حققت الاتجاهات الفنية المتعاقبة في اوروبا نهاية القرن العشرين فيما حققت الاجيال التي تبنت طروحاتها وفلسفتها تحت شعارات مختلفة ربطها التجديد والابتكار والتجاوز في الاختيارات المكثفة التي جعلت الرأي العام غير مستقر على طرف من الأطراف وخاصة فيما بين الذهنية الصرفة (للفنون الذهنوية)، التي عمت ستينيات وسبعينيات القرن العشرين و(الارباك العاطفي) للتعبيرية التجريدية.. وبغض النظر عن اقتراب وجهات النظر المختلفة من الحقائق أو ابتعادها عنها إلا أنه لابد من التصريح بوجود أزمنة فنية في العالم اقتضت هذه الانقلابات الخافقة فقد كتب مارسيل دوشامب في العام 1962 رسالة الى هانز ريختر قائلا: (هذه (الدادا) الجديدة التي يسمونها (الواقعية الجديدة) والفن الشعبي, والتجميع, الخ.. ان هي الا وسيلة سهلة للخروج من المأزق, وهي تقتات على ما اقتاتت عليه الدادا, حين اكتشفت (أشيائي الجاهزة) كنت أهدف إلى تثبيط الجمالية, وفي (الدادا الجديدة) استعاروا اشيائي الجاهزة, فوجدوا فيها جمالية فنية.. لقد رميت القناني والمبولة في وجوههم تحدياً.. واليوم يؤخذون بها إعجابا بجمالها الفني) . (الدادا ـ الفن ضد الفن ـ هانز ريختر) (في الستينيات ـ بدا كأن الفن ـ في الأقل ـ ذلك النوع الذي حظي باهتمام اكبر ـ قد تصدى بذاته لمواجهة مشكلة تنقية النائي (في ذاته) مما هو غريب فقط, مما هو متنافر, مما يصدم اجتماعيا فالتجميع والشعبي والبيئي والبصري والحركي, كل أنواع الفن غير المألوفة, تبدو وكهنيهات كثيرة في سباق حل المشكلة التي تبدو انها اليوم على شفا الحل, في صيغة ما يسمى (البنائيات الاولية) أو (الفن المقلل), والظاهر ان الفنانين المقللين قد أدركوا اخيراً بأن (النائي بذاته) ينبغي أن يكون نائياً كفاية بذاته.. وان هذا يعني النأي إلى أبعد مايمكن) . لقد ساق ادوارد لوسي سميث هذا المقطع على لسان جيرنبرنج في كتابه ما بعد الحداثة للتأكيد على الغاية من النأي والابتعاد عن الجذور التقليدية لماهية الفنون التي تعتبر الاجماع العام عليها بمثابة قدسية لايمكن أن يطالها التغيير, بما تحققه من تناسق في هوية تحققها ووجودها, وما تسعى هذه القدسية لتحقيقه من صرامة كانت هدف فنون التغيير منذ الستينيات وماتلاها تأكيدا على صراع الانسان الوحيد في هذا العام ومواجهاته التي اضحى عليه أن يجد لتحقيقها باعتبارها هدف خلاصه ومحور ابداعه الذي عليه ان يعيد صياغة ابتكاره من جديد. آلات حادة التشكيلي حسن شريف الذي درس الفنون الجميلة في مدرسة (بايم شو للفنون) في لندن ـ بريطانيا منذ نهاية السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات كتب شهادته التالية في الكتاب الذي حرره عن تجربة الامارات (آلات حادة لصنع الفن): (أحسست ابتداء من عام 1982 ان الكثير من اللوحات التشكيلية سواء الانطباعية أو التجريبية التعبيرية في كل مكان بدأت تفقد أهميتها لدي, إذ لم أعد أحس بأي متعة بصرية عند مشاهدتها. وشعرت بأن هناك فجوة بين اللوحة وبين النحت التقليدي, ويجب البحث عن العمل الفني في هذه الفجوة, ومنذ ذلك الحين بدا لي إن العمل الفني ليس هو اللوحة ولا النحت بل هو (شيء آخر) هكذا حاولت ملء هذه الفجوة. كل تجربة قادتني إلى تجربة أخرى, واعتقد أن جميع الاعمال التي