوشمِ بالنسخى والكوفي ومن تحت جلده تندلع المخطوطات وروائح الزنجار الاخضر وشجر الاقلام لايمكن تخيل وجود شخص فاعل, ولا شعب ايجابي دون وجود حلم يدفعه الى الحركة والفعل, ويفجر طاقاته في اتجاه الغد, واذا فقد الشعب (رحمة الحلم) اصبح بلا واقع, وبلا مستقبل أيضا, وهذا ما يطرحه الخطاب الشعري في المقطع السابق. وتنعكس تجربة النص على أدواته, فنرى تناغماً بين الدال والمدلول, فإذا كان الشعب يعيش في الماضي, فإن مرجعية اللغة ـ كدال ـ تتفق مع الماضي, فيزدحم المقطع بمفردات تراثية, بل نجد أن هناك بعض المفردات التي تحتاج معرفتها الى العودة الى المعاجم, كالزنجار (صدأ النحاس). كما أن الصورة الشعرية في المقطع تعتمد على هذه التقنية: تقنية احياء المفردات التراثية, والصاقها بالواقع, لإحداث نوع من المفارقة التصويرية الحية ما بين صورة الزمن الحالي, وبين صورة الانسان العربي فيه, وهو محاط بالدمع, والكتب الصفراء والصمغ. ونستطيع القول إن أهم ما يميز عفيفي مطر, هو لغته الشعرية التي تجعله صاحب صوت شعري متفرد, ولغة مطر الشعرية تتميز بالكثافة الشديدة, وهو شاعر مولع بالصورة الشعرية, ويتجه كثيرا الى توليدها, وهي عنده تتميز بالتركيب, الأمر الذي يحتاج عبئا اضافيا أثناء القراءة, لكنه لايحول دون تحقيق المتعة في التعامل معها, هذا التعامل الذي يكشف الجديد في كل محاولة, لتصبح التجربة الشعرية ذات عطاء متجدد وثري يزداد بثقافة القارىء وبمعرفته برموز عفيفي مطر, التي يستقيها من التراث الانساني, على اختلاف وجهاته ومن الفلكلور بثرائه وعمقه وخصوصيته. يقول عفيفي مطر في (رباعية الفرح) : هذا أنا... أبدأ رسم الطقوس دمي على جبهتي, عيناي رمح مغمس في الشموس وفي ضلوعي جعبة للسهام والأرض من تحتي حصان شموس والبرق خبز شعائري, والأفق طير الغمام وسكتي حلم طائف بالرؤوس فابدأ معي ـ يا أيها الشعب ـ رسم الطقوس.. يبدأ هذا المقطع بالفعل (أبدأ رسم الطقوس) وتبدو جملة (رسم الطقوس) ذات دلالات غامضة, وينتظر القارىء ان يجد في الجمل الشعرية التالية, ما يكشف هذه الدلالات ولكن الشاعر يكتفي بالفعل السابق, وتتراكم الصور الشعرية التالية في المقطع لتكشف ملامح (الأنا) الذي يبدأ رسم الطقوس, دون عناية بالطقوس ذاتها. تتراكم الصور لنتبين ملامح الأنا, فنجد: (دمي على جبهتي) وإذا كانت الجبهة هي مقدمة الوجه, ومنها تتم قراءة ملامح صاحبها, واذا كان الدم له ظلال الثورة والحياة فإن الصورة الشعرية تكشف في الشاعر ملامح الثورية والحياة معا. ثم تأتي الصورة الشعرية التالية (عيناي رمح مغمس في الشمس) لتكشف ملامح جديدة في شخصية الشاعر, فالشاعر يتطلع إلى الضياء والقوة والسيطرة, إلى آخر ما يمكن أن تشي به الشموس من دلالات, ولذلك نجد عيني الشاعر رمحاً مغمساً في الشمس, واذا كانت الشموس تشي بالمعاني السابقة فإن الصورة مركبة, وحتى يتم فك تركيباتها تلك, لابد من محاولة التعرف على دلالات الرمح المغمس, الذي اصبح معادلاً للعينين فنتبين من خلال الصورة قدرة العينين على الرؤية/ الاختراق, وهي رؤية تتم باسم الشموس التي تعرفنا على بعض دلالاتها سابقا. وتمضي الصورة الشعرية في التركيب والتشابك, حيث نجد الشاعر يحمل في ضلوعه جعبة للسهام, هذه الصورة التي تبين امتلاك الشاعر لأسلحة الحرب, وهي أسلحة تنبع من داخل الشاعر/ ضلوعه, الامر الذي يبين ايمان الشاعر بها, وانطلاقها من الداخل, ويمضي عفيفي في تركيب الصورة, لتتحول فيها الارض إلى (حصان شموس) يمتطية الشاعر. وتتشعب اتجاهات الصورة الشعرية, وتتشابك دلالاتها, وتتعدد مصادرها, فتختلط فيها المرجعية السريالية, بالمرجعية التراثية, بأبعاد الحلم, بملامح الطبيعة فيتحول البرق في الصورة إلى (خبز شعائر) والافق إلى (طير الغمام) , وتتحول سكة الشاعر إلى (حلم طائف بالرؤوس) لتكشف الصورة الشعرية, عن بروز الأنا الشاعرة لدى عفيفي, هذا البروز الذي تتحول معه سكة الشاعر إلى حلم يطوف بالرؤوس, ولكن الرؤوس لا تملك الجرأة, أو القدرة على التصريح بالحلم, أو السعي اليه. وهنا ينطلق الشاعر إلى الفعل الثاني, الذي يختتم به المقطع, وهو فعل أمر يتجه من الشاعر إلى الشعب, أن يبدأ معه (رسم الطقوس) . ما بين الفعل الذي يصدر عن الشاعر, والذي يرد بصيغة الماضي, بما يؤكد حدوثه, والمتمثل في ابتداء الشاعر لرسم الطقوس, وبين فعل الأمر (التحريضي) الذي يتجه إلى الشعب, تتكون سمات الصورة الشعرية المركبة التي يقدمها الشاعر, والتي يكشف بها, ببراعة ان طريق الشاعر ليس منفصلا عن طريق الجماعة, وانما هو حلمهم, وكأن الصورة الشعرية بين الفعلين, تقدم مبرراً للفعل, كما ـ في الوقت نفسه ـ وبعمق شديد, تشي ببعض ملامح رسم الطقوس التي لم يصرح بها لاشعر, فلنا أن نستنبط أنها سمات الشاعر التي قدمها المقطع, وأن مفردات الدم والرمح والشموس والضلوع والارض والحصان والبرق والخبز والأفق والطير والحلم بعض سمات الطقوس, إن لم تكن هي. وهكذا ينجح الشاعر في تقديم لغة شعرية تتميز بالكثافة والتعقيد, دون أن تفقد ارتباطها بالواقع, الذي قرر الشاعر الافلات منه بالحلم, دون أن يقرر الهروب منه, فالأرض حصانه إلى الحلم, والشعب رفيقه في الحلم, الحلم الذي يتكون من نسغ الواقع, وعمق الحلم, وبراعة التشكيل, التشكيل الذي يجعل النص, لا يمنح نفسه للمتلقي من المرة الاولى, وأن يبقى دائما قادراً على تعدد الدلالة, بتعدد القراءة.