بقلم: بسام احمد حموده مما لا شك فيه اننا نمتلك إرثاً تاريخياً موسيقياً حقيقي الوجود, يمتلك ابعاده الجمالية والفلسفية, ويتمتع بقدرة هائلة على الفعل والتأثير وقد ظهرت هذه المقدرة في وضوح البصمات الشرقية والغربية في الكثير من المؤلفات العالمية, كما اننا نمتلك الإرث النظري التاريخي الذي يمكن ان يشكل اساساً للتطوير وإعادة الخلق والبناء, هذا الإرث الذي بقيت الحداثة (نظرياً) قاصرة عن استيعابه, وبذلك بقيت عاجزة عن القيام به وربما يستطيع من خلاله استيعاب التطورات الحاصلة في شتى المجالات, وفي غياب الثوابت القاعدية, نلحظ حالياً شيئاً من فقدان الهوية, وبالتالي سيراً الى محاولات للبحث عن الذات من خلال الآخر (الغربي) دون مراعاة الخصوصية والتمايز في مكونات لغتنا الموسيقية. لابد من الاشارة الى ان الغرب قد انجز مقولاته في مكوناته وفعالياته الموسيقية من خلال تأسيس (نظري) وقاعدي, استطاع من خلاله تجاوز الاشكالات والتباينات التي كانت قائمة حتى عصوره الوسطى, وكانت اهم انجازاته حل معضلة السلم الموسيقي بشكل نهائي والتي حسمها من خلال اعتماد السلم المعدل, ومن ثم الاستقرار على صيغتي مقامين هما الكبير (ماجور) والصغير (مينور) فقط, وما السلالم الاخرى سوى نسخ مكررة عن هاتين الصيغتين, يمكن الوصول اليها من خلال ما يسمى (تجاوزاً بالاشتقاق, حيث ان العملية تعطينا تصويراً مطابقاً تماماً للسلم الاساسي, فهي حالة تكرار شكلاني وليست اشتقاقاً, فالاشتقاق يفترض فيه ان يؤدي الى صيغ اخرى تحمل بعض التمايز عن الاصل, وبعض الملامح المختلفة, وهذا يمكن ان نراه في موسيقانا العربية, اما في الغربية فلا نرى ذلك الا في تغيير درجة الاساس فقط, والتطابق الكامل فيما عدا ذلك. وان كنا ندعو الى حل الاشكالات القائمة في موسيقانا والى استنباط القواعد والاسس النظرية المعبرة عن حقيقة وجودها, فهذا لا يعني بالضرورة ان يكون الامر مماثلاً لما حصل في الغرب, وبالطبع فان هذا لن يكون تحت اي ظرف. ولئن كان العرب سباقين الى وضع السلم الموسيقي وتحليله ودراسته عبر تاريخ طويل نستذكر فيه الفارابي, والارموي واخوان الصفا وغيرهم والذين تجاوزت مقولاتهم حدود الانشاء الفلسفي الجمالي الى جوهر علم الاصوات والابعاد الطنينية للنغمات وحسابات تطابقت تماماً مع ما اشارت اليه العلوم الفيزيائية الحديثة, ولكن على صعيد الناتج الكمي بقي الارتحال الذي يرتكز على الموهبة والاحساس والذوق هو الاساس وبذلك عرفت الموسيقى عند العرب (بفن الاسماع) مؤكدين على ان السماع هو اصل الموسيقى, وهذا لا يقلل, من اهمية بل ضرورة البناء النظري المحكم, الذي سيفضي بالضرورة الى إرساء قواعد للبحث... والحالة تماثل استنباط الفلز الخام ومعالجته وفق اسس عملية محكومة بقواعد ونظريات علمية تقضي بنا الى استخلاص النقي منه... وكم سمعنا ان الكثير من الموسيقيين العارفين, اعتمدوا على اهل الهواية والذوق, في الوقوف على بعض التحولات المقامية, والتي وصلوا اليها بحسهم الفطري, واذكر انه وردت اكثر من اشارة في اكثر من بحث عن فناني (حمص في سورية) ان الموسيقار الحلبي المرحوم عمر البطش وبما كان يحمله من موهبة ودراية واسعة بالموسيقى بمجاليها العملي والنظري, زار حمص اكثر من مرة والتقى فناناً حمصياً من اصل غجري ليسمع منه, وليستفيد من تنقلاته المقامية والنغمية, والتي كان يعتمد في ادائها على حسه الفطري. العولمة والموسيقى وضمن إطار تحقيق