ولد جوهان باخ في مدينة ايزناخ الالمانية في 31 مارس عام 1685 من اسرة موسيقية عريقة, وباخ هو أحد أهم الفنانين الموسيقيين في القرن الثامن عشر, فهو أول من أوجد السلم الموسيقي المعدل الذي يقوم على وحدة النغم بعد أن عدل السلم الموسيقي ودرجاته الى ابعاد متساوية, وقد أثار هذا الموضوع جدلاً واسعاً بين الموسيقيين في نظرتهم الى الموسيقى وتعدد سلمها (الطبيعي ـ الفيثاجورثي ـ الديواني). تميزت موسيقى باخ بأنها موسيقى وصفية تقوم على الدراسة النفسية العميقة للظاهرة الانسانية, كما اقترنت موسيقاه بظهور أنواع موسيقية جديدة كالبولفوني والهارموني, وعليه فقد تعرض باخ لانتقادات شديدة من معاصريه, كأتهامه بالغموض والتعقيد وعدم فهمه لقواعد الفن الموسيقي, بسبب ألحانه الغربية والخارجة عن القواعد الموسيقية المألوفة في ذلك العصر.. الا ان باخ الذي غدا يتيما وهو لم يبلغ العاشرة من عمره عرف كيف يوظف عبقريته الفذة في احياء الفنون الموسيقية ولاسيما الدينية منها, حتى غدت المانيا في عهده من أهم البدان الاوروبية في مجال الموسيقى وفنونها المختلفة, فقد استنسخ باخ مؤلفات أساتذة الموسيقى وانكب على مؤلفاتهم بالدرس والتحليل حتى بلغ من المعرفة الموسيقية مالم يبلغه احد من عصره, ويروى أن اخاه رفض أن يعيره كتاباً موسيقياً فتمكن من الحصول عليه واستنساخه في اثناء الليل على ضوء القمر. أول مؤلف نشر باخ اول مؤلف له عام 1707, واهتم في معظم الحانه الموسيقية بنوع خاص من التأليف يسمى بـ (الفوغ) وهو نوع يقضي باستعمال مختلف المقاطع التي تتألف منها الميلودية (النشيد) فينشد كل مقطع منها بعد المقطع من صوتين أو ثلاثة أو أربعة في فترات معينة ومتساوية من الوقت, حيث تجلت عبقرية باخ في تأليف الالحان الدينية الغنية بالاحاسيس العميقة والقوية اعتماداً على النوع الهارموني, فألف أكثر من 250 مقطوعة دينية, واعتمد في عزف الحانه على آلة الكلافسان الذي كان له الفضل الكبير في ايجاد الكلافسان المعدل فقد ادخل عليها: أولاً: تعميم استعمال جميع الاصابع في العزف بعد أن كان ذلك مقتصراً على اصبعين أو ثلاثة فقط. ثانيا: اخراج الحان تتناسب وجميع مقامات الصوت بعد ان كرس لهذه الغاية طريقة خاصة في دوزان الكلافسان, فجعل المساقات الصوتية بين درجات الديوان مساوية بعضها بعضا بعد ان كانت متفاوتة الابعاد. اختراق المألوف لقد كان باخ جريئا فاقحم عبقريته الفذة في اختراق القواعد الموسيقية المألوفة آنذاك, بعد أن اشبع عبقريته بالعلوم الموسيقية وتراث الموسيقيين من قبله, من هنا كانت ألحانه الجديدة غريبة من منطق عصره, ففي خطوة جريئة اقدم باخ على الغاء الفوارق الموسيقية البسيطة بين درجات الديوان الطبيعي وبها أدى باخ خدمة جليلة في ميدان الفن للموسيقى الغربية, اعترف بها علماء النظريات الموسيقية في الغرب بعد موته بأكثر من سبعين عاماً, ففي عام 1789 حضر موتسارت حفلة دينية في مدرسة سان توماس, بمدينة ليبزيج, عزف في أثناء الحفلة موسيقى لباخ, اثارت اعجاب موتسارت وسحرته حتى صاح: (انني استمع الى فن جديد) وقد لفت هذا الكلام انظار الحاضرين والمهتمين. والحق ان الاحكام التي صدرت من النقاد حول التعقيد والغموض في موسيقى باخ كان فيها أكثر من الجور, فهؤلاء النقاد لم يبلغوا مستوى فهم موسيقى باخ ودرجة الاتقان لديه. انتقادات شديدة ورغم ان باخ فقد بصره وهو يقدم اجمل الالحان الموسيقية ويطور في قواعدها. الا انه لم يحظ باهتمام يذكر بسبب تلك الانتقادات الشديدة له من معاصريه, فقد مات في عام 1750 دون ان يشعر به احد, وبقيت موسيقاه مهملة في عالم النسيان طوال سبعين سنة من التاريخ حتى اعيد له الاعتبار في عهد موتسارت وغيره من الفنانين الذين اهتموا بفنه, حيث اسس في عام 1850 جمعية باخ التي اخذت على عاتقها تكريم هذا الفنان الكبير وطبع جميع مؤلفاته ونشرها بين الناس. والمدهش, يبدو أن باخ كان يدرك تماما أنه لايقوم بتقديم الحانه وموسيقاه لابناء عصره, انما كان يقدم ذلك للأجيال القادمة, ولعل قوة عقيدته الدينية كانت تدفعه دوماً باتجاه الالحان الدينية التي سادت معظم انتاجه الموسيقي, فهو كان يعتقد أن حياة الانسان باطلة سريعة الزوال, ان هناك حياة اخرى دائمة خالدة يعمل لها, فجاءت موسيقاه صورة لهذه الرؤية تماما. ومهما يكن, فإن باخ فنان عظيم قدم للموسيقى الغربية كل المقدمات اللازمة لظهور فنانين عمالقة من أمثال بتهوفن وغيره. اعداد: هدى ابراهيم