انتجتها منذ عام 1982 وحتى الآن هي تجربة واحدة مستمرة, وأحيانا أعود إلى بعض الاعمال القديمة التي كنت قد عرضتها سابقاً واستمر في استكمالها بعد توقفي عن انتاجها لسنوات طويلة.. صنع هذه الاعمال هو عبارة عن فعل واحد متكرر دون توقف, ولا يتطلب جهداً عضلياً ولا أي انفعال جسدي آخر, نحن هنا بحاجة إلى حركة اصابع اليدين فقط, وهذه الحركة شبيهة بالعزف على آلة وترية, ولكن الفارق انها تعزف بدون مهارة لانه عزف على وتر واحد متكرر وبدون توقف. الميزة الأخرى لهذه الاعمال هي انها تفتقد لبداية ولنهاية, لهذا فهي مستمرة إلى الابد, وتظل تشبه النموذج الاول دائما, واحس خلال انتاج هذه الاعمال انني وصلت إلى ادنى قدر من (الانتباه) حيث يتحول العمل إلى (عملية آلية أو أوتوماتيكية) لهذا فهي ليست منظمة, بمعنى أنني قد أرتكبت العديد من الأخطاء اثناء العمل, ولكن هذه الاخطاء تساعد العمل في النهاية, وهي تختلف عن اخطاء (الفن النظامي) الذي هو رياضي لاشعوري بينما هذه الاعمال شعورية وحسية لكنها تفتقد إلى (الانتباه) الذي يرافق عادة أي عمل فني.. هكذا أرى ان الاخطاء في عملي تتحول إلى جمال. قد تتشابه هذه القطع, ولكنها غير متكررة. كل قطعة لها خاصيتها لأنها وجدت في زمنها الخاص, فكل غرزة ابرة اثناء ثقب الورقة تختلف عن الغرزة الاخرى لان زمنها مختلف.. تأمل ـ مثلا ـ حركة ابرة ماكينة الخياطة.. انها حركة قصيرة وسريعة جدا, وهي بذلك تختزل الزمن الامر الذي لانجده في ضربات الفرشاة أثناء الرسم لصنع عشرين ثقباً أو أكثر.. نحن لا نحتاج إلا لثانية واحدة (طلوع ونزول ابرة ماكينة الخياطة) لكن الاختلاف بين غرزة واخرى هو اختلاف في الزمن, حتى اذا كان في أجزاء من الثانية.. بالرغم من كل ذلك فإن هذه الاعمال استغرق في صنعها عدة شهور.. كم من الوقت (اهدرت) كي انتج هذه الاعمال؟.. قد يفكر المشاهد انني (اهدرت وقتي) ولكن في الحقيقة فإن الناس ينشغلون وينهكون في اعمال يومية مكررة قد يطلقون عليها (واجباً يوميا) دون أن يفكروا أنهم احيانا (يهدرون الوقت). الحياة تأمل متواصل ويواصل التشكيلي حسن شريف: (انني اثبت اوراقاً أو اتخيل لاغير, نعم لقد اهدرت الوقت في التأمل.. ولكن أليست الحياة تأملاً متواصلاً) . اذا كان يشير حسن شريف إلى فرديته في انتاج عمله محيلاً الامر الى فنون الانساق لا المواد باعتبار الزمن المتغير الرابط الاوحد, فإن الدعوة إلى ايجاد الأفكار كانت هي السابقة على توصيف تحولاته التي استفادت من فضاء تحققها كمفهوم ومن فردانية منتجها كموضوع غالبا ما أشار حسن الى غيابه رغم ان الاشارة واجبة الى تحقق فردية الفنان كموضوع أولي للعمل الفني المنتج. ان الوصف الابتكاري لما يحققه الفنان إنما هو صدى لرغبة تغييرية جامحة طالت أحاسيسه وأفكاره في الاتجاه الذي في الغرب حيث كان النصف الثاني من القرن العشرين صدى لحركات بصرية وفكرية غاية في الضآلة تواترت في تحققها بسرعة (التعبيرية التجريدية, التجميع والتجهيزات الفراغية, البوب والفنون الشعبية, الفنون الذهنوية, فنون مافوق الواقعية, التعبيرية الجديدة, رسم اللون, الادب آرت والفنون البصرية, الفنون الحركية, التقليلية) وكل ما يمكن أن نشير اليه من تطورات نشأت فيما بين هذه الفنون بالتماس معها أو