معجب أنا بأهل المشرق العربي الشام والعراق عندما يستخدمون تعبير (في الزمانات) .. ويقصدون به الأيام الماضية الخوالي حيث البال رايق والهموم بعيدة.. أو حيث الدنيا.. دنيا كما يقول المصريون. وهذا التعريف يكاد ينطبق تماما على زمانات اذاعة صوت العرب، وهي زمانات تعود الى نحو أربعة عقود هي الأخيرة من عمر القرن العشرين.. في تلك الزمانات كان زميلنا ابراهيم مصباح إذاعيا مقتدرا وكان يكتب برنامجا شهيرا في تلك الأيام - الزمانات حتى لا ننسى - اسمه (خبز للجميع) , خمس دقائق يومية تدور حول محور العدل الاجتماعي والكفاية وإنصاف المستضعفين على نحو ما كان يدعو إليه أيامها أبو خالد - جمال عبدالناصر. ولكنني أحدثك اليوم عن النزعة الأدبية التي كانت تدفع زميلنا ابراهيم مصباح الى معالجة القصة القصيرة وكانت في تلك الأيام أيضا لونا جديدا وجميلا من فن الابداع الحكائي الرفيع.. كيف لا وقد مهد أرضيتها مبدعون وموهوبون كبار كان على رأسهم محمود البدري ويوسف جوهر وأمين يوسف غراب ثم العبقري الخطير المسمى بيوسف إدريس. وكان ابراهيم مصباح اسكندرانيا وفد على العاصمة من ثغر البحر المتوسط دون أن يفارقه ذلك العشق الشغوف بالاسكندرية الى حد التعصب في بعض الأحيان وهو عشق تحول في الأعمال الفنية الى ابداع عذب يعطي للاسكندرية حقها وزيادة على نحو ما يتجلى مثلا في أعمال إدوارد الخراط (ترابها زعفران) وابراهيم عبدالحميد (لا أحد ينام في الاسكندرية).. ومن خلال زميلنا مصباح تعرفت على أدباء سكندريين استوطنوا القاهرة ومارسوا فيها ابداعهم إذ كانوا وكنا في ميعة صبا وكان الوطن المصري العربي أيامها في شرخ نهضة متوثبة بكل مقياس ومن هؤلاء الأدباء صديقنا الراحل صالح مرسي الذي افتتن إبداعا في أدب البحر (زقاق السيد البلطي مثلا) ثم اكتملت له أدواته الفنية نضجا واستواء ووعيا فكانت رائعته التي مازال أريجها فواحا في الوجدان العربي بعنوان (رأفت الهجان) . يرجع مرجوعنا الى ابراهيم مصباح.. لا أدري لم أذكر ولا أنسى قصة متواضعة نشرها يوما في مجلة الاذاعة المصرية وكان النشر في أي مطبوعة سيارة فتحا مبينا لشباب تلك الأيام والقصة بعنوان (الممثل) وقد استوحاها مصباح ولا شك من الأجواء التي كنا نعيشها كاذاعيين, أجواء المؤلفين والمعدين والممثلين والمخرجين ومن لف لفهم. ورغم توالي السنوات على نشر القصة فمازلت أشعر نحوها ونحو بطلها بتعاطف شديد.. والبطل هو الممثل النكرة - نعم النكرة من التنكير والتجهيل بعكس التعريف والتحديد - ولا أدري أمازالت أجهزة الاذاعة والتلفاز في مصر تستخدم هذا المصطلح للدلالة على الممثل الثانوي أو الممثل غير الناطق وتلك نوعية من الفنانين الذين كانوا يمضون أيامهم في زوايا وعلى نواصي شارعي الشريفين وعلوي المقر الكلاسيكي العتيد للاذاعة المصرية في عزها وقبل أن يدهمها التلفزيون المعجباني مع منتصف الستينيات. كانوا قوما بسطاء وفقراء ولكن كان من بينهم مواهب مسّها طائف الفن فاحترفوا التمثيل وقصاراهم أدوار صغيرة, أي أدوار تسمع فيها أصواتهم عبر ميكرفون الاذاعة بكل هيلمانه أيامها ناهيك أن تذاع اسماؤهم تحت عنوان.. واشترك في التمثيل فلان وفلان وفلانة.. الخ.. ولأن الاذاعة المصرية كانت حريصة على تكافؤ الفرص (ألم أقل انه كان عصرا يحمل شعار (خبز للجميع) ) فقد كان الممثل العادي.. صاحب الدور البطولي أو شبه البطولي في العمل الاذاعي يخضع لدورة تجعله لايعمل مع المخرج سوى مرة واحدة كل أربع تمثيليات كي يتاح لغيره سبل العمل منعا للاحتكار ودرءا لشبهات الترتيبات التحتية من شللية أو رشوة أو ضغوط أو ابتزاز.. أما الفئة الوحيدة التي كانت مستثناة من حكاية الدورة فهي فئة النكرات.. تستطيع أن تستخدم أيا منهم في أي وقت وبغير قواعد ولا عجب فمنهم من كان يسند اليه دور التصفيق وخلق الجو المطلوب في القهوة البلدي.. ومنهم من كان يشارك مع رفاقه النكرات في تشخيص أجواء المظاهرات في البرامج الوطنية أو المعارك الحربية الله أكبر.. خذها يا عدو الله.. أين سيفك ياعكرمة.. الخ, بل كان منهم والشهادة لله من يجيد تقليد صوت الرضيع لحظة الولادة أو مواء القطة أو الحديث برطانة الأروام الخواجات كما يعرفهم المصريون.. ناهيك عن صهيل الجياد. ولأن رمضان شهر فضيل واسع الكرم, ولأن رمضان أيضا هو موسم البرامج والتمثيليات الدينية التي تحتاج الى أكثر من عكرمة يخوض معركة من خلف جبل أُحُد, والى أكثر من معد يكرب يصيح وسط حلبة الجنود وصهيل الخيول والخبط والرقع من الدروع (وكلها مسجلة على اسطوانات) هاتفا خذها ياعدو الله.. فقد كان رمضان هو أكبر موسم لتشغيل ممثلي النكرات يخرجون من استوديو ليدخلوا آخر وقد علت بهم الهمة الفنية القعساء وتوقعوا أن تزيد غلة المكافأة الى خانة العشرات والمئات.. ورمضان كريم (كان الدور لكل منهم بخمسين قرشا يابلاش وكم تحادثت الركبان أيامها أن واحدا من أعلام النكرات جمع في أحد الرمضانات ما يزيد على ثلاثمئة جنيه.. وليس لك أن تستهين بالمبلغ فقد كان يساوي أيامها مرتب 12 مذيعا ومخرجا يشار لهم بكل بنان). نشر ابراهيم مصباح قصته (الممثل) وتدور حول فنان من هؤلاء البسطاء.. هو يعلم كم ان دوره هامشي.. ثانوي وبسيط.. صيحة في معركة خيالية.. أو نداء في مقهى أو ترداد للتحية والسلام.. نبهّوا عليه أن يدخل الاستوديو في الثانية عشرة بالضبط طول عمره يحضر في الميعاد.. ها هو يستقل الترام من الحي الشعبي الذي يسكن فيه حيث الناس تحترمه لأن سيادته (ممثل يطلع في الاذاعة) وآه لو عرفوا أنه نكرة لا في العير ولا في النفير.. يأخذونه كمالة عدد ليس إلا.. غيره كثيرون قابعون على ناصية الشريفين في انتظار بادرة استدعاء تعطل الترام في الشوارع المزدحمة.. ظل ينظر الى ساعته العتيقة في قلق عميق.. ماذا لو تأخر عن موعد التسجيل؟.. ماذا حقا. لاشئ سوف يتم التسجيل بوجوده أو في غيابه.. بالأمس حضر بروفة التمثيلية وأسند اليه المخرج جملة ينطقها بالفصحى ونبّه عليه أن يستظهرها جيدا.. حاضر يا أستاذ.. تعطل الترام حتى توقف تماما عن المسير.. واضطر الممثل أن يستخدم قدميه مخترقا شوارع بغير عدّ جاوزت الساعة الثانية عشرة.. زمانهم بدأوا التسجيل.. وهو لم ينضم اليهم بعد كل ما يفعله المخرج أن يحذف جملته ويستغني عن دوره تماما.. كم تكرر الأمر كثيرا في سالف الأيام.. إحذف دور النكرة أو أي واحد يؤدي دور النكرة.. الخ. وصل متأخرا نصف ساعة. قصد باب الاستديو فوجئ بالباب موصدا وقد ذهب الجميع.. سأل الفراش عن الأمر؟ أجاب المخرج ألغى التسجيل.. لماذا؟ لقد ظلوا في انتظارك ولما تأخرت قرر المخرج تأجيل العمل الى غد وقال: لا أستطيع الاستغناء عن جملة واحدة في هذا العمل.. هذه هي الأصول. خرج الممثل الى نهر الشارع.. كأنما ولد من جديد.. نعم هذه هي الأصول.. أن يكون لكل انسان دوره المرسوم مهما كان صغيرا وأن يشعر كل فرد بكيانه مهما كان بسيطا هذه هي الأصول.