تتكون مجموعة (ضفة النهر الثالثة) من أربع عشرة قصة قصيرة لكتاب مختلفين من أمريكا اللاتينية, قام بترجمتها عبد الواحد محمد, وصدرت عن المجمع الثقافي بأبو ظبي العام الفائت. عزفت ثلاث قصص منها ثلاث تنويعات على لحن الموت. بدا ذلك, أولا, في (العناوين) تارة بشكل مباشر يعكس هما عاما (قصة (الموت) للبورتوريكو رينيه ماركيز), أو ينصرف إلى حالة خاصة (قصة (الرجل الميت) للباراجوائي هوراسيو كيروجا), وتارة أخرى بشكل غير مباشر حين اختفى لفظ الموت أو اشتقاقه, وحل محله عنوان غريب (قصة (ضفة النهر الثالثة) للبرازيلي جو أوجويماريس روزا). كما برزت التنويعات في بناء هذه القصة, ففي الوقت الذي اصطبغت فيه قصتان باللون (الواقعي) (قصتا: (الموت) , و(الرجل الميت) ) جنحت الثالثة إلى عالم الرمز. بطبيعة الحال, قد تتباين تلك الإيقاعات تبعا لطبيعة رؤى الكتاب وحجم موهبتهم ونوع التجارب التي عركوها, والحياة التي انصهروا في بوتقتها ولعب (الموت) دورا رئيسيا فيها! قصة (الموت) لجأ الكاتب البورتوريكي رينيه ماركيز إلى معالجة واقعية مباشرة, ليطرح من خلالها رؤيته الخاصة بقضية الموت. بناء القصة يتكون من رحلتين متنافرتين تتوحدان معا في النهاية: الأولى (خاصة) يخرج فيها بطل القصة من بيته في يوم أحد في أعقاب ليلة سكر, والثانية (عامة) يشارك فيها مجموعة من الشباب الثائر ضد قوات المحتل المسلحة. نحن, هنا, أمام رحلتين (متقابلتين): رحلة فرد ورحلة مجموعة شباب. الفرد مسكون بالموت, بعد أن اكتشف نفسه بلا روح, والجماعة يربطهم هدف نبيل (كانت العيون تنطوي على الإصرار والإرادة وإنكار الذات بالكامل) . رحلة الفرد هي رحلة هروب من بيته وحبيبته, لا مباليا, رافضا أن يشارك في أي (فعل), (لأن الفعل كان يفزعه. وكان كل فعل محسوب يعني خطوة أخرى نحو الموت) , بينما رحلة الجماعة هي (فعل) مواجهة مع المحتل, لأنهم يريدون القيام بمسيرة في المدينة. هو أعزل يعيش خواء عالمه الداخلي ورعبه المقيم من الموت, بينما هم أيضا (بإرادتهم) عزل أمام قوة غاشمة من رجال الشرطة مدججة بأحدث الأسلحة. موقف الشباب أثار دهشته واستنفر فضوله وأصبح محور تحول في تفكيره, لأنه (كان من الواضح أن جماعة ستقتل وأخرى ستموت) وانظر إلى مشاعره وهو يتأرجح بين الرغبة في الفعل والركون إلى اللامبالاة (ليته يستطيع أن يتخذ قرارا. لكنه سرعان ما اصطدم بفكرة الموت وغدا صريع الضعف) , وحين بدأ (موت) الشباب برصاص الشرطة, تفجرت فيه مصادر الإلهام, حينئذ بدأ أن (إنقاذ الروح بلا معنى.. الأهم إنقاذ الوجود) لأن (الخوف الأصلي من الموت موجود دائما والموت محتم) وأن المهم هو (القبول بهذه الحتمية, لأن القبول بهذه الحتمية سيلغي المقاومة ويؤدي إلى تحقيق الحرية الفعل, حرية الوجود بصورة كاملة) . عندئذ حدث له التحول فتقدم نحو حامل الراية الذي قتلوه, وحمل الراية ) , وأطلق عليه الجنود الرصاص وأصابوه:(هل يمكن أن يكون هذا هو الموت؟ لكن لم يتح له الوقت كي يتأكد) بطبيعة الحال, نحن هنا إزاء معالجة (فكرية), اتخذت صبغة (واقعية), لتعكس رؤية (معدة سلفا) أرادها الكاتب تحفز إلى فعل إيجابي يحقق حرية الاختيار, من ثم حرية الوجود, ويعطي معنى للموت, بدلا من الانزواء إلى الداخل والهروب المستمر, خوفا من موت قادم (محتم). (الرجل الميت) كان (الموت) مؤثرا فاجعا في (حياة) هوارسيوكيروجا (1878-1937) بدءا بموت الأب وعمره سنتان, ومرورا بانتحار زوج الأم الذي أحبه الطفل كثيرا, ثم مصرع أحد أصدقائه على يديه نتيجة خطأ غير مقصود, وانتهاء بانتحار زوجته الصغيرة, فكان حتما أن ينعكس ذلك على إبداعه, ومنه قصة (الرجل الميت), والتي تدور حول تجربة موت الأب (الفعلية), التي أوردها المترجم صالح علماني في مقدمة (قصص الحب والجنون والموت) . يتبدى في المعالجة القصصية دور الفنان في الحفاظ على جوهر تجربة الموت, بتركيز كامل أضواء السرد على تلك, والتي تجلت في عدد من النقاط: (أولا) التلازم بين ثنائية الرجل وسلاحه. في الواقع كان الأب (يحمل بندقية صيد) . في القصة ظهر الرجل ومنجله, أداة عمله التي يستخدم في تنظيف الموز من الأعشاب البرية, وأنظر إلى توفيق كيروجا في اختيار (المنجل) لما يحيط به من ظلال قاتمة, بحكم كونه سلاح رسول الموت في الحكايات الشعبية (ثانيا) جاء الموت في لحظة (انتقال) بين مهمة منجزة ومهمة أخرى. في القصة كان الرجل قد انتهى من تنظيف خمسة صفوف من أجمسة الموز وبقي أمامه صفان, ففكر أن يرتاح قليلا, فكانت فترة الراحة لحظة انتقال فارقة بين الحياة والموت. (ثالثا) فعل الموت.. في الواقع اصطدمت البندقية بالمرسى, وهو فعل عبثي تحكمه الصدفة العمياء. في القصة انزلق على قشرة موز, وهو فعل سببي مبرر, وسط تتابع منطقي. في الواقع, أيضا, انطلقت رصاصة اخترقت رأس الأب. في القصة, انزلق المنجل, انتقلت من يده, ليسقط والمنجل مغروس في جسده. ويبقى أن ما ترسخ في وجدان هوراسيوكيروجا وبقي في ذاكرته, من تجربة موت الأب, هي أصداء (تجربة الموت) ذاتها, دون أن ترتبط بشخص الأب نفسه. ضفة النهر الثالثة إذا نظرنا إلى المفردات التي يتكون منها العنوان, فسنجد أنها (ضفة) أي ملاذ, ملجأ, ومرفأ الوصول,(النهر) هو رمز الحياة في انسيابها وتدفقها ثم ذوبانها في اللانهاية, و(الثالثة) هو رقم يشير إلى اكتمال العمل, وتمام الإنجاز, للمرحة الإلهية الأخيرة. فإذا كان لنهر (الحياة) ضفتان متعادلتان (زمن جريانها), فإن هناك ضفة ثالثة تعترض هذا المسار (الموت). كما يؤطر هذا (العنوان) أسلوب (بناء) القصة, فإذا كان (صورة خيالية) فالأرجح أن يكون بناء القصة (رمزيا). تحكي القصة بواسطة الابن, وتستمر سنوات طويلة حتى يشيخ, وتدور حول الأب, الذي طلب يوما أن يصنع له زورق (ضرب من المهد, يتيح السفر على سطح الماء, وييسر الانتقال من مكان إلى مكان آخر, وهو كرحم الأم أو حصنها يضمن الأمان عند عبور محفوف بالمخاطر, لكنه قد يرمز أيضا إلى اللحد, ويشير إلى سفر الأموات, كما في الزوارق الشمسية عند قدماء المصريين, التي تحمل الموتى وترافق الشمس في رحلتها. حين استلم الزورق, لم يأخذ معه زادا, لكنه ودعهم وانزلق إلى زورقه فوق الماء. لقد دان الأمر للابن في النهاية, وفهم أن أباه قد مات منذ زمن, وأن رغبته (في عودته) إن هي إلا استعجال للموت, فطلب الغفران. لكن بقيت هناك أمنية تؤرقه (عندما يأتي الموت, أريد منهم أن يأخذوني ويضعوني في زورق صغير في ذلك الماء السرمدي بين ضفتين طويلتين.. هناك في النهر.. أضيع..) لقد رضخ الابن أخيرا, وتقبل الموت القادم, في زورق (لحد) مماثل, ليرحل عبر ماء النهر مغتسلا, متطهرا من أدران الحياة الدنيا, ماضيا إلى حياة أخرى!