لو كنت ممن عملوا في طاقم فيلم (المصارع) لعرفت ذلك الشعور بوجوب الابتعاد عن النمور الفرنسية. فمن بين النمور البنجالية الاربعة التي جلبت من اجل تصوير مشهد عراك في المدرج الروماني القديم, كان اثنان من الولايات المتحدة واثنان من فرنسا. ويقول فيل نيلسون, منسق احداث الاثارة ان النمرين الفرنسيين كانا (اقل توددا للبشر) . اما الاخران فكانا اقل دبلوماسية. ويقول جون مايتسون, مدير التصوير: (لم نقترب من تلك النمور. لقد كانت النمور الامريكية كالقطط, ولكن حتى القطط يمكن ان تكون خطيرة) . وقد وقعت حادثة دللت على ذلك, حيث سالت الدماء عندما اقدم نمر على عض طوق المعصم المعدني على ذراع المدرب راندي سكوت ميلر, الذي حل محل الممثل داسيل كراو خلال المشاهد التي تطلبت احتكاكا بين النمر والانسان. ويتذكر المخرج ديندلي سكوت تلك الواقعة قائلا: (لقد ترك فتحة في الفولاذ بحجم ربع دولار, ونفذت انيابه الى ذراعه. وقال الشاب: (هل يحمل احدكم يودا؟) ثم لطمه على ظهره وأطعمه) . ان مجرد وجود النمور الحية (ناهيك عن الضباع والاسود) يوحي بالطبيعة الطموحة لفيلم (المصارع) , وهو ملحمة بلغت تكلفتها 107 ملايين دولار واعطت اصالة حقيقية لما يسميه المخرج سكوت بـ (افلام الرداء والصندل الرومانيين) وهو نوع من الافلام لم تحاول هوليوود انتاجه منذ اوائل الستينيات. تدور احداث الفيلم, الذي يستند في جانب منه الى اشخاص واحداث حقيقية, حول ماكسيموس (الذي يقوم بدوره كراو), وهو جنرال روماني طرح في عام 180 بعد الميلاد في حلبة مصارعة مع النمور حتى الموت عندما كان خصمه كومودوس (الذي يقوم بدوره جوكوين فونيكس) يرتقي عرش الامبراطورية الرومانية. غير ان هؤلاء المصارعين من امثال ماكسيموس يمكنهم القتال لنيل حريتهم, ويبدو ان ماكسيموس لن يرضخ بسهولة. مغامرة انتاجية وقد اصبحت الملاحم التاريخية القديمة التي بلغت ذروتها بفيلم (سبارتاكوس وبن هور) وكان اخرها فيلم كليوباترا في عام 1963 اصبحت شيئا عتيق الطراز لأن تكاليف انتاجها زادت بينما هبطت شعبيتها. ويقول مصمم الانتاج آرثور ماكس: كان التحدي فيما يتعلق بفيلم (المصارع) يتمثل في اعادة انتاج هذا العمل الضخم دون التسبب بافلاس الاستوديو. ويشعر والتر باركس من دريم ويركس, الذي تقدم بالمشروع لصالح الاستوديو, ان الوقت مناسب من جديد لمثل هذا النوع من الملحمات. ويشير قائلا الى انه في الاعوام العشرة الماضية, كانت هناك افلام ناجحة اعادت تقديم اعمال كلاسيكية للجمهور. فقد مثل فيلم تايتانيك عودة الى الميلودراما التاريخية التي كان ينظر اليها حتى قبل خمس سنوات على انها رهان هامشي. والان لدينا الادوات الرقمية التي تتيح لنا اعادة تشكيل عوالم بطرق لم تكن متوفرة قبل سنوات. وكانت فكرة فيلم (المصارع) قد انبثقت من كاتب السيناريو ديفيد فرانزوني, الذي كان يعمل في ذلك الوقت مع دريم ويركس على فيلم (اميستاد) . وقام باركس المتحمس بنقل الفكرة الى سكوت المعروف بأعماله اللامعة في افلام مثل (السباق) و(الغريب) . وفي لقائهما الاول, حمل باركس نسخة من لوحة فنية تدعى (بولايس فيرسو) للفنان الفرنسي من القرن التاسع عشر جين ـ ليون جيروم. ويظهر هذه اللوحة مصارع يجلس على خصمه المجروح في المدرج الروماني بينما كان يطالب المشاهدون المتحمسون