عندما لم يعجب المهندس المعماري حسن فتحي لقب فرانك لويد ـ (رايت مصر) بعد حصوله على جائزة (رايت لايف هود) سنة ,1980 هل كان لديه المبرر الكافي لهذا الاعتراض؟ يقول المعماري الفرنسي المعاصر (لو كوربوازيه) اريد ان اخلق مكانا للصمت والسلام والمتعة الداخلية. ويضيف المعماري المصري حسن فتحي الى مقولة لوكوربوازيه هاتين الكلمتين فقط (الذي يصرخ) . بالنسبة للذين يعرفون تلك التصميمات التي خلفها (رايت) تبدو المقارنة غاية في السهولة, فالمباني التي قام بتصميمها تتقاطع بشكل قياسي مع معطيات البيئة التي تخرج منها ـ مشاهد ممتدة, رحبة من الاسمنت والصلب تغوص في الافق ـ في الوقت الذي يختار فيه حسن فتحي اشياء مثل المواد والتقنيات الاساسية. مواد طبيعية مثل القرميد والقش والطين والقباب واشياء كالحدائق والحارات والاضاءة الطبيعية ثم التقدير الحقيقي لفنون العمارة العربية القديمة تأسست عليها مدرسة حسن فتحي لفن العمارة المعروفة باسم هندسة الطين. يقول الفنان حسن فتحي (ما اراه صراحة هو ان فن العمارة يشبه قوقعة الحلزون, الجزء الناعم اللين منهما يفرز الكالسيوم والكربونات, فيما تعطيه العوامل الطبيعية شكلا مميزا ناتجا عن الحركة والتوتر الخارجي) . ومع ان التشابه قد يمتد لتصبح المقارنة بين حسن فتحي واخرين مثل جاستون باشلار ممكنة من خلال مقولته هذه ومقولة اخرى مشابهة لباشلار يتحدث فيها عن جماليات المكان. الا ان مفهوم المكان لدى حسن فتحي يأخذ شكلا اكثر انسيابية لارتباطه بالطبيعة بشكل اكثر مباشرة. وما يعنيه حسن فتحي هنا هو الحساسية الموسيقية للمكان, وهو من الموضوعات المهمة لديه, فعندما يتحدث عن جمالية المكان ترتسم في ذهنه صور مدن اكثر اشارة الى نظريته الخاصة بالشاعرية, مدن مثل البندقية وفاس واصفهان وصور, الفضاءات الواقعة بين الجدران وليس الجدران ذاتها. يعتبر فتحي واحدا من اشهر معماريي القرن العشرين المعروفين على المستوى العالمي, واضافة الى العديد من المؤلفات التي اصدرها باللغتين العربية والانجليزية الخاصة بفلسفته المعروفة بـ (العمارة من اجل الفقراء) فإن جزءا كبيرا من اهتمامه في مجال الهندسة المعمارية كان يتركز على احياء تقاليد العمارة العربية الاصيلة. بعد الاحتفال بمئوية حسن فتحي تقيم الجامعة الامريكية في القاهرة معرضا لرسوماته الهندسية وتصميماته ونماذج من اعماله الكتابية ومعظمها مكتوب باللغة الانجليزية ومن هذه الاعمال (العمارة من اجل الفقراء) و(الطاقة الطبيعية وفن العمارة الشعبي) و(البيت العربي في المناطق الحضرية الماضي والحاضر والمستقبل) و(النمو الاقتصادي ومشكلات التشغيل في فينزويلا نموذج تحليلي لاقتصاد يعتمد على التبرول) . قصة (القرنة) تقع قرية القرنة الجديدة بالقرب من الاقصر في صعيد مصر وكان مشروع اعادة اعمارها قد بدأ بين عامي 1946 ـ 1953 عندما تبينت لفتحي عدم جدوى الجهود التي تقوم بها الحكومة المصرية الهادفة الى احلال المباني الاسمنتية الحديثة محل البيوت التقليدية الطينية في القرى البعيدة عن المدن الكبرى. وبغض النظر عن التكاليف الباهظة للعمارة الاوروبية كانت نظرية فتحي قد تأسست على الفكرة القائلة بأن المباني الاوروبية الحديثة لا تستطيع الصمود امام عوامل اخرى من بينها الاختلاف الحضاري الثقافي بين منطقة الشرق الاوسط واوروبا. وكان فتحي قد حصل على الترخيص بالبناء بتكلفة اقل للعمل في المشروع الذي توقعت الحكومة المصرية على اثره ان تنتقل القرية من موقعها الحالي فوق مجموعة من القبور الفرعونية الى موقع اخر تبنى عليه مساكن مناسبة للأوضاع المادية للسكان القرويين. وجزء من الهدف الذي سعى فتحي الى تحقيقه لم يكن يتعلق بقدرته على تشييد المباني الرخيصة التكلفة بالمقارنة بالمباني الاوروبية الحديثة بقدر ما كان يتصل باهتمامه بوضع الحلول المناسبة للمشكلات الاجتماعية الانسانية الاكثر تأثيرا في حياة الناس العاديين والتي كانت تتطلب مساهمتهم في الجهود الرامية الى القضاء عليها حتى من خلال القيام بعمليات البناء بأنفسهم. وخلال السنوات التي امضاها فتحي في الموقع الجديد لقرية القرنة كان قد تمكن من تدريب الاهالي على اساليب العمارة النوبية المتميزة بالبساطة والعملية والقرب من عناصر الطبيعة. وهي تصاميم كانت تركز كثيرا على تحديد مواقع الغرف الداخلية طبقا لاتجاهات الشمس في كل فصل من الفصول الاربعة الامر الذي يتيح للمقيمين فيها فرصة الاستمتاع باجواء مختلفة مناسبة. اما المواد الاساسية المكونة لتلك المباني فكانت لا تزيد على الطوب اللبني المجفف في الشمس والقش, الى جانب القباب التي تعلوها والافنية التي تسمح لسكانها برؤية السماء, وكانت فكرة الآبار الجماعية من المقومات الاساسية للحياة في تلك القرى الطينية المبتكرة. مشكلة البيروقراطية ورغم ملاءمة تلك التصاميم للظروف المناخية والاجتماعية للمنطقة ورغم كل ما كانت تنطوي عليه الفلسفات الخاصة بالفقراء من مبادئ انسانية الا ان فكرة احياء فن العمارة التقليدية العربية القديمة لم تلق الترحيب الذي توقعه لها حسن فتحي. وايا كانت الاسباب الكامنة وراء ذلك الفشل الذي لحق بتجربة فتحي المعمارية فإن توقف مشروع قرية القرنة لا يمكن ان يعزى لاسباب غير منطقية كعدم فاعليته مثلا في الوقت الذي لم تستطع فيه فلسفته الخاصة مواجهة قوى البيروقراطية القصيرة النظر او حتى الفقراء الذين لم يتمكنوا من استيعابها. وعموما فإن اهم تلك المآثر التي ظلت خالدة بعد موت حسن فتحي هي المتصلة ببحثه عن التوازن الحقيقي بين فنون العمارة الحديثة وظروف التنمية. سيرة حسن فتحي ولد المهندس المعماري حسن فتحي في الاسكندرية لاسرة من ملاك الاراضي سنة ,1900 بدأ بتنفيذ فكرة العمارة من اجل الفقراء او مشروع (قرية القرنة) بالقرب من الاقصر سنة ,1945 وكتب عن هذا المشروع في مذكراته سنة ,1969 غادر للعمل في مؤسسة كونستانتين دوكسياديس في اثينا سنة 1957 بعد فشل المشروع. واتيحت له فرصة اكمال فكرة القرية التي تسعى الى مرج العناصر الجمالية مع البيئة, عاد الى مصر بعد 6 سنوات ولكنه لم يوفق في مشروعه الهادف الى احياء تقاليد البناء العربية في مواجهة موجة هندسة البناء على الطراز الحديث, جذبت افكاره انتباه العالم في نهاية الستينيات وبدأت هيئة الامم المتحدة في الاهتمام بنشر مؤلفاته وعرض اعماله امام الجمهور, من اهم مشروعاته العالمية مشروع (دار الاسلام) في ابيكيو في ولاية نيومكسيكو الامريكية. حصل حسن فتحي على العديد من الجوائز ومنها جائزة (الآغاخان) الدولية في عام 1980. وجائزة (رايت لايف هود) في نفس العام, من اشهر تصاميمه الأقبية والقباب والافاريز النوبية التي اصبحت شعار المنتجعات السياحية المكيفة في الشرق الاوسط, وتوفي حسن فتحي سنة 1989. النوافذ تعزز فكرة الشعور بالتواصل مع العالم الخارجي. غير ان ارتفاعها الشديد عن الارض يسهم في زيادة الشعور بالعزلة والتوقف. الأروقة تساعد على خلق فراغات تشيع بالمزيد من الغموض الواقع بين الخصوصية والعمومية. وتسبغ على المكان اجواء من الحميمية. القباب تصميم الارضيات والاسقف على شكل قباب بيضاوية تتراوح اطوالها بين 12 ـ 13 شبرا يمكن الاستفادة منه في بناء القباب في اشكال هندسية تجعلها ملائمة لكل اشكال الغرف بعد وضع الجدران والاعمدة في اماكنها الصحيحة. الابواب للتغلب على الاحساس بالخروج المفاجئ الى العالم الخارجي نتيجة انزلاق الابواب مباشرة من الجدران, فإن ما يحتاجه الناس هو الفراغ الغامض الموجود بين الداخل والخارج, والذي يشعر بالانتقال بين الاثنين وبالحركة الناشئة عن فتح الابواب. الزخارف والزيتية الزخارف والزينة (الديكور) مولودة اصلا من الاحساس الطبيعي بالسعادة. وتسهم فنون الزخرفة العربية في جذب الانتباه للاجواء الروحانية الداخلية, حتى انها تعيد بناء الواقع.