في روايته الجديدة (عندما كنا يتامى) يتحدث الروائي البريطاني من اصل ياباني (كازو اشيجورا) عن بريطانيا الثلاثينيات وعن (كريستوفر بانكس) وهو ضابط مباحث من الطراز الاول تحدثت عنه لندن بأكملها وعلى الرغم من ذلك ظل محاصراً بجريمة غامضة تعلقت به، وهي اختفاء والديه في خضم الاحداث التي شهدتها شنغهاي عندما تنازعت على حكمها كل من الصين واليابان. شنغهاي المدينة الغريبة كما يرى الكاتب التي كانت تتلاشى فيها الاشياء وهي تقف على شفا الحرب. وهناك يضع اشيجورا بطله كريستوفر الذي يجد بلا فائدة في مساعيه الراميه الى العثور على والديه المفقودين منذ زمن بعيد يقدره المؤلف بربع قرن لتبدأ لديهما رحلة البحث عن الهوية. في هذه المرة يبدو اشيجورا وكأنه لايزال يعيش في زمان ومكان قائمين رغم كل ما يحيط به نفسه من مظاهر تتطلبها حياته في مجتمع مثل لندن الاوروبي الذي يوحي بالاستقرار. وكما يقول جمع من النقاد المعاصرين الذين ينتمون الى مدرسة التحليل النفسي فإن اشيجورا يمر بحالة البحث ذاتها التي يمارسها المتوحد كنوع من التعويض.. وبالنسبة لهذا الكاتب المولود في نجازاكي لأم كتبت لها الحياة بعد انفجار القنبلة الذرية سنة 1945 والذي راح ضحيته حوالي نصف سكان المدينة فان هذا يبدو كافيا كمبرر اضافة الى ان القارىء وهو يتمكن من متابعة سيرة حياة اشيجورا سيعثر على الملاحظات العامة الخاصة بالجزء الذي يتعلق بتاريخ الحرب أو تاريخ العائلة وهو ما يعزز التصور المستحدث لشنغهاي, جزيرة برجوازية هشة في بحر هائج مضطرب. وهي المكان الذي قضى فيه والد المؤلف حياته, والمكان الذي ازدهرت فيه مصانع النسيج العملاقة (تويوتا) في ذلك الوقت. أوجه الشبه واذا شاء القارىء ان يجد شبها بين هذه الحكاية وبين رواية الابن اشيجورا فإنه سيجد بلا شك ما يفسر فكرته الشديدة والواقعية. فكريستوفر بانكس هو طفل يتربى في شنغهاي في مطلع القرن العشرين في أسرة تعاني من الاضطراب بسبب الخلافات الناشئة بين الامم والاب الذي يعمل في تجارة الحشيش والافيون. غير أن الهزة العنيفة التي يصادفها كريستوفر تتحقق عند اختفاء والديه واحداً تلو الآخر بعد عجزها عن الوفاء بالتزاماتهما المالية تجاه الاقطاعيين. وفي الوقت الذي يفتقد الصبي اسرته يشعر القارىء بأنه قد افتقد القدرة على التواصل مع هذه الاحداث المستمرة في بلاده بمجرد إرساله على ظهر سفينة متجهة إلى أوروبا ليقيم في لندن بقية حياته. وفي سنة 1937 يبدأ كريستوفر ضابط المباحث الشهير رحلة البحث عن الهوية. وهي الرحلة التي لم تكن في الحقيقة سوى واحدة من المرات الكثيرة التي يتورط فيها في مشكلات الحرب الدائرة على شنغهاي بين العدوتين الصين واليابان. ان هذا التذبذب وتلك المعتقدات الراسخة لدى اشيجورا كلها من الاشياء التي تبدو شبيهة بحكايات العصر الذهبي للرواية البوليسية التي ابدع فيها كتاب كبار مثل (اجاثا كريستي) و(دوروثي ال سيرز) وهو ما يعزز النظرية التي تدعي سيطرة هذا الجنس الادبي على الساحة الروائية بعد الحرب العالمية الثانية. والبطل الذي يرسمه المؤلف في هذه الرواية (كريستوفر) يؤمن بما يسمى في الرواية البوليسية بالعبقرية الشيطانية للجريمة والاضطراب الذي يصيب الصحة العقلية. ولدى اشيجورا تظهر كل هذه الاشياء في صحوة المذبحة بين عامي 1914 ـ 1918. ولعل عملا روائيا مثل (عندما كنا يتامى) يثير لدى القارئ المتفحص ما يجعله يشعر بأنها قصة رمزية اراد بها الكاتب ان تروي قصة حياته كما يشير الى ذلك بعض النقاد ومنهم (توم بولن) . كما تبدو الرواية وكأنها قادرة على منح المزيد من عوامل المتعة والابتهاج التي لا تأتي متابعة الاسلوب الروائي الدقيق شديد العناية بالتفاصيل بل تنجح من خلال التسرب بين عيني طفل في الانزلاق عبر حدود شنغهاي سنة 1910. ولندن سنة 1930 تلك المدينة شديدة التباهي بنفسها وبانجازاتها التاريخية. والصين البلاد شبه المستعمرة التي تعاني من الاضطراب والتشوش. عالم شنغهاي الحديثة ولا تقف الرواية عند هذا الحد بل انها تنجح في كشف المزيد من التجليات والرؤى كعادة المؤلف في الروايات السابقة مثل رواية (بقايا النهار) و(بلا عزاء) ومع ذلك فإن ثمة فارقا كبيرا يفصل بين العمل الاخير وهذه الاعمال السابقة. فبينما ينجح ابطال اشيجورا الاخرون مثل (ستيفن) و(اونو) في مساعيهم الى حد ما, لا يوفق كريستوفر ولا يصل الى معرفة شيئا عن الجريمة التي استهدفت والديه لأنه يتحول الى البحث في عالم اخر هو عالم شنغهاي الحديثة الذي تصبح فيه الشرور شيئا شاملا غير محدد وواضحا كما كان في السابق. ومع ان هذه الرواية التي تظهر احداثها وسطا بين الحقيقة والخيال تجعلنا نميل الى اطلاق مسمى رواية مابعد الحداثة على هذا العمل الاخير الصادر حديثا لكازو اشيجورا, الا ان الرواية تبدو وكأنها لا تحتمل هذه التسمية لأسباب كثيرة منها ولاءاتها لهذا العالم القديم, المرتكز على الجدية والاهتمامات الاخلاقية. وهو الى جانب ذلك يصور حياة الطبقة العليا من المجتمع الانجليزي في سنة 1930 على وجه التحديد كمفارقة تاريخية تراجيدية تحمل افراد هذه الطبقة على الانغماس في اللهو والاحتفالات والظهور بالازياء الراقية في حفلات العشاء, بينما العالم من حولها يغرق في الاضطراب والتشوش ويسير نحو حافة الهاوية. ونستطيع القول الان وبعد اتمامه لخمس روايات بأن المكان الذي يجوز لنا ان نسميه (اشيجوريا) بات يتباهى ببنائه الفريد الذي يجمع ما بين خيوط الذاكرة الحساسة والحلم المتناسق الخطر واحلال اشياء محل اخرى. اما مشروع اشيجورا الروائي المقبل كما يصفه منذ الان فسيكون قادرا على الانطلاق من الفترة الزمنية ذاتها, حيث يسلط الضوء على شخصية اخرى تنتمي الى مرحلة الثلاثينيات الكريهة في تاريخ اوروبا. وهي شخصية كاتب الاغاني الذي ينتهي به المطاف في امريكا (المشروع الذكي في عصره الذهبي) . غير ان الشيء الوحيد الذي يفسر اندفاعه وراء هذه النوعية من الموضوعات التي يظل ابطالها اسرى, حائرين, مفصولين عن ماضيهم ربما يكون هو البحث عن الهوية. ولعل افضل ما يجده القارئ لدى اشيجورا في هذه الرواية سيكون قدرته الفائقة على التحدي وعلى اختراق حدود الواقع باتجاه هذا التوسع المكاني والشكلي. وكما يزود ابطاله بالقدرة على تعدي الحدود العادية للمكان الذي يوجدون فيه فجأة كمهاجرين وغرباء للخروج من الاطار الواقعي التقليدي الى ما يمكن ان نطلق عليه العودة اليها. وبالنسبة له فإن الواقعية كما يصورها هي الواقع الخارجي الظاهر للاشياء مضافا اليه الحوارات او المونولوج الداخلي لها. ومع ذلك فإن ما يوصله لنا اشيجورا يظل هو هذه الفوضى التي لا سبيل الى الخلاص منها, من الذاكرة والخيال والحلم التوليفة التي تأخذنا الى متاهات الحقيقة التي تحولها الى واقعية سهلة لم نكن ننتظر ولادتها. أعمال للمؤلف بالعودة الى ما نشره اشيجورا سابقا وهو خمسة اعمال روائية سيلاحظ القارئ انها تتمحور حول اماكن واحدة تقريبا هي مدينة نجازاكي وشنغهاي. كما انها تقع كلها في اثناء ما كان يعاني منه العالم من الحروب والازمات السياسية. وهي اعمال ابداعية تحترم قدرة ابطالها على استعادة اوضاعهم الطبيعية وعلى التكيف. ومع ذلك فإن احساسا عميقا بالالم يساور القارئ لدى التوقف عند اشياء مثل معاناة هؤلاء الناجمة عن محاولة استئصالهم من الجذور. ففي رواية (بقايا النهار) سنة 1989 يبدو المؤلف وكأنه لم يتحمل اي عناء جراء موضوعه البسيط الذي يتناول قصة ساق يعمل في احد المطاعم يقرر الذهاب الى مكان اخر كان قد تركه منذ 30 عاما. ومع ذلك يظهر اشيجورا عبقرية مميزة من خلال اقحام بطله (ستيفنز) في عملية تذكر حياته الماضية وهو يجول في المكان الذي عاش فيه مرتين قبل وبعد الحرب العالمية الثانية ليسأل نفسه عن اهميته في مجتمع ما بعد الحرب. والى اي مدى يمكن للمرء ان يحافظ على مبادئه الاخلاقية السابقة. وفي رواية (فنان من عالم عائم) الحائزة على جائزة (وايتبرد) سنة 1986 يمنحنا الكاتب الفرصة لكي نعيش مع فنان يوهيمي ينتهي به العمر بعيدا ليعيش على ذكريات الحرب المدمرة التي عصفت ببلاده اليابان. ولنعود معه ونتساءل ما الذي بقي (لأونو) ؟. وفي (مشهد التلال الشاحبة) يعيش القارئ مع امرأة يابانية هي (اتسوكو) التي تعاني من الوحدة بعد انتحار ابنتها فلا تجد بدا من الهروب الى عالم الذكريات ليختلط الحاضر بالماضي وتعج الذاكرة بحكايات ومشاهد استثنائية عاشتها في اليابان ساعة اندلاع الحرب. روائي من طراز خاص بعد فوزه بجائزة البوكر البريطانية للادب عن رواية (بقايا النهار) سنة ,1989 اعاد كازو اشيجورا اكتشاف نفسه كروائي من طراز خاص او كما يجمع النقاد روائي ينتمي الى مرحلة ما بعد الحداثة. اما روايته الشهيرة (بلا عزاء) سنة 1995 فقد مكنته من اثارة الاخرين خاصة حول ما يتعلق بواقعيتها تلك الواقعية الشبيهة بواقعية اعمال الكاتب الشهير (كافكا) او حتى عمل بسيط مثل اليس في بلاد العجائب. وكما يرى الكثيرون فإنه لايزال امام اشيجورا المزيد من الوقت الممكن لعمل شيء كالابداع الحقيقي وهو بعد في الخامسة والاربعين وهذا رأي يشترك فيه كل من اتيحت له الفرصة لكي يطلع على روايته الاخيرة التي يمكن من خلالها ايضا مقارنته بغيره من الكتاب ذوي المستوى المتميز, ومنهم على سبيل المثال (فوكنر وليام) الذي وصل الى قمة مجده الروائي وهو لايزال في الثلاثينيات و(جيمس) الذي حققت له اعمال متفردة مثل (بوليس) الشهيرة في الاربعينيات و(ليو تولستوي) الذي وضع رائعته الشهيرة الحرب والسلام وهو في سن الحادية والاربعين. حقائق عن كازو اشيجورا ولد كازو اشيجورا في اليابان في مدينة نجازاكي سنة 1954 ثم هاجر مع اسرته الى بريطانيا عام 1960 حين عمل والده المختص في علوم المحيطات في بحر الشمال. حصل على شهادته الجامعية في اللغة الانجليزية والفلسفة من جامعة كنت. وعمل في مجال الخدمة الاجتماعية. حصل على شهادة الماجستير في الكتابة الابداعية من جامعة ايست انجليا البريطانية. أصدر اول اعماله الروائية (مشهد التلال الشاحبة) سنة 1982. اما روايته الثانية (فنان من عالم عائم) , الحائزة على جائزة (وايتبرد) كأفضل عمل ادبي سنوي فقد صدرت سنة 1986. بينما فازت رواية (بقايا النهار) بجائزة البوكر الادبية البريطانية لسنة ,1989 كما عرضت سنة 1993 في واحد من اهم اعمال المخرج (جيمس ايفوري) . حصل اشيجورا على العديد من الاوسمة ومنها الوسام الذي منحته اياه الحكومة الفرنسية سنة 1998 (وسام برتبة فارس في الفنون والآداب) .