بقتله. ويتذكر المنتج دوجلاس ديك تلك الحادثة قائلا: (نظر ريدلي الى الصورة وقال: سأقوم باخراج الفيلم) . ويقر سكوت الذي درس الرسم في الكلية الملكية للفنون قائلا: (والتر عرف كيف يقنعني لأنني احب صنع العوالم) . ويمثل توزيع ادوار الممثلين تعاونا بين جيلين. وكان كراو اختيار سكوت الاول للعب دور ماكسيموس, وقد وقع على العقد قبل اي شخص اخر, قبل تصوير فيلم (التحري) في الواقع. وتلعب كوني نيلسين (بطلة فيلم مهمة الى المريخ) دور اخت كومودوس غير المخلصة لوسيلا. ولدور كومودوس نفسه, الذي يصفه سكوت بأنه (شخص مجروح لم يكن والده الى جانبه ابدا) , تم اختيار الممثل فونيكس. والى جانب الوجوه الجديدة, اختار سكوت كادرا اقدم من امهر الممثلين البريطانيين مثل ريتشارد هاريس الذي يلعب دور والد كومودوس, الامبراطور الروماني الشهير ماركوس اوريليوس, وديريك جاكوبي في دور احد اعضاء مجلس الشيوخ, واوليفر ريد, الذي مات فجأة مع قرب انتهاء الانتاج, في دور بروكسيمو, مدرب ماكسيموس ومالكه. ستة اشهر في الغابات لقد كانت عملية الانتاج نفسها اشبه ما تكون بالملحمة التي تنطوي على الاسفار الكثيرة. فقد بدأت عملية التصوير التي استغرقت ستة اشهر في الغابات خارج مدينة الدرشوت في جنوب انجلترا التي مثلت الجبهة الالمانية في المعركة الافتتاحية للفيلم بين الجيش الروماني والقبائل الجرمانية. ثم انتقل التصوير الى المغرب لمدة ثلاثة اسابيع تقريبا وبعدها الى مالطا, حيث جرى الجانب الاكبر من عملية التصوير بما في ذلك مشاهد العراك في المدرج الروماني. وقد كانت مالطا الموقع المثالي لأنها تحوي حصنا مدمرا يعود تاريخه الى مئات عدة من السنين, استخدمه القائمون على انتاج الفيلم كمركز لاعادة ببناء روما القديمة. ويقول مصمم الانتاج ماكس: (لقد صنعنا جانبا من وسط مدينة روما ببناء منشآت كبيرة الى جانب المنشآت القائمة. واينما كان هناك منطقة كئيبة في كتب التاريخ, ابتكرنا مثلها. وقد كانت التصاميم النابليونية والفاشية متأثرة بالرومان القدماء, ولهذا فاننا اعتمدنا على الرسومات التاريخية من العصر النابليوني وبالذات لوحة (انتصار الارادة) . كما تم الاعتماد كذلك على رسومات سكوت نفسه, حيث انه كان يرفق تعليماته لطاقم الانتاج برسومات توضيحية لما يريده. وبالطبع فإن مسألة اعادة بناء مدرج روماني بالكامل كانت غير واردة ابدا, لكن طاقم العمل قام ببناء جانب من المدرج وصفين من صفوف مقاعده, بينما تمت تعبئة الباقي بصور من توليد الكمبيوتر. ويقول ماكس: (لقد استخدمنا توليفة من خدع الافلام التقليدية القديمة واسلوب الخداع التقني الحديث) . ألف عامل ويعدد ماكس انجازات طاقمه الذي يقدر بأن عددهم قد وصل في ذروة العمل الى ألف عامل. ويقول: (كان علينا ان نعد جيشا وقصرا ومجلسا للشيوخ والعديد من بيوت اعضاء مجلس الشيوخ وسوقا للعبيد ومدرجا مؤقتا للمصارعة ومدرسة لتعليم المصارعة في كل من المغرب ومالطا وجميع معداتها واسلحتها وعرباتها. ناهيك عما يوجد تحت المدرج, وهو ما اسميناه بالتجاويف الارضية حيث احتجز المصارعون في حظائر احتجاز وكذلك المصاعد الميكانيكية التي رفعت الاسود والنمور الى ارضية الحلبة. ومما زاد من صعوبة هذا العمل الطقس غير المستقر. ويقول ماكس: (كان يتعين جلب كل شيء بواسطة السفن, وكنا