التقاطع مع افكارها, إلا أنه لا يمكن لاحد أن ينكر الامتداد الطبيعي لهذه التوجهات في بعضها حيث يكون الانقطاع خروج على معاني التاريخ ووقوع في مطبات الصدفة والمفاجأة, فالتعبيرية التجريدية ـ مثلا ـ تمتد إلى السوريالية, بينما يمتد فن التجميع والفن الشعبي إلى ما قبل السوريالية (الدوائية), ويمتد الفن البصري (أوب آرت) إلى الباوهاوس, أما فنون التقليلية فتجمع الدادا إلى البار هاوس, وهكذا أضحى لنا الحق أن نشير إلى أن الفن قد راوح في مغامراته المتلاحقة هذه بين (الشخصاني المتطرف واللا شخصاني) في صراع الانبعاثات الاسلوبية على حساب المضامين والتي باتت منبوذة. الناقد والمؤرخ ادوارد لوسي سميث الذي اجتمعنا معه (أنا وحسن شريف) في عضوية تحكيم بينالي الشارقة الدولي الثالث للفنون يرى (إن المحاولات المبذولة لتصنيف فن الثمانينيات من هذا القرن كـ (ما بعد الحداثة) وليس حداثة) لم تكن مقنعة, فحتى الفن الذي يتمرد على مقاييس الحداثة القائمة لايزال يعترف ضمناً بالتقليد الحداثوي المتواصل, فالتجديد انما يتخذ له موقعاً داخل الاطار العام المؤسسي, وفن هذا العصر تميز أكثر ما تميز في الانطلاق بالافكار القائمة فعلاً إلى آفاق أكثر تطوراً لا إلى ابتكار جديد.. هذه العملية من المبالغة والتحجر ولدت عددا من المواقف المتضاربة جدا إزاء الفن والفنانين في اوخر القرن العشرين) . التجريد والمغامرة ان تأكيد حسن شريف على الزمن الذي ينسج منه بقاياه البصرية والتي تتكرر (ايقاعياً ونبضيا), هذا التأكيد يحمل في طياته تخيلاً جديداً للعمل التشكيلي العربي, إذ لم تستطع أروقة الفنون أن تقدم مثل هذا الحماس اللاتقليدي لإذكاء روح التجريب والمغامرة الابداعية ـ وخاصة ـ فيما يهم اعادة الاعتبار المجتمعين للفنان بعد أن نأى به عمله الفني ورماه خارج لعبة الفن أو ما نطلق عليه عادة مختبر الفن المولود للأخيلة الفنية. الفنان الذي يمنح ذاته كلياً للتغيير, يصطدم بقوة ومنذ الستينيات بالمتلقي المندهش بالتطورات العلمية والتقنية, ما أدى به للخروج من ساحة الفعل الابداعي كمشارك فعلي ليتحول إلى ممارس وهمي لنظام الابداع الجديد بعد أن بدأت تستلب ذاكرته محطات التطور التقني في خطة لتغيير امكاناته التخيلية لاستبدال نظام الرؤية التقليدي بنظام جديد لا يفترض الشكل هدف العملية الفنية وانما الموقع سواء أكان هذا الموقع واقعياً أو مفترضاً. وهكذا اضحى الفنان ايضا كمنتج للمادة البصرية ومركز التغيير والبث الذهني, اضحى مولدا لرموز تمثيلية يبثها الى زمان وفضاء المتلقي بدلا من التوجه إلى المتلقي مباشرة. وهذا مافعله حسن في اسلوب بناء لغته المتكررة والتي تخضع ليس لسلطة الزمان وحسب بل وسلطة المكان أو الحيز الذي يتجاذب سرديته البصرية مع فضاء مشترك لكل من العمل المنتج والفنان الذي اعتاد قراءة متخيل الانسان بلغة الصمت الاسطورية التي تقوده في نسيج بصري لا نهائي يطليه التراخي.. وقد كتبت منذ فترة اننا اذا افترضنا ان حسن شريف يعتمد (الزمن المتراخي) أو (الزمن الاكثر شداً) . لتقديم عمله الفني, فإنه يعتمد على تكرار وتطويل المادة العادية التي يستعملها, في مقابل تكثيف اللغة غير العادية التي يركز عبرها سرده للتحدي الظاهر لفضاء العمل الفني, ومكونات المتلقي