البنية القاعدية والنظرية للموسيقى الشرقية تنطلق احياناً بعض الاصوات التي تطرح بعض الآراء كان آخرها ما دعا إليه الباحث الموسيقى التونسي الدكتور محمود قطاط مدير المعهد العالي للموسيقى بتونس من خلال محاضرة بعنوان (آليات مستقبلية للتوثيق الموسيقي) والذي يشير الى ضرورة ادخال العولمة كمادة تدريسية في المعاهد الموسيقية, هذه الدعوة التي تثير الكثير من التساؤلات والآراء المتباينة حول العولمة ذاتها, وموقع الهوية القومية فيها, والمخاطر الكثيرة التي يتصدر الحديث عنها المنابر الاعلامية والثقافية, ولن اقف عندها لان الواقع العربي برمته وبكامل فعالياته ومكوناته التاريخية والسياسية والفكرية معني بمسألة العولمة وتحديد الموقف منها. ولكن ما احب الوقوف عنده هو بحث بعنوان (نظرية الاجناس المتداخلة) كان قد قدم الى المؤتمر الدولي للموسيقى العربية الذي عقد في القاهرة. قدمه الاستاذ الباحث سعد الله آغا القلعة. سعى الباحث من خلال طرحه للبحث الى وضع نظرية جديدة لتطوير الاساس المقامي للموسيقى العربية والسؤال الذي لابد من طرحه هو: هل تم تحديد الاساس المقامي للموسيقى العربية من خلال نظرية ما كي يصار الى تطويرها؟... لقد بنى الباحث طرحه باعتماد أمرين هما اولاً: الغاء ارتباط المساحة الصوتية للمقام بامكانات الصوت المؤدي, وربط المساحة الصوتية بأداء الآلات العربية. وهنا لا اعرف كيف تم الفصل في هذا الامر بين الصوت المؤدي والآلة, لان المقام اصلا ليس مرتبطاً باحدهما, وإنما يرتبط بفعل فيزيائي صوتي (اهتزازي) فهو نغمات محددة بعدد اساسي قابل للتكرار سواء في الارتفاع او الانخفاض. (الحدة او الغلظة) وبما يغطي جميع الاصوات التي يمكن اصدارها بغض النظر عن امكانات الآلات المتفاوتة الامكانات في الاداء (من حيث المساحة الصوتية) . ثانياً: تشكيل المقام المفتوح في تركيب ذوقي تقبله الاذن العربية, مع عدم تحديد الاجناس الداخلة في التركيب. وفي هذا الامر نلحظ تعميماً لدرجة كبيرة بحيث تصنيع فيه اية خاصية ممكنة, فاختلاف الاذن العربية الموسيقية في تذوقها الجمالي كبير جداً ولا اقصد من حيث درجة التذوق وإنما في نوعيته, وذلك يخضع لعدة عوامل منها الجغرافية والتاريخية, والبيئية والثقافية, وتنوع المؤثرات الخارجية, فأية اذن يجب اعتمادها في ذلك؟ ام يجب اخذ مجمل هذه الحالات بعين الاعتبار؟ وبالنسبة للتركيبة المقامية وكما هو معروف وفق الاصول التاريخية, ان لكل مقام شخصيته وهويته, والتي تتحدد من خلال مكوناته النغمية, والتي تجعلنا لا نملك القدرة على التحرر من مسألة الاجناس, لاننا من خلال تحديد الاجناس نحدد الهوية المقامية. المقام المفتوح وإذا كان المقصود من كلمة المقام (المفتوح) انه يدخل في تركيبه مجمل الاجناس التي يمكن ان نقف عندها نظرياً والتي يمكن ان تتشكل من درجات المقام الصوتية, فهذا الامر يفتقر الى الدقة عملياً فمثلاً لو اخذنا مقام (الراست) واردنا تناوله وفق هذه النظرية التي يطرحها البحث لوجدنا فيه اربعة أجناس هي: (جنس راست على الراست ـ جنس بياتي على الدوكاه ـ عقد سيكاه على السيكاه ـ جنس راست على النوا) . ولكن سير المقام لا يوضح لنا اي ملمح لجنس البياتي او عقد السيكاه, بينما يبدو واضحاً جنس الراست على الراست, وجنس الراست على النوا, وهما الجنسان المكونان لمقام الراست (وبالطبع هذا الكلام ينطبق على دراسة المقام نظرياً وليست على معالجته عملياً من خلال التأليف الذي