قاعة بغداد للفنون التشكيلية خططت لاقامة معرضها الاخير (دلالة التحديث والتجريب في الرسم العراقي المعاصر) ليكون بمثابة مراجعة واعية للمشهد التشكيلي لهذا اجتمع الشكيليون هذه المرة ليعرضوا جديدهم في الرسم والنحت والسيراميك. ثلاثون فنانا التقوا باعمالهم على جدران ومكعبات القاعة ليعلنوا عما جرى وما يجري على الساحة التشكيلية من تنويعات ليكون دليلها المعرفي على ما تواصلت فيه الحركة الفنية من ازدهار وتنوع وغنى بحيث يمكن رؤية جميع الاجيال تشتغل فنا خالصا وبمختلف الوسائل والطرق. الرواد الى جانب الشباب, الهم واحد والنظرة الى المستقبل واحدة وما بينهما ابداع متواصل ذلك هو القلق الفني ينبوع الفنان الحقيقي الذي يحاول ان يمنح منجزه الفني طاقة تعبيرية وجمالية تجعله ينتمي الى المكان الذي يتجذر فيه ليمنح المتلقي فرصة التأمل والمشاركة للوصول الى الهدف عبر الحوار الحضاري, وما يشكله ذلك الحوار من تماه واسقاط بين الفنان والمتلقي عبر الوسيط (المنجز) الذي يقع بينهما.. لقد اتاح هذا المعرض, فرصته للنقاد للتعرف عن كثب الى ما توصل اليه (الرسم ـ والنحت ـ والخزف) العراقي من نتائج تجعلنا نبحث في اختيار القاعة لعنوان المعرض (دلالة التحديث والتجريب في الرسم العراقي المعاصر) الذي خص الرسم فقط بينما تشير الاسماء المشاركة والاعمال المعروضة الى فروع اخرى من الفن التشكيلي في النحت والخزف وعلى العموم فان دلالة التحديث والتجريب في الفن العراقي قائمة منذ ان عاد الفنانون الرواد من بعثاتهم الدراسية في الاربعينيات والخمسينيات وازدادت حمى التحديث طالما ان هنالك تنافسا وقاعات عرض وبعثات, وقد شهدت السنوات الاخرى فورة تلك الحمى فظهرت جميع الاساليب الفنية المعاصرة الموجودة في الوطن العربي واوروبا واسيا من الواقعية الى التجريد العالي, هذا بالاضافة الى توسل تلك الاساليب الفنية الى التاريخ والتراث والموروث الشعبي في استلهامها للاحداث والوقائع والكتابات والالوان وطريقة الحفر والنقش والتزيين والمعالجة كما استخدم الفنانون انواعا مختلفة من الخامات ليقدموا منها اشكالهم الجديدة. الرسم ركز المعرض على فن الرسم وقد اشترك في المعرض 17 رساما من الفنانين الرواد فهم: الفنانون اسماعيل الشيخلي ونوري الراوي وشاكر حسن ال سعيد وجاءت اعمالهم تحمل خط شروعهم الذي انطلقوا منه وبصمات معاصرة ليؤكدوا صدق اخلاصهم لتجربتهم الفنية ونموها على اسس فنية ملتزمة محافظة لا تخرج من كونها اطر الحداثة الغارقة في احضان الموروث الحضاري والشعبي, مما يمنحها هوية المكان الذي ولدت فيه. بينما نجد الجيل الوسط ومنهم الفنانون, محمد مهر الدين, وسميرة عبدالوهاب وسالم الدباغ قد توغلوا في التجريد بحيث يتلاشى التشخيص والموضوع ويبقى اللون والخطوط الهندسية هما خطاب النص المبثوث الى المتلقي, الشكل هنا هو الطاغي ولا تخلو اعمال جيل الوسط من المعالجة التصميمية والاناقة والانسجام العالي للالوان والتكنيك المدهش. ان مثل هذه المغامرة المنفردة لا تمنح المنجز هويته المحلية بل تحيله دائما الى الاساليب الاوروبية برغم ما تحمله تلك الاعمال من مهارات فنية وتقنية عالية في الجودة, وباستثناء الفنان الناقد عادل كامل وهو من جيل الوسط ايضا فانه قدم اعماله الجبسية على انها لوحات فنية وهي بالفعل كذلك الا ان تقنيتها تختلف عن الرسم كونه استخدم الواحا جبسية ورسم وخطط عليها (ريليف) تعبيريا بمعنى انه استلهم التراث الرافديني من خلال اللوح وطريقة الرسم باشكال انثوية داخل مربعات ومستطيلات وهي استفادة بلا شك من الختم الاسطواني ورسوم الشيء الكثير ولعل الحسنة الاكثر بروزا لهذا الرسام انه يسير لوحده في هذا التيار