نقوم بالبناء في شتاء سنة كان الطقس فيها اشبه ما يكون بطقس النينو, وفي اغلب الاحيان كانت العواصف تمنع الشحنات من الوصول في موعدها. ولايزال بعضها يبحر حول البحر المتوسط بحثا عنا. وعلى غرار المعدات والاجهزة, فإن نص الفيلم لم يتوفر ابدا بشكله الكامل في الموعد المحدد. فالمسودة الاولى كتبت في عام 1996 من جانب فرانزوني, لكن كاتبي السيناريو جون لوجان وويليام نيكولسون طلب منهما اعادة كتابة النص. ويقول فرانزوني: (كان هذا العمل يشهد تقدما حتى اليوم الاخير من التصوير) . كان الدافع من وراء اجراء التعديلات على النص هو ابقاء النجم سعيدا. ويقول فرانزوني: (لقد عاد كراو من فيلم (التحري) واعتقد انه كان يراقب النص بينما كان يمضي قدما. وقد كان منزعجا, حيث شعر بأن شخصيته لا تتمتع بالحيوية التي لديها في الاصل) . ويقول احد افراد الطاقم انه وفي حين شعر البعض ان كراو قد يكون كثير المطالب ومزاجيا, الا انه كان اقل من نجم سينمائي. وانا لا احبذ العمل معه في فيلم اخر من جديد. ويضحك سكوت لدى سؤاله حول ما اذا كان من السهلا التعامل مع كراو قائلا: (ان الممثلين الجديدين لا يكون التعامل معهم سهلا ابدا, وانا احب قليلا من الروك اندرول) . وقد اختلف مع كراو حول لهجة الاخير في الفيلم, فالممثل اراد استخدام اللهجة الاسبانية لكي يعكس اصول شخصيته, لكن الجميع كان من المقرر ان يتحدثوا بلهجات انجليزية كلاسيكية. وقد فاز سكوت في ذلك الخلاف. مشاهد الحرب وفي الواقع ان الطاقم كان لديه ما يكفي من المشكلات للتعامل معها خلال مشاهد الحرب في الفيلم, وبعض هذه المشاهد استغرقت اسبوعين لتصويرها. وقد تدرب كراو لمدة شهر تقريبا قبل بدء عملية التصوير واضطر الى تخفيض وزنه 35 رطلا, وهي الزيادة التي كان قد كسبها من اجل تصوير فيلم (التحرّي) وواصل تدريبه واجراء البروفات اثناء عملية الانتاج. وبالنسبة لفونيكس, فان مبارزته بالسيف مع كراو كانت الابرز في مشاهد التصوير. ويقول فونيكس: (لقد تدربنا بشكل منفصل, واول مرة مارسنا المبارزة معا كانت عندما صورنا المشهد. لم اكن بارعا ابدا في الرياضة او اي شيء من هذا القبيل, الا انه كانت لدي طاقة كبيرة) . وقد تلقى فريق الانتاج برمته ضربة قاسية عندما توفي الممثل اوليفر ريد بسكتة قلبية, فالجميع كان يكن له الاحترام والتقدير. ويشبهه سكوت الذي عرفه طوال 27 عاما بممثل بريطاني موهوب اخر هو روبرت شو الذي مثل في فيلمي (الفك) و(اللسعة) لقد كانت معظم المشاهد التي يظهر فيها ريد قد تم تصويرها, ولهذا فان الفيلم نفسه لم يتأثر كثيرا. وهناك لقطة في الفيلم ادخل عليها طاقم المؤثرات البصرية صورة مأخوذة عن قرب لريد من مشهد سابق واجروا عليها تغييرا طفيفا. وعلى امتداد احداث الفيلم, كان المخرج مصمما على جعل (المصارع) اكثر قربا من الحقيقة من سابقيه من الافلام. وقد حاول التخلص من ظاهرة الشعر المجعد الممشط للأفلام التي رافقت صورة الروماني في الافلام القديمة. ويقول سكوت: (اعلم انهم ربما يكونون قد فعلوا ذلك في روما القديمة, ولكنني اربط الامور دائما بحقائق الفترات الزمنية, فهم لايزال يتعين عليهم النهوض في الصباح الباكر وتنظيف اسنانهم والاغتسال في الحمام اذا كانوا محظوظين بما فيه الكفاية لكي يحصلوا على واحد) . اعداد: ضرار عمير