يمكن ان ابرز فيه ما اشاء من النغمات والاجناس, وبما تقبله الاذن, وان كان هذا ما رمى اليه البحث فيمكن القول عندها بأن المقامات الموسيقية المفتوحة هي قائمة اصلاً من خلال الاداء والمعالجة وليست بحاجة الى نظرية جديدة. وربما قاد البحث الى هذا المطب هو اعتماد الحاسوب, والذي يطالب الاستاذ الباحث باعتماده في اختيار التراكيب الموسيقية. كما طرح البحث مقولة غريبة, والاغرب انه اعتبرها مسلمة, وهي ان اضافة درجة استقرار جديدة لمقام ما تعطي مقاماً جديداً, وساق مثالاً يقول فيه: (ان جنس نكريز ينتج عن جنس حجاز مع اضافة درجة راست) وهنا يكون الفارق كبيراً جداً اللهم باستثناء الشكل والكتابة على الورق, والتي لم تراع الحالة الصوتية والنغمة التي تحدد هوية كلا من مقامي (الحجاز, والنكريز) فلو اردنا معالجة الحجاز عملياً من خلال العزف الذي يبرز هويته واردت الانتقال للاسقرار على درجة الراست لابراز النكريز فلن استطيع ذلك مباشرة الا بعد معالجة مختلفة اضيع من خلالها شخصية مقام الحجاز كي ادخل في شخصية مقام آخر هو النكريز عبر انتقالات نغمية عدة وإلا وقعنا في التنافر وبما لا تقبله الاذن. نحن والغرب وهكذا فأن البحث يطرح وجهات نظر لا تبدو مقنعة, ولا تحقق الاستجابة لما يشكل مطلباً ملحاً في اطار قوننة وعلمنة الموسيقى العربية. كما ان ذلك لا يتم من خلال التماثل مع العرب, بل من خلال ما نحمله من تمايز, ولا يضيرنا في ذلك اعتماد ادوات ووسائل البحث الغربية, مع مراعاة النقاط التالية والانطلاق منها: 1) مراعاة الحالة النغمية القائمة والموروثة والتي يجب ان تشكل الاساس الذي يجب ان تبنى عليه اية دراسة. 2) التسليم بالتمايز الحسي والاراك الجمالي على امتداد الساحة العربية (وأؤكد على نوعية التذوق وليس درجته) . 3) عدم الانطلاق من مقولة السلم الموسيقي الاساسي في الموسيقى العربية عند الدراسة بل اعتماد الفصائل المقامية حيث لكل فصيل سلم اساسي. 4) ضبط المقامات العربية وبما يكفل تقديمها بشكل موثق, ومن ثم دراسة حالات التماثل والتشابه الكثيرة. 5) عدم اعتبار اية دراسة كقيمة مطلقة لا تقبل المساس والتغيير, فكثيرة هي المقامات التي تجاوزها الزمن ولم تعد متداولة وبقيت قيمتها في تاريخيتها بينما تم استحداث اكثر من مقام مثل مقام اللامي ومقام المريومة الذي ابتكره امير البزق محمد عبد الكريم, كما اطلعت على مقام جديد ابتدعه الموسيقار زياد عجان واسماه الغريب ولحن عليه اكثر من عمل. 6) ولتجنب الوقوع في المطبات, ولاجتثات الزوائد والاعمال المكرورة يجب ان تتم دراسة كل مقام اساسي بتحديد درجاتة الاساسية التي تشكل الحالة البدئية له, والتي تحمل الخصوصية المطلقة مثل: درجة الاساس, درجات الركوز اثناء سير المقام, الابعاد... وعدم اعتماد التحولات الطارئة عليه بل اعتبارها تنويعاً وتلويناً للمقام الاصلي ويكفي ان اشير بهذا المثل: تنطوي تحت جناح مقام الراست نغمات عدة تسمى مقامات مثل: السازكار ـ الزاويل ـ دلنشين ـ نيشابورك ـ وسوزناك.... وعدة مقامات اخرى... وهي ليست اكثر من مقام الراست طرأ تغيير على إحدى درجاته, فهذه الاشكالات هي التي توقعنا دائماً في الترهل احياناً او تلقي علينا بظلال المتاهات تجنب الخوض فيها خوفاً من الوقوع في الخطأ. وفي الختام, فان المطلوب هو صياغة نظرية لوضع موسيقي قائم ومن ثم يصبح التجديد محكوماً بضرورات التطور التي تفرض نفسها, وبما تستوعب مجمل القيم السائدة.