العارم من التجريب والبحث الفني ومن الجيل التالي رسامون ظهروا في السبعينيات والثمانينيات منهم فاخر محمد وعاصم عبدالامير وكريم رسن وضياء الخزاعي وكريم سيفو وقاسم سبي, وهذا الجيل قد هضم جيدا التجربتين السابقتين له فمنهم من حذا نحو الواقعية ومنهم من حذا نحو التجريب ومنهم من اخذ يولف بين الواقعية والتجريب, وبين التعبيرية والتجريد كذلك يزاوج بين التراث والمعاصرة فجاءت النتائج مشجعة حيث ان المتلقي استطاع ان يجد ضالته في بعض النماذج الفنية التي اعتمدت الواسطي وجواد سليم مثل تجربتي الفنانين, فاخر محمد وعاصم عبدالامير اللذين اسسا لنفسيهما مشروع اللوحة التراثية المعاصرة ان جازت لنا التسمية فرغم نشاط اللوحة باتجاه التحديث الا الزخرف الاسلامي والالوان الاسلامية والنسيج الشعبي والبساط والحيوان الخرافي ورسوم الاطفال والرسوم البدائية, انه خليط قد يبدو غير متجانس الا ان النجاح في بعض المفردات قد اصاب الهدف لديهما مثلما اصاب الفشل بعض تجاربها. النحت كما في الرسم فان النحت له مشروعه الذي يبني عليه منجزه التشكيلي علما ان الخطاب النحتي, خطاب عميق في التاريخ فالنحت العراقي ولد مع فجر حضارة وادي الرافدين وهو الذي امد البشرية بنور المعرفة وحفظ لها الكتابة والوقائع والاحداث ولسنا هنا بمعرض الحديث عن تلك التجارب ولكننا نقول ان النحت العراقي وليد مكانه وبرغم ان الانسان يتطلع الى ان يقرأه الاخرون بعيون العصر فان النحت العراقي المعاصر قد استلهم رموزه من التراث ومن المدارس الفنية الغربية, فهو شأن الرسم معني بالتزاوج والتلاقح فتجربة الفنان الرائد, نداء كاظم النحتية هي تجربة تنتمي الى التراث المعاصر, ليؤكد هويته فيها وهو الفنان الوحيد من بين المشاركين الذي حرص على الهوية المحلية برغم ان اعماله تنحو المنحى التعبيري. اما اعمال الفنانين عبدالكريم خليل وسلمان راضي وعلي رسن فقد نحت المنحى الغربي دون ان تعطي مجالا لمراجعة منجزها كما ان الفنان سلمان راضي والفنان علي رسن قد تأثرا تأثرا كبيرا بتجربة الفنان اسماعيل فتاح الترك فجاءت اعمالهما كأنها مستنسخة عن اعمال الترك. خزف الخزف العراقي موغل في القدم ايضا وقد عرف العراقيون القدماء الخزف منذ فجر الحضارة حيث استعمل كآنية للطعام والشراب وحفظ ما يحتاجونه من مواد فيه ثم تلت هذه المرحلة مرحلة الاستفادة من الخزف كمواد زينة. اما خزف اليوم هو موضوع معرضنا, فانه يختلف عن التزيين او الاستهلاك او الصناعة اذ هو خزف ينطق بالافكار ويقول قوله شأنه شأن الرسم والنحت وله فنانون استطاعوا ان يعيدوا للخزف هيبته ووقاره بعدما اصبح سلعة تباع وتشترى باقل الاثمان فضاعت قيمته الفنية والجمالية, وقد احيا فن الخزف في العراق فنانون اخلصوا لتجربتهم منهم الفنان ماهر السامرائي الذي استطاع ان يمنح قطعة الخزف طاقة تعبيرية ويوظفها الى جانب الفنون الاخرى على انها قطعة فنية نفيسة فهو لا يصنع آنية فخارية او مزهريات ورد بل هو يعمل قطعا فنية تحمل المشاهد الى العهد العباسي بألوانها الفيروزية الترابية الموشاة بخطوط ذهبية وقباب ورسوم اثرية مع ان تقنية السامرائي تقنية خاصة جدا فهو يستخدم عدة مواد كما انه يشوي القطعة الواحدة عدة مرات. بقي ان نعرف ان هذا المعرض وان كانت النية طيبة في اقامته الا انه لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يمثل كل تجربة التشكيل العراقي مثلما ارادت القاعة ان تقوله وانما جاء المعرض ليقول ان هذه هي بعض التجارب المختلفة والمتنوعة لبعض الفنانين ومن مختلف الاجيال جاءوا الى هنا وحملوا معهم عدتهم لدخول قرن جديد من اجل تصعيد الجدل والتنافس واحياء ما امكن احياؤه في خطاباتنا المعاصرة.