الثقافية, وبنية الدلالات في لغتة البصرية, لبناء نسيج الرؤية المفتوحة على جماليات الراهن الفلسفية, وحركية المستقبل التائهة بين الانتاج والاستهلاك كمفهومين نقديين يعتمد عليهما الفنان لفهم (العصر) و(الفضاء الفني) لضجيج الحياة, وعواطف الذاكرة المبتورة عن حاملها الاساسي. إن (الشيء) أو (العمل) أو (التنصيب) الذي ينتجه الفنان, هو في مؤداه صورة مرئية, سواء علقت على الجدار أو تكبلت في الأرض, أو ضمن علبة مغلقة أو في وسط نهر جار أم على حافة جبل شاهق فهي علاقة سيميولوجية مبنية على (علاقة مادة التعبير باشكال التعبير) وعلاقة الاثنين بمضمون ورسالة هذا التعبير.. وهذه الاشارة, أو مجموع الاشارات انما تحاول فتح الباب واسعاً على إغراء المشروع الناهض لسلطة المكان. في تصريحات الفنان وشهادته المتواصلة, كان يؤكد على نفي الصورة التي باتت موئلاً فاصلاً للتعبير في زمن العراء التقني, وتقف هذه الشهادات لتبتر الاتصال بصيرورة الصورة (المرجع التشيكلي البصري) والمفسر الأول (للحيرة الروحية) التي عانى منها الانسان في تطوره الحضاري, ويقع هذا النفي للصورة في اطار تعويضي غربي مارسه الفنان في اوروبا وامريكا لتعويض الشحنة العاطفية الذاتية التي فقدتها الانسانية وهي تبني الحياة الموازية لوجودها, ليس عبر الطبيعة وقوانينها بل عبر قوانين الوهم والافتراض المفتوحة على المستقبل وعلومه والانحياز بلهفة الى المفهوم لتأمين اعلى سرية من الاتصال الجمالي المسحور بالانسلاخ عن النفعية, وبطبيعية الحال فإن نفي حسن شريف لهذه الصورة اضافة الى التأثر بالحركات الغربية وتوجهاتها, انما يشير الى التأزم الحضاري الذي يعيشه المثقف العربي الحائر في توجهه ما بين اشراقات روحه وبصيرته, وبين الانفتاح على متغيرات العصر في مجالات الفنون المجازية. انفجار العصر من الذي يفكك العلاقة بالجمال التقليدي؟ وهل النظر إلى الفن في العالم بات سلفياً, أم أن ما ينتجه الفن اليوم يعبر عن واقع مخالف للاسس التي أدت سابقا لانتاج الفنون المعروفة التي حازت على حميمية المشاهد وتعاطفه.. وهل تشكل اعمال مثل اعمال حسن شريف تحديثا للذوق العام بدعوتها للخروج على أعراف العرض والتلقي خارج اسوار المتحف التقليدي.. تصور جديد يعكس اغتراب الذات في واقعها بنتيجة تعقد العصر وتشابك مفرزاته الايديولوجية والفكرية, هكذا تنظر إلى حسن شريف كفنان يسيطر عليه انفجار العصر.. ليس الفن متاهة طالما الفنان هو الوعي الداعي الى الحياة والرغبة بها. الانسان, الصحراء, البحر اقانيم ثلاثة تشكل محوراً لمضوعات الفن في الامارات, وكل ما ينتجه الفنان حسن شريف ومجموعة الفنانين الذين ينتجون أعمالهم في الاتجاه الذي يمضي به انما ينتجون اعمالهم من وحي هذه الشساعة وهذا العمق وهذا البعد اللامتناهي للبحر واعماق الصحراء.. الانسان في مواجهة الفراغ, والانسان في مواجهة العمق.. مواجهات تضع الفنان في مواجهة قاسية مع رغبتهم بوعي المجتمع السائر نحو الاستهلاك وعالم ما بعد الحداثة كعالم جديد.. انها محاولة لاحياء الذاكرة وربطها بالانتماء بلالئ البحر ورمال الصحراء التي تغطي اطراف الحياة. يقول حسن شريف: لقد كان لدراستي في بريطانيا تأثير كبير على فني وفكري.. كان ذلك في العام 1979 واذكر المحاضرة الاولى في الفترة التمهيدية.. لقد رأيت شرائح فيلمية لفان جوخ وسيزان والانطباعيين وغيرهم.. وفجأة رأيت أعمالاً كمارسيل دو شامب وكازيمير ماليفيتش الامر الذي دعاني للتساؤل مباشرة. لماذا ينتج هؤلاء اعمالا بهذه الطريقة.. لقد بدأ بحثي حينذاك في اعمال دو شامب حتى آخر سنة دراسية وقد كان بحثي النهائي عنه.. لقد تعمقت كثيراً في اعماله وكونت بذلك حسن شريف الذي ينتج اعماله.. لقد أوفد الكثير من الفنانين الى العراق ومصر وسوريا وامريكا وبريطانيا.. وعادوا.. ألا يحق لهم ان يجربوا بعد الدراسة وبعد كل هذه الفترة من الدراسة.. هل نقول أن هذا الفن ينتمي للغرب وعلينا ألا ننتجه؟ مجرد التساؤل اعتبره عرقلة لمسيرة الفنان من الناس.. انهم يتهمونني بالغرب دائما ولهذا أقول: كل رسام انطباعي أو تسجيلي يتعامل مع عناصر اللوحة الغربية ويجب ان نعترف بأن اللوحة بمفاهيمها الجديدة هي عمل غربي ولابد أن نتفق على ذلك. معرض رباعي وحول ما أثير عن جماعة تقتدي بفنه المخالف والمغاير يقول: لم نحاول أن نؤلف جماعة.. بمعنى لم يكن هذا الهدف سابق لوجودنا انها محاولات لخمسة أو ستة اشخاص نناقش قضايا الفن وقد بدأ التفاهم حين كنت اعود في الصيف.. في 1983 اقمنا معرضا (موجب سالب (+ و ـ)) في النادي الاهلي بدبي وكان معي حسين شريف وعبدالرحيم سالم وعبداللطيف الصمودي وقد حقق هذا العرض الرباعي اعمالا مختلفة لكل منا, بعد ذلك لابد من تذكر مرسم المريجة في الشارقة حيث اقمنا انا وعبدالرحيم سالم معرض اليوم الواحد بالاضافة الى تواجد مجموعة من الشباب اذكر منهم خالد بن عبيد, نجوم الغانم, احمد راشد ثاني, ناجي الحاي, انهم الآن في الساحة الابداعية, والثقافية سواء في المسرح أو الشعر أو غيره.. لقد اقمنا معارض في السوق المركزي في 1984 وقد استثمر نشاطنا بالمشاركة في المعارض البيناليات خارج الدولة وكنا نسجل حضورنا المتميز داخل الدولة أيضا. الفن لغة لها رموزها ودلالاتها, واللغة تقود الى المعنى والجوهر والعلاقة فيما بين الشكل والرمز والجوهر تستلزم استنفار الوعي لتحقيق التجانس اللازم والا سيضحي العمل الفني خارج امكانيات هذه اللغة. أي خارج امكانات التعبير وسيغدو خطابه ليس على مقدار هيئته بل على مقدار الفراغ الذي يحيطه غياب المعنى الذي ينفي وجود المتلقي كمفكر يتعقب الشكل والرمز والجوهر في هذا الاطار فلكل فن من الفنون وظيفته التي يؤديها وهذه الوظيفة هي التي تجعل الفنان يلجأ إلى اسلوب تعبيري دون آخر يدور في تقلباته ليضع يده على ما احتجب من موضوعات أو كل ما يتحدى التصور والخيال. في العالم 1985 أو 1986 كانت طاقتي باتجاه انتاج اعمال مملة, وقد انتجت اعمالا من المستحيل ان أقوم بانجازها حاليا ولهذا فأنا احتفظ بها. لقد كان انتاجها اشبه بالعزف على وترين بشكل متكرر وممل فعلاً, حاليا يختلف الأمر عن العام 1986, الان استخدم الكرتون المستخدم سابقا لأعمالي الاخيرة التقطت موادها من الشارع, إنها مجموعة (كراتين) لمواد مستهلكة, حتى الاشارات والماركات ابقيت عليها ولم اغطها واستخدمها دون الاشارة إلى ذلك لكني امنحها الموضوع والبعد الفني.. ما انتجه اسمية اشياء وليس عملا تركيبيا ورغم توفر المواد في البيئة الا اني لا أسمي ما انتجه فنا بيئيا.. قد يكون الفنان محمد احمد ابراهيم أقرب إلى فنون البيئة فهو يتعامل مع الشجر والحجر والامكنة.. وكذلك عبدالله السعدي الذي يتعامل مع المكان (المقهى في خورفكان). البحث عن الجديد ويستمر حسن شريف في حديثه قائلا: التغيير موجود, ومن الصعب ان احدد الجديد في اعمالي, وقد ترون انها منذ عشر سنوات مازالت كما هي, واليوم يمكنكم متابعة الجديد لدى غيري كمحمد كاظم الذي يتحدث عن السير الذاتية والصور الفوتوغرافية.. انا لم اتطرق الى كل هذا.. الآخر يتابع الطريق بالتجديد فيما بدأته. واعمالي ستبقى كشيء يذكر وليس في اهتمامي مطلقا البحث عن الجديد. ومن يبحث عن الجديد عليه ان ينظر الى الفترة الزمنية منذ العام 1983 وحتى اليوم.. ومادام الغد سيأتي فإني انتج الجديد وهنا لا بد أن أنوه بكتاباتي والجوانب النظرية التي اعمل عليها, لقد استخدم حسن شريف العلب بشكل مخالف وجديد لم يخطر على بالي مطلقاً واقوم بعرضها بأسلوبه الجريء.. عبدالله السعدي ومحمد احمد ابراهيم وغيرهم كمحمد يوسف مؤخرا وكذلك عبدالرحيم سالم الذي تراجع كثيرا قدم أعمالا يتجاوز فيها نفسه.. السائد ممل وطبيعة الفن أن تتمرد وتقول ماهو مخالف للسائد, نحن نريد أن نقول ان هناك عقلية مملة ونظرتكم مملة وبصيرتكم مملة, ولعلنا لسنا على خلاف مع كل من يحتقر الفن الذي ننتجه لكننا ندرك ونعلم بأن ما يحتقره الآخرون هو الفن ولابد من نشره. انا اطبق كافة تعاليم تعلم الفن على المبتدئين وقد حدث ان حمل بعض الشباب اي شيء لعرضه وقد واجهتهم بالصد... أمر آخر لابد أن ننوه اليه, المتحف, متحفنا تقليدي, بناؤه تقليدي, لم استطع ان اعرض عملاً لمحمد كاظم مؤلف من رمل وتراب قالوا لايمكن عرضه, وقد اضطررنا لادخال عناصر على العمل غيرت من تركيبته. نحن نطالب بمتحف للفن المعاصر إلى جانب هذا المتحف التقليدي او بناء ملحق له للفن المعاصر يسمح لنا عرض اعمالنا التي لاتتعامل مع مسمار على الجدار, فنوننا تنظر إلى المكان بشكل مختلف, ونحن نحترم ماهو موجود ولكننا بحاجة إلى مكان طبيعي لاعمالنا كي لايستغربها الناظر اليها.. الفنون ليست يقينية, ومازلنا نمشي في الطريق الصحيح. إن ما يقوله الفنان حسن شريف يعبر تماماً عما جرى في ابتعاد الاطراف عن المركز في الغرب (لينال اللامألوف اعتراف الجمهور الشاب حيث طفى الفن الشعبي على الفنون الاكاديمية وعمت طرز الفن الحديثة. فنون ما بعد الحداثة عادت وتطاولت على الحركات النقدية باعتباها الوسيط وقد قللت من الاهتمام بها وبأهمية الناقد ودعت الى تشويش الحواس وتقديس التكنولوجيا, وقد يكون الفن اتجه في اوروبا منذ الستينيات نحو الديمقراطية ليتحلل من ماديته لهذا يقول الناقد الفرنسي (بيير رستاني) بنبذ المفهوم القديم للشيء المتفرد أي (النتاج المترف) للاستخدام الفردي (يساهم الفنان في اختراع لغة جديدة للاتصال بين الناس وبالتنصل من دوره الملتبس أو الغامض بكونه مغامراً هامشيا ومنتجا مستقلا اصبح الفنان مهيأ لتأدية دوره المهم في مجتمع المستقبل (ألا وهو تنظيم الفراغ) . البداية من الذات لقد كانت الوجودية فلسفة انسانية بحسب سارتر الذي اشار منذ العام 1946 إلى ضرورة الاقرار بالمبدأ الاساسي لفلسفته التي تقوم على أن (الوجود يسبق الماهية) أو إن شئنا القول ان علينا البدء من الذاتي, وقد حقق هذا الانقلاب في حينه مفهوم موقع الفنان من عمله ومن مجتمعه (تبني الموقف الوجودي) والبدء بالميل باتجاه اعتبار الفردية موضوعاً اساسياً للعمل الفني, وقد اكد (جوزيف بويز) فيما بعد على أهمية الفردية كموضوع فقد كانت الأشياء تشهد على سياقها الخاص أكثر من كونها اشياء (تحاول ان تستقبل بذاتها, فهي ممتعة مادياً ونفسياً لاشكلاً وتكويناً) فبويز ـ حسب ادعائه ـ متكافىء مع المجتمع وليس جزءاً منه. واذا كان الجمهور عندنا مازال كما يذكر حسن شريف ينظر بتردد الى أعماله, فإنه لابد من العودة إلى الاسلوب الذي نظر الجمهور في الغرب إلى الاعمال المماثلة والاسباب التي دعت لاحتضان هذا النوع من الفنون هناك, وبغض النظر عن الاسلوب الذي اتبعته امريكا في سحب البساط من تحت اقدام أوروبا كمنتج تقليدي للفنون فإن اوروبا الخارجة من الحرب الثانية كانت تسعى لاعادة الاعتبار للفن والفنانين خاصة فيما اعتبر تكفيراً عما اقترفته النازية بحق الفن!! ويشير الناقد ادوارد لوسي سميث إلى ذلك مضيفاً: (بأن الجمهور كان مهيئا لهذه المعارض كمفردة من مفردات الامتاع الجمالي وأضحى الفن بذلك حدثاً إعلاميا وجزءاً من صحافة العصر اضافة الى الكتب المختلفة التي ساعدت على تثقيف الجمهور بل إن الفن بعمومه كان يخوض الى جانب تأمل الذات اسطورة الحداثة التي ورثت مما قبل الحرب. وهكذا اصبحت المعارض الدولية الكبيرة على صلة وطيدة برعاية الدول (بينالي البندقية.. بينالي الشباب في باريس ـ بينالي ساوباولو ـ دوكومنتا كاسيل في المانيا) وأضحت هذه المعارض مجال مفاخرة دولية, فسعت الدول النامية لتقليدها خاصة والثقافة التقليدية في هذه البلدان في انحسار وتراجع مما جعل المثقف يقتدي بأمثلة واضحة استمدها من الطرازين الاوروبي والامريكي وهذا ما جرى في اليابان وامريكا الجنوبية. (جيرويو شيها ـ التجريدية اللانمطية وجداريات دييجو ريفيرا في المكسيك). إن حسن شريف وهو يشير الى اهمية كتاباته النظرية في توطيد دعائم تجربة مجموعته انما يحاول ان يستمد القوة والحضور من الشواهد التي يكرر على مسامعنا تأثره بها وتفكيره بمؤداها ولهذا فقد كتب في (الفن الجديد) عن دونالد جود: (بالرغم من ان النقاد يهاجمون اعماله, يصر دونالد جود على أن ينتج اعمالا غنية في الصراحة والمباشرة عن اعمال التعبيرة التجريدية. ويعتقد دونالد جود بأن الاعمال الحديثة للاوروبيين من سيزان الى بول كلي وحتى تجريدية كاندنسكي بالاضافة الى اعمال التجريدية التعبيرية, تخلق عند المشاهدة عادة سيئة وهي أنه ـ أي المشاهد ـ يتعذر أن يرى العالم بطريقة صحيحة لأن هذه الاعمال ـ أي الاعمال التي سميت حديثة ـ تخاطب شبكية العين فقط, ـ هذه الاعمال تشجع المشاهد ليفكر بطريقة ايقونية, ويتعذر عليه قبول العمل الجديد لانه يفكر دائما في موضوع العمل أو طريقة مزج الالوان, حتى في حالة اعمال كاندنسكي ـ وعلى المشاهد أن يضحي بهذه الاشياء (مثل الموضوع وطريقة المزج اللوني التي تخاطب شبكية العين من اجل الوصول الى شيء آخر وهو (الصرامة والمباشرة) ). يرى بعض النقاد ان تصويب التصور نحو الجمال مسبقاً هو طرد للامعقول ونفي للعبث والفوضى وليس من الصواب القول بأن الفن المعاصر هو محاولة للانفلات بل هو خط معقولي يستعمل الطاقة الابداعية الهائلة للوصول الى العقلانية. والاعمال المجسدة للاشياء تكتسب قدرة هائلة على التحريض التصوراني وعلى التشكيل والتشكل والانتظام والتغير ضمن الاسس الجمالية التي تعبر عن روح العصر القلق وروح العصر المتوثبة نحو الكمال والابداع. وكل ما نراه مجتمعين سنكون قادرين على وصفه انه اذن في اطار المعقول وامكانات اللغة الفنية التي لا تكتفي بالحسن والبهاء والجلال بل وانكشاف العقل على كافة وسائل التعبير, والجوهر المحتجب بوجود العمل الفني المادي الظاهري والذهني الرمزي الذي يساعدنا على التصور. الرحلة إلى الشرق يقول حسن شريف: اشبه نفسي باحدى اعمال هيرمان هيسة (الرحلة الى الشرق) انها مجموعة مسافرة من الغرب إلى الشرق, هدفهم واحد ونحن كمجموعة تمتلك هدفا واحداً هو تغير المفهوم السائد عن الفن البصري.. ونحن كمجموعة هيسة, هدفنا واحد ولكل منا خصوصيته, في مجموعته من يحب جمع الثعابين, وآخر يحب البحث عن الحشرات وآخر يقف امام نهر ويتأمل.. اننا نؤكد على المحلية.. بل يمكن القول جازما بأننا أكثر الفنانين التزاما بهذه المحلية الدقيقة.. اعمال السعدي مبنية على شرط محلي (رسائل أمي).. محمد يوسف وانا وبقية الزملاء أوفياء لهذه المحلية وللاشياء المحيطة بنا والموجودة قربنا. غايتنا دمج الفن والشعر والمسرح والموسيقى والسينما. والسياسة والاعمال ببعضها البعض, نحن اكثر شمولية حين ندعو الناس لمساعدتنا في انجاز عمل فني, هكذا ينخرط المجتمع في الفن. نحن لا نتقوقع في استوديوهاتنا وورش عملنا.. نحن نسجل الواقع.. بل نحن مع الواقع وتفاعلنا معه اشد. حسن شريف يدفع الافكار القائمة إلى آفاق اكثر تتطورا, اكثر مما يحاول أن يقدم ابتكارا جديدا, وكما حاول وارهول في العام 1946 (تسوق الغامض) بالاشارة الى تحولات الانسان نحو تسليع الفنون في صناديقه فإن صفة التحدي للمجتمع لم تفارق أيا من الانقلابيين الذين ازاحوا الفنان عن موقعه المجتمعي والوجودي.. فصفة الانقلابية صفة لازمة في التحدي الذي اشرت اليه في اكثر من موقع وقام الفنان حسن شريف بالاشارة إليه برفض الحرفة في العمل الفني حيث يكون الشرط الوحيد لانتاج الاشياء هو الوعي فقط. كما ان هذا التحدي مستمر من مواقف الفنانين في الغرب الذين دعوا لعدم الجبن ازاء التغيير ولهذا ينقل حسن شريف ما كتبه مانزوني ويثبته في كتابه (الفن الجديد): (العيب الوحيد الشائع بين الكثير من الفنانين هو نوع من الجبن العقلي, وهذا الجبن العقلي يمنع هؤلاء الفنانين من أن يلعبوا دوراً اكثر جدية في عملهم الفني. هذا الجبن يجعلهم بلداء في حياتهم, وهكذا في عملهم وفي رؤيتهم فرؤية هؤلاء الفنانين للفن رؤية غامضة ومبهمة, وهذه الرؤية تنعكس في اعمالهم ولهذا السبب فأعمالهم ناقصة ورديئة) . الدعوة للحوار مع حسن شريف مستجابة دوماً, وهو يبدي جرأة كبيرة في طروحاته حول الابداع والوعي بظروفه التي تقتضي غالبا رفض النظم والتوازنات والثوابت التقليدية للعمل الفني ورؤية العالم بشكل مخالف للمخاطبات البصرية المتعارف عليها.. إن حسن شريف وهو يمتحن مشاهدتنا البصرية للعمل الفني يفاجئنا بإعلاء لهجة الصمت, لغة التبادل المعلوماتي ما بين العمل والمتلقي .. انها مرحلة تبادل الاسرار.. والبساطة المفرغة من معانيها الباطنية.

