الفكر الخالد يقال ان الوجود قلب فارغ علينا ان نملأه, فليس معنى الحياة كامنا في الحياة نفسها كما يكمن الثعبان في جحره. وانما في معنى الحياة فينا نحن اكثر مما يكمن فيها وبالتالي فالوعي هو الذي يسمح للانسان ادراك تفانيه وشقائه ووجوده في هذا العالم باعتباره اقوى من الانسان والذي يجب عليه قهره بإيجاد وسائل توحده بغيره, نابعة من العقل او التفكير العقلي في خدمة التقدم والتطور الاجتماعي والحضارة هي الاخيرة التي تموت عندما ينفصل النسق الاجتماعي عن النسق الاخلاقي وباختلافها تتلاشى وتنهار انهيار قصور الزمان بقضاء الاثنين والعكس صحيح. فالثقافة القوية تطمس الثقافة الضعيفة حالها حال النفوس, فأينما وجد الفراغ الثقافي كان بالامكان ان تستوطن مكانه ثقافة أخرى غازية آتية من مكان آخر. وبهذا نجد المثقف المستمد افكاره من ثقافته المحلية قادرا على التأثير والتغيير, يقول الكاتب ماثيو ارنولد: (ان الذين يملكون الاندفاع لتعميم افضل معارف عصرهم وأرقى افكار زمانهم, من اول طرف في المجتمع الى آخر طرف فيه, وبكفاية نادرة بغية تهذيبها ونشرها خارج حلقات المتعلمين والمثقفين وحتى تظل حاملة بريق عصرها وسمو زمانها) . وبالتالي نرى المثقفين المبدعين حقا يعملون على تحطيم معظم القيود المجتمعية التي تعمل على عرقلة عجلة هذا المجتمع في المضي نحو النور والخروج من جهالاته, ومن نظرته الاحادية للاشياء دون تدقيق او تمحيص, وبالتالي يؤسسون لثقافات جديدة وافكار حديثة وتؤسس لبذرة علها تنبت بعد ازل او بعد حين. تغيير يأخذ المجتمع من درجة التحت والتخلف لتبنى عليها افاق جديدة وبصمات دائمة ترسم معالم حضارة جديدة متجددة توافق العقول والاذهان وتواكب العصور والازمان. فما من عظيم الا وكان شمعة تحترق وقربانا يقدم على أوان من فضة لتتغذى به العقول وتهتدي به الالباب, وما من مفكر عالم الا وسار على الطريق الوعر المزروع بالأشواك التي تدمي اقدامه وتورم اطرافه الا ليمهد الدرب لمن بعده ولتبقى جراحه مرسومة راسخة في قلب الزمن خدوشا لا تمحيها امطار شتاء عاصف او تلهبها حرارة شمس محرقة.. انها باختصار ثقافة العقول والنفوس. محمد خليفة