بقلم: عائشة سلطان في احد فصول التربية وعلم النفس وقف استاذ جامعي امريكي يوزع أوراق الامتحانات التي انتهى من تصحيحها على طلبته, ولقد توقف كثيرا عند ورقة احد طالباته, مدونا عليها ملاحظات على طريقة: انت رائعة ومتميزة وتتمتعين بعقلية وحياة موفقة! بعدها بأسبوع جاءه احد الطلاب وهو في غرفته الخاصة بالجامعة حاملا له نبأ وفاة تلك الطالبة منتحرة! لقد اوقفت تلك الفتاة سيارتها الانيقة على أعلى قمة صخرية في المدينة تاركة بداخلها رسالة وداع لوالديها ملقية نفسها من أعلى القمة! ولا احد يعرف السبب, حتى والديها تفاجآ بانتحارها. عاد الاستاذ التربوي الى نفسه متسائلا: في الحقيقة لست سوى استاذ فاشل! فكيف ادعي انها رائعة وتتمتع بحياة موفقة, بينما انا لا اعرف عنها اي شيء. وشيئا فشيئا اكتشف هذا الاستاذ نظرية سلوكية حولها الى فصل دراسي اسماه (فصل الحب) ! ووسط استهجان زملائه وبعض الطلبة صمم الاستاذ على اكمال تجربته التي بناها وفق حادث انتحار طالبته المتفوقة, التي تأكد له ان احدا من والديها او اصدقائها او حتى هو الاستاذ الضليع في التربية لم يكونوا جميعا يحبونها بشكل حقيقي. (فصل الحب) او (ثقافة الحب) التي تحدث عنها هذا الاستاذ في كتاب ألفه فيما بعد واسماه (الحب) تختصر أزمة المجتمع الانساني الحديث القائم على علاقات فردية وجماعية لا تغوص في اعماق آخر ابدا وتكتفي بالحكم عليه من خلال ثيابه وسيارته وماركة نظارته واحيانا حذائه. اما هو كعالم او بناء نفسي اخلاقي فلا احد يعلم عنه شيئا, بمعنى آخر ان حبا بدرجة ما لا يحمله احد للآخر في مجتمعات اليوم اللاهثة خلف سراب المصالح والذاتية والماديات. في احد هذه الفصول سأل الاستاذ طلابه: اي شيء تفكرون فيه اولا اذا شب حريق في الشقة التي تعيشون فيها؟ وان احدا من الطلاب لم يذكر شيئا عن جيرانه او اهله او اصدقائه, كل واحد منهم فكر في انقاذ او اصطحاب (شيء ما) يعنيه او يهمه كالكلب مثلا, او مجموعة الطوابع او اللوحة القيمة التي اشتراها بثمن كبير, او معدات لعبة الجولف او اشياء مشابهة. وانتبه الاستاذ الى ان الحب كاحساس وعاطفة وسلوك تجاه الاخر ـ اهتماما ورعاية وتفكيرا ـ غير موجود عند الاجيال الامريكية التي تربت على ان تفكر في نفسها فقط. بعد هذا (الفصل) انهى الاستاذ تعاملاته المادية جميعها واغلق حسابه في البنك وباع سيارته وشقته واخذ اجازة من عمله لمدة عامين, وسافر الى تايلاند وبورما والصين وتنقل بين حضارات الشرق جميعها, ليكتشف هذا التماس الانساني الرائع بين الانسان واخيه الانسان واحتياجه اليه وبقائه معه على قطعة الواح طافية على النهر لمدة ستة اشهر احيانا!! ذلك يحدث في مناطق الغابات والانهار في مواسم الفيضانات, حيث تتجمع اكثر من عائلة وتتصالح في اتفاق تلقائي على العيش سوية وكأنهم عائلة واحدة يتقاسمون كل وظائف العائلة. لماذا يتعامل الناس في هذه الحضارات بهذه الطريقة عند حدوث الازمة ونتعامل نحن بطريقة الهروب مع الكلب ودفتر الطوابع؟ هكذا تساءل الاستاذ الامريكي الجامعي وهو يتنقل بين تلك الحضارات ويكتشف جمالية الحس الانساني المتمثلة في اقتراب الانسان من الانسان حبا واحتياجا فيما اسماه فيما بعد بـ (ثقافة الحب) .