هل نستطيع اعتزال الثقافة والحضور, وهل نقدر على محو الأمس حين نرغب حقاً بغد اخر؟ ان تاريخنا الشخصي كجزء من فرديتنا ومسيرتنا مع الجماعة هوبصمة مشابهة تماماً لبصمات الأصابع التي تمايزنا عن كل كائن اي كائن بشري ولا تتوفر لنا فرصة تغييرها على اساس انها خارطتنا المرسومة فينا مع العمر. يحدث ان تنسى الأيام وننسى نحن ايضا في خضم مفاصل الاحداث التي تتزاحم علينا وتزاحمنا مع الجري المتواصل لحاقا بقطار الحياة شيئا من الملامح او نشاء منها ذلك, فنظن اننا قابلين للغرق في لجة النسيان الجماعي. وبين القدرة وعدمها, تبزغ الذاكرة كآلية حيوية تعيد انجازات الماضي وسقطاته وعثراته امام الأعين, وتمنينا لو نحاور جانبا من هذه الذاكرة لدى الشيخ احمد بن محمد القاسمي سعيا لإزالة الغبار عن مرحلة مضت واعادة احياء بعض الوجوه التي غابت عن صفحات الجرائد, الا انه ابى الا ان يستمر في نسج شرنقته مقصياً نفسه عن الصورة التي حاكها على امتداد ما يقارب عقد من الزمن. يعتبر الشيخ أحمد مؤسس دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة التي احتفلت بمرور تسع عشرة سنة على ظهورها في 30 ابريل الفائت, حيث شغل منصب الرئيس منذ التاريخ المذكور حتى اوائل التسعينيات بطاقته الشخصية تقول انه احد أبناء الشيخ محمد بن سلطان القاسمي الذي كان وزيرا للاشغال في دولة الامارات العربية المتحدة, أخوه سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي نائب حاكم الشارقة ولي العهد. له اربع اخوات بينهن الشيخة جواهر حرم صاحب السمو حاكم الشارقة الشيخة جميلة مدير عام مدينة الشارقة للخدمات الانسانية. اكمل تعليمه وحصل على اجازته في ادارة الاعمال من جامعات بريطانيا, وقد قفل عائدا الى الامارات عقب وفاة والده اذ عمل في الميدان التجاري وأدار اعمال العائلة قبل ان يتربع على رأس الدائرة التي اشهرت بمرسوم اميري حمل الرقم 20 في العام 1981. وفي اطلالة بسيطة على الوضع انذاك, لا ينكر المتابع ان البدايات حينها تزامنت مع شيوع اجواء ومناخات مشجعة ومحمسة على المستوى العربي والخليجي والاماراتي نتيجة الظروف المحيطة التي نمت فيها افكار ورؤى وتطلعات مازال الجميع يتحسر عليها. وكانت وزارة الاعلام والثقافة في أبوظبي تنهض بمهام ثقافية اتحادية ضخمة, في حين عاشت المنطقة في ازهى وأبهى فترات تفتحها وازدهارها سياسياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. وجاءت الدائرة لتتكامل مع المؤسسات الموجودة في الامارة في ظل الشعار الذي رفعه حاكمها (كفانا من ثورة الكونكريت ولنتحول الى بناء الانسان) . وليس بعيدا عن هذا الجو نشطت الحركة الاعلامية ووسائلها المكتوبة بالتحديد, فواكبت النهوض الثقافي عبر صفحاتها وملاحقها المشهود لها في تكفل أعباء الصحافة ببعديها الوطني والقومي, ونذكر (الخليج) و(البيان) و(الاتحاد) و(الفجر) . قبل ان يكون في موقع المسئولية, عرف عن الشيخ أحمد شخصية مثقفة وقارئة بامتياز ومتابعة للجديد والحديث, ولعل اهم ما يعلق في أذهان الذين عاصروه ميزة كونه قائد فريق ممتاز, هادئ ورصين, متقد الذكاء, له موقفه الثقافي الخاص الذي جعله يحمل هما حقيقياً قاده من الدرب التجاري الى آفاق رحبة من الحرص على فتح المجال لكل الرياح كي تهب على الفرد بشكل سوي ومتوازن. وكان الجانب الشخصي المع الجوانب لديه يتراءى للجميع في تواضعه الذي كسر الحواجز والعوائق التي تكثر عادة في التعامل مع ذوي القرار والمراكز لدى استفحال الشكل الهرمي للسلطة ويحسب للشيخ أحمد أنه أحضر كل الاسماء الكبيرة في الوطن العربي لتقول كلمتها, هي التي خرجت من عباءة تركيبة ثقافية او سياسية او اجتماعية جريئة ومخالفة وصاحبة رأي اخر. كان الشيخ احمد يؤمن بدور الجماعة في العمل الثقافي وساعد على نضوج ميله هذا حماسة العاملين معه والايمان الفعلي بالتطوع والقناعة بجدوى ما يمكنه تحقيقه والقيام به. وصادفت تلك الفترة طفرة قوية من الجمعيات ذات النفع العام, وكان لديه عمل تنفيذي في اطار الدائرة فأسهم في خلق مجتمع مدني متمثل في جمعيات واندية وعلائق ووشائج ربطت ما بين المؤسسات الثقافية. وعودة الى الوراء نقول ان الثمانينيات كانت البواكير بالنسبة لمشروع الشارقة الثقافي وظلت مسألة بناء الفرد هي الهاجس الاول, وكثرت التساؤلات حول المحلي والاتحادي الى ان اكدت سياسة الدائرة التكامل مع المشروع الاتحادي الاستراتيجي والذي تبدى من خلال البنى الاساسية للثقافة. وتضيف المعلومات الملموسة ان الشيخ احمد توصل الى تشكيل مؤسسة فعلية لها رؤيتها الخاصة ولا تعتمد على مزاجية واهواء الافراد, وبهذا يمكن ان نطلق عليها تجربة مؤسساتية, وربما مهد له في هذه الناحية توافقه الفكري مع صاحب السمو حاكم الشارقة حيث الاتجاه واحد والاهداف متقاطعة. لقد اشتغل بمنطق التأسيس وتوجه اكثر نحو سياسة المشاريع وليس المصادفات, ومن تركته التي تم الارتقاء بها والاضافة عليها والتجويد لأنها تخطت مراحل الجنينية, معرض الشارقة للكتاب الذي اكتسب منذ عامين مسماه الدولي يتحضر للدورة الثامنة عشرة في شهر نوفمبر المقبل, وايام الشارقة المسرحية التي تعد تظاهرة تستقطب حوالي 15 فرقة محلية تتنافس على عدة مستويات من النص الى الاخراج والتمثيل والديكور, ومهرجان ثقافة الطفل الذي وصل عدد دوراته المنعقدة الى 15 دورة, اضافة الى المواسم الثقافية والمهرجانات الوطنية والانفتاح على انحاء الوطن العربي من خلال المؤتمرات والتجمعات التي تخلق بنى ثقافية تتشكل تدريجيا عبر تفاعل المجتمع وتبنيه له. وفي فترة وجوده نشطت التوجهات لاحياء المباني القديمة والتراثية والترميم, وكل ما يساق في هذا الاطار لا يجوز اقصاؤه عن الحالة العامة حيث ان سنوات الثمانينيات كانت موائمة للتغيرات والسير نحو ما يتوفر في هذه الايام, ونذكر هنا ان دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة هي اقدم مؤسسة ثقافية حكومية في الامارات ولدت في الديوان الاميري ثم تحولت الى شقة في شارع البنوك قبل ان تستقل في مبنى ضخم يقع حاليا قرب دوار الكتاب, وقد تطورت حكاية العلاقات الثقافية مع الدوائر في مختلف الامارات فيما تكاسلت وزارة الثقافة والاعلام في اواخر الثمانينيات. وبعد ان ابتعد الشيخ احمد عن الدائرة, اصدر حاكم الشارقة مرسوما اميريا بتاريخ 27/4/1994 يقضي بانشاء مجلس الشارقة لتنمية الفنون والآداب في الامارة على ان يتسلمه الشيخ احمد, الا ان شيئا من ذلك لم يحصل, فلم ير المجلس النور بعد كل تلك السنوات رغم انه تضمن عشر مواد, كانت الغاية من ورائها اعطاء الجهات الثقافية استقلاليتها مع ضرورة التخطيط المركزي, وفيما طوى النسيان المجلس لم يولد عنه سوى المجلس الاعلى للطفولة الذي حمل على عاتقه ما يخص هذه الفئة العمرية بعدما كان يتولاها جهاز خاص في الدائرة تم تأسيسه في العام 1987. لقد كانت الدائرة اشبه بخلية نحل تتعامل مع الوسط الثقافي والاجتماعي من المحيط الى الخليج بفعالية وصلات قوية ومتينة. وكانت تدرس المشروعات جديا وبتمهل قبل المباشرة بها, حتى انها كانت تحدد الاولويات بناء على ثلاثة تقسيمات هي الفعاليات الكبرى والمتوسطة والصغرى. وقد اثر الشيخ احمد كثيرا على سمعة الدائرة التي احتفظت بسعة صدرها وانفتاحها, لكن الجذوة الثقافية استمرت مع خروجه ومحاولة الحاكم ايجاد بدلاء تتكامل بهم المسيرة, ونشير الى ان رئاسة هذه المؤسسة تعاقب عليها على التوالي الراحل الشيخ محمد بن خالد القاسمي والشيخ عصام بن صقر القاسمي الذي لايزال على رأس مهامه. لقد نأى الشيخ احمد القاسمي عن كل الضجة وهو متفرغ الان لأعماله الخاصة متزوج من سمو الشيخة عزة بنت محمد القاسمي وله منها خمسة اولاد. وان كنا قد خصيناه في هذه الزاوية بتحية, فعلى الدائرة ان تكرمه بما يفوق مجرد تحية ولعل الذكرى العشرون التي ستمر عليها في ابريل العام المقبل, تكون مناسبة لمثل هذه الخطوة, وفرصة جريئة للنظر الى الوراء والتقييم واعادة التقييم في وقت تترهل فيه انشطة اختلط كبيرها بوسطها بصغيرها فاختل ميزان المعايير, مع ان القبعة مازالت ترفع لهذه المؤسسة في فعاليات عديدة لم تصب بفيروس التكرار واللاتجديد وبيروقراطية الاداء. فهل يكون صمت الشيخ احمد نوعا من الاحباط على خلفية المشهد الذي شاءه مغايرا, ام تعب من صعوبات البداية, ام مجرد راحة وابتعاد عن اجواء ما عاد ينشدّ لها؟ ربما تكون مزيجا من كل ذلك او رغبة في الهدوء والسلام فقط. وتبقى الاسئلة مفتوحة. رندة العزير