التراث الغنائي المصري قبل ظهور الإذاعة غني وثري جدا.. حتى أن العلماء والمؤرخين رجحوا أنها تعدت المليون اسطوانة منذ ظهور الاسطوانات عام 1903 وحتى بداية الإذاعة ورغم هذا العدد الكبير من الاسطوانات إلا أن أغلبه للأسف غير معلوم. ولولا بعض جامعي التراث والموثقين المهتمين بالموسيقى والغناء لاختفت ملامح كثيرة في عالم الموسيقى والغناء من هؤلاء.. الدكتور مصطفي أبو العيون الذي اختارته إحدى الجامعات الفرنسية كأكثر الموثقين نجاحا في جمع التراث الغنائي قبل بداية ظهور الإذاعة.. فمكتبته تحوي عشرة آلاف أسطوانة قديمة وقد أعد لها دراسات وكتب يستعد للإفراج عنهما قريبا.. (بيان الثقافة) التقاه في هذا الحوار. * كيف ومتى بدأ اهتمامك بالموسيقى والغناء؟ ـ لي ميول فنية منذ أن ولدت وعلى مدار سنوات تعليمي كنت أشارك في الأنشطة الفنية في المسرح والحفلات.. وأثناء تعليمي الجامعي شاركت مع إحدى الفرق الاستعراضية لكن بعدما تخرجت من كلية الطب عملت فترة في مجال تخصصي وفي عام 1970 بالتحديد اشتريت العيادة الخاصة لي في شارع رمسيس وهذه العيادة لها تاريخ.. فالعمارة التي بها العيادة كانت ملك (سامي أفندي الشوا) أمير الكمان والقاسم المشترك لكل الاسطوانات التي سجلت في مصر حتى بداية الأربعينيات.. والنادي أسفل العيادة كان يسمى نادي (أستوريا) وهذه العمارة كانت أعلى عمارة في مصر.. وكان هذا النادي هو الوحيد الذي حصل على تصريح بالموسيقى والغناء والرقص في شارع الملكة نازلي الذي يعرف الآن بشارع رمسيس.. وعلى امتداد هذا الشارع الممتد من قصر القبة وحتى قصر عابدين لم يكن هناك أي ناد آخر للموسيقى والغناء.. ويبدو أن روح المكان أثرت عليّ فبداية تعرفي بالمغنى والموسيقى بدأت عندما اشتريت العيادة, حيث سمعت لأول مرة موشح (لنادرة) أميرة الطرب.. سمعته بالصدفة من خلال الراديو وهو موشح (محتياج يا رفاقي في غزل) وهو موشح شهير لكني لم أكن حينذاك أعرف ماذا يعني (الموشح) .. حتى تقابلت مع أحد الملحنين فجأة.. وكان هذا الملحن سنيد للموسيقار (كامل الخلعي) ما يقرب من 40 سنة.. وطلبت منه تعليمي الموشحات.. في البداية رفض لكن بعد ذلك أقنعته.. وجلست لمدة 20 سنة معه وبدأ في تعليمي وبدأت أخطو خطواتي في الموسيقي.. ومن حسن حظي إني التقيت (بوجيه بدرخان) مدير إذاعة الشرق الأدنى وكان يمتلك مجموعة اسطوانات للشيخ يوسف المنيلاوي فأخذت منه 50 اسطوانة وأصبحت هاو في جمع الاسطوانات من معظم دول العالم ومن جميع محافظات مصر حتى استطعت تجميع أكبر مكتبة للغناء المصري في بداية القرن التي تسبق الراديو الذي أنشأ عام 1934 فقد جمعت عشرة آلاف اسطوانة وكتبت دراسة وافية للمطربين والملحنين وللأنماط الاجتماعية التي شاعت في هذا العصر تشمل هذه الدراسة سيرة ذاتية كاملة لهم إني كونت ألف دراسة لألف شخصية من فناني المرحلة التي تسبق الراديو. تسجيل الاسطوانات * من خلال هذه الدراسة من هم المطربون والملحنون الذين بدأ بهم القرن العشرون؟ ـ بداية تسجيل الاسطوانات في مصر كان سنة 1903 وليس 1905 كما يشاع فقد تحققنا من هذا حتى أن الاسطوانة التي سجلت في 1903 كانت بعنوان (سمع الملوك) للشيخ يوسف المنيلاوي.. ومنذ هذا التاريخ بدأ مطربو القرن التاسع عشر يسجلون اسطوانات فوجدنا اسطوانات لكل ألحان عبده الحامولي وألمظ.. وهناك أيضا (سليمان أبو داود) و(عبد الحي أفندي حلمي) و(محمود أفندي حمدي البولاقي) ومن النساء الست (ودودة المنيلاوي) و(أمينة العراقية) و(بهية المحلاوية) وهم مطربوا ومطربات القرن الماضي التاسع عشر الذين توفوا بداية القرن العشرين.. لكن مطربي القرن العشرين كان أشهرهم الشيخ يوسف المنيلاوي الذي يعتبر أكثر المطربين التزاما بالقواعد الأصلية ومحمد سالم الذي توفي سنة 1927 ولقب بسالم العجوز حيث توفي وعمره 128 عاما.. وهناك أيضا محمد سليم الذي أطلق عيه عبده الحامولي لقب (أحلى صوت في العالم) ومن النساء الست (أسما الكمسوية) والست (بمبة وحيدة مصر) وكان لكل هؤلاء إبداع وشأن كبير في بداية القرن ومن الموسيقيين هناك محمد العقاد الكبير وإبراهيم سهلول وسامي الشوا وأمين جوذري والشيخ صالح.. وكان هناك تخت شهير مكون من (إسكندر وصهيون وعزوز) كل ذلك قبل عام 1915. * يقال أن حالة من (التغريب) بدأت في الموسيقى والغناء بعد ذلك التاريخ؟ ـ مصر مع الحرب العالمية الأولي كانت واحة الأمان وكان العالم كله يقصدها فجاء إليها عدد من الموسيقيين والملحنين الأجانب الذين غيروا في المفاهيم المصرية للموسيقى ساعدهم على ذلك التصوير الذي أحدثه الشيخ (زكريا أحمد) حيث كان هناك قالب غنائي قديم يسمى (الدور المصري) قام زكريا أحمد بتحديثه وأسماه (الطقطوقة) .. وزكريا أحمد ملحن كبير وقديم وله 56 أوبريت.. لكن الذاكرة لا تعي إلا كلثومياته.. لكنه مع مطرب يسمى عبد الطيف أفندي البنا ومؤلف يدعي الشيخ يونس القاضي أحيوا الدور المصري في مسماها الجديد (الطقطوقة) وهو مغنى خفيف وبسيط.. وكان الناس يقبلون عليه لبساطته وأحالته. عبقرية الملحن العربي * بعض الموسيقيين يعتبرون (الطقطوقة) غناء مسفا!؟ ـ الطقطوقة هي عبقرية الملحن العربي وهي موجودة منذ العصر العباسي لكن تتغير المفاهيم والمسميات فأول ما سميت به كان (الأمزوجة) وهكذا حتى وصلت إلى اسم الطقطوقة.. ثم أنه هناك أكثر من مليوني اسطوانة لا يوجد بها إلا ما يقرب من 50 طقطوقة مسفة وبها كلام خارج لكن الباقي كلام راق فطقطوقة محمود صبح مثلا في منتهى التحضر والقوة. * ماذا تقول عن غناء منيرة المهدية؟ ـ علينا أن ننظر إلى منيرة المهدية في زاوية بعض الطقاطيق الحقيقية التي تمتعنا وهي مضطرة فمنيرة المهدية هي التي حملت لواء المسرح الغنائي بعد وفاة الشيخ سلامة حجازي عام 1917 لكن في فترة الركود والضياع التي أصابت المسرح الغنائي في مصر اضطرت منيرة المهدية أن تسجل اسطوانات حتى تتمكن من الإنفاق على فرقتها ثم في وقتها كان غناء الست منيرة يعتبر تجديدا وليس غناء مسفا ثم أن الابتذال موجود قبل ظهور (الطقطوقة) فالمغنى أساسا ظهر في (الحوانيت والخمارات) .. وأقرأ شعر ابي نواس الذي تم تلحينه وغناءه فنحن ننظر إلى الموسيقى من ناحية التراكيب اللحنية.. فبعض الأغاني التي يقولون عليها مسفة بها تراكيب موسيقية عظيمة فيمكن الاستفادة من هذه الألحان فيتركب كلام آخر غير مسف.. فلدينا مثلا قصيدة (يا ليل الصب متى غدة) للحصدي القبرواني الذي توفي سنة 950 ميلادية على مدي الأجيال ثم تركيب كلام يمكن احتوائها في كتاب.. فلماذا لا نستفيد من تراثنا الغنائي. توثيق الاعمال الموسيقية * لماذا لم تحاول الاستفادة من هوايتك الموسيقية؟ ـ تقدمت بمشروع لدار الأوبرا وذلك لعمل توثيق لكل المطربين والملحنين والموسيقيين قبل بداية الإذاعة فتم تشكيل لجنة وتم تخصيص مبلغ مادي كبير ولكن اشترطوا أن يتم توثيق خمسة ملحنين فقط في الخطة الخمسية الأولى.. من بين هؤلاء الملحنين زكريا أحمد والسنباطي وعبد الوهاب.. فوجدت أن المسألة تعدت الشكل العلمي والتوثيق الصحيح فأعمال الملحنين الذين ذكروهم موجودة في الأسواق ويمكن لأي فرد توثيقها ولا تحتاج إلى خمس سنوات لتوثيقها.. لكن التوثيق الصحيح يكون لملحنين مثل (محمد على لعبة) و(صبري لولو) و(إبراهيم القياني) ومعنى ذلك اننا اذا وثقنا لخمسة ملحنين كل خمس سنوات فسنحتاج إلى مليون سنة بالطبع رفضت كل هذه المحاولات وبدأت في مشروع خاص بي وهو إنشاء موقع للتراث المصري على الإنترنت.. وذلك لتوثيق كل المتاح من الاسطوانات التي ظهرت قبل بداية الإذاعة وذلك كصوت وصورة سير ذاتية. وأتمنى أن أنجح في هذه الخطوة حتى لا ننسى تاريخنا الغنائي والموسيقي. القاهرة ـ بيان الثقافة