فَمَنْ أَنْبَاكَ أنَّ أَبَاكَ ذِيْبُ كان الأمر مجرد فكرة مطروحة للنظر والدراسة وبحث إمكانية تنفيذها, ولم تكن النية قد استقرت بعد على إقامة الملتقى العالمي الاول للكاريكاتير, ومع ذلك فقد كنت أتحرق شوقاً لليوم الذي سينتظم فيه عقد لوحاته, وللساعة التي سترصع رسوماته فيها جدران القاعة التي سيقام بها, وعندما تجسدت الفكرة على ارض الواقع في شهر مارس الماضي كانت سعادتي بذلك لا حدود لها, ليس لموهبة خارقة أتمتع بها في هذا المجال, فأنا أقر وأعترف بأن حدود موهبتي في الرسم منذ عهد الدراسة الابتدائية الاولى لا تتعدى رأس بطة لم تفلح كل محاولات مدرسي التربية الفنية وجهودهم في تعليمي كيفية تجاوز منطقة الرقبة منها, ورغم كل ما بذلت من جهد ومحاولات لتطوير هذه الموهبة وصقلها إلا أن محاولاتي ذهبت ادراج الرياح فلم أتقدم خطوة واحدة في هذا الميدان ورضيت من الغنيمة بالفرجة. في يوم الافتتاح انطلقت في أرجاء المعرض أبحث عن ضالتي, ولم تكن ضالتي هذه سوى شخصية شهيرة من تلك الشخصيات التي لا تغادر الذاكرة.. نجدها حاضرة كلما ألفينا أنفسنا في موقف من المواقف أو أمام شخصية من الحياة لها سمات تلك الشخصية وصفاتها, غير أن فنان الكاريكاتير الشهير مصطفى حسين ـ سامحه الله ـ حرمني رؤية تلك الشخصية التي أبحث عنها, فخلت رسوماته التي شارك بها في المعرض من لوحة لـ (قاسم السمّاوي) . هل تعرفون (قاسم السمّاوي) ؟ إنه تلك الشخصية المستفزة الظريفة التي اخترعها الفنان مصطفى حسين والكاتب الصحفي أحمد رجب ليجعلا منها نموذجاً صارخاً للإنسان الحسود الحقود الذي كلما رأى شيئاً في يد غيره ردد عبارته الشهيرة (جتنا نيلة في حظنا الهباب) لا فرق إنْ كان هذا الشيء نعمة يتمتع بها أو نازلة حلت به, فكل ما يعنيه من الأمر أنه محروم من هذه النعمة أو النقمة بينما غيره يتمتع بها أو يعاني منها, وهكذا أصبح قاسم السمّاوي نموذجاً للحقد والحسد, وأصبحت عبارته الشهيرة تتردد على كل لسان للتندر, وربما رددها البعض دون أن يعرف من هو قائلها. وهكذا خرجت من المعرض وأنا أحدث نفسي قائلاً: (جتنا نيلة في حظنا الهباب.. فقد رأينا مصطفى حسين شخصياً ومعه أشهر رسامي الكاريكاتير العرب والأجانب, وحُرِمنا رؤية قاسم السمّاوي في ملابسه البالية وأسماله, تحيط به أسرته المكونة من زوجة بادية الاشمئزاز, وكومة عيال ذوي أشكال منفرة ومناظر مقرفة توارثوا الحقد والحسد من أبيهم الذي أصبح رمزاً لهم) وضربت كفاً بكف وأنا أردد: (الدنيا حظوظ) . هذه الحظوظ التي قسمها الله بين البشر لحكمة هو أعلم بها, فنال البعض منها الكثير وكان نصيب البعض منها قليلاً, أصبحت محل اعتراض فئة من الناس ومحط نظرتهم الضيقة, وذلك ما ولد ضغينة الحقد والحسد في نفوس هذه الفئة حتى غدت عيونها لا ترى سوى ما في أيدي غيرها, ولو أن افراد هذه الفئة نظروا إلى ما وهبهم الله من نعم وحرم منها غيرهم لأدركوا عظم الخطأ الذي يرتكبون, وحجم ما يضيعون من وقت فيما لا طائل من ورائه سوى الحسرة التي تملأ نفوسهم والحقد الذي يملأ قلوبهم, وما مردود ذلك عليهم سوى هدر لسنوات العمر وتضييع لفرص الحياة التي لا يغتنمها ويستمتع بها سوى اولئك الذين ينظرون أمامهم ولا يتلفتون للوراء أو يلتفتون حولهم كي يحصوا أنفاس الذين يبحرون معهم في زورق الحياة, ففي هذا الكون متسع للجميع, وعلى هذه الارض مساحات لا تبلغ مداها الاقدام, غير ان الذين لا تتجاوز أنظارهم مواقع اقدامهم تتراءى لهم اثقال وهمية تكبل منهم الاقدام وتمنعها من الحركة والتقدم للامام, هذه الاثقال التي لا وجود لها سوى في مخيلاتهم المريضة تصبح بعد حين حجة للعاجزين والفاشلين في امتحان الحياة, إليها يرجعون قصور هممهم وبها يلصقون اسباب فشلهم وانتكاساتهم. انظر إلى قافلة الناجحين من حولك, وامنح طرف عينك اولئك الذين يقذفونهم بالحجارة دون أن يحاولوا مجاراتهم أو اللحاق بعربتهم لتلمس البون الشاسع بين علوّ الهمة وقصورها ورفعة النفس ودناءتها, وها هي الحياة تعج بنماذج كثيرة إذا اردنا ان نستحضر بعضاً منها, فإذا ما نبغ عالم ـ على سبيل المثال ـ في فرع من فروع العلوم فنال تقديراً داخل بلده أو خارجه انبرت اقلام وتعالت اصوات تقلل من إنجاز هذا العالم وتشكك في ذلك الانجاز وفي أحقيته للتكريم, ثم تجهد نفسها في البحث عن اسباب مقنعة وغير مقنعة ـ لا فرق عندها ـ لتعزو إليها هذا التكريم والتقدير ليس بينها بالطبع كفاءة هذا العالم أو جدارته واستحقاقه, وعلى ذلك قس إذا ما تم تكريم شاعر أو اديب أو فنان أو مبدع في أي مجال من مجالات الحياة, كأنما القاعدة لا تقوى على حمل ذوي الابداع جميعاً أو كأنما الساحة لا تتسع لهم, وتلك ـ لعمري ـ واحدة من المحن التي ابتلى الله بها أمتنا فأعاقت تقدمها وغدت سبباً من أسباب تأخرها. ضرب آخر من ضروب الحقد والحسد الممزوجين بانعدام الوفاء وقلّة الأصل يطل على المشهد من خلال مواقف لاشك أن كثيراً منا قد مرت به نماذج منها, اولئك هم الذين تسدي إليهم معروفاً في يوم من الأيام أو تأخذ بأيديهم لموقع من المواقع أو منصب من المناصب حتى إذا دار الزمان دورته وارتقوا في ذلك الموقع درجات كان الغدر ونكران الجميل خير جزاء لليد التي امتدت لهم ذات يوم فأحسنت اليهم وساعدتهم على الارتقاء والصعود ليقابلوا ذلك بطعنات في الظهر موجعة تصل نصالها إلى مناطق الحس والشعور أكثر مما تنال من اللحم والعظم, وفي مثل هؤلاء قالت العرب أمثالاً أقربها إلى الذاكرة (اتق شر من أحسنت إليه) وفيهم قال شاعرنا العربي: أُعَلِّمُهُ الرِّمايةَ كلَّ يومٍ فلمّا اشْتدَّ ساعدُهُ رماني وكمْ علَّمتُهُ نَظْمَ القوافي فلمَّا قال قافيةً هجاني فهل تراه هرباً من حسد الحساد وحقد الحاقدين أن قام المركز الثقافي العربي مؤخراً بتنظيم مهرجان دولي في مدينة زيورخ السويسرية عن دور أبي الطيب المتنبي في الشعر العربي شارك فيه ممثلون من فرنسا والمانيا وايطاليا وغابت عنه زمرة الحساد والحاقدين؟ إن كان الأمر كذلك فحريّ بنا أن نستحضر في هذه المناسبة بيتين من أروع ما قال شاعرنا المحتفى به هما: إذا أنْتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ وإنْ أنْتَ أكرمتَ اللئيمَ تمردا وَوَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيفِ بالعُلا مُضِرٌّ كوضعِ السَّيفِ في مَوْضِعِ النّدى ولا يمكننا أن نغادر هذا الموضوع دون أن نستذكر قصة ذلك الراعي العربي الذي عثر ذات يوم على ذئبة تحتضر وبجانبها وليدها الذي وضعته قبل لحظات فما كان منه إلاّ أن أخذ ذلك الذئب الوليد وتعهده بالرعاية وأرضعه من لبن أغنامه فتربى بينها حتى كبر واشتد عوده, فعهد إليه الراعي بحراسة الغنم وحمايتها من غارات الذئاب والسباع ليصحو ذات يوم على غنمه وقد أكلها الذئب الذي ائتمنه عليها بعد أن تحركت في عروقه دماء الغدر فأعادته إلى أصله, أما صاحبنا الراعي فقد أطلق بيته الشهير الذي ذهب حكمة: أكَلْتَ شُوَيْهتي وفَجَعْتَ قلبي فَمَنْ أنباكَ أنَّ أباكَ ذِيْبُ؟ تُرَى.. كم على الوجوه من أقنعة لم تتمزق بعد؟ وكم على القلوب من أغشية لم تنكشف بعد؟ تكسرت النِّصال على النِّصال ولم تزل قامات شامخة, أما سهام الغدر فقد ارتدت في نحور أصحابها, ولم تسطع في السماء سوى شمس الحق التي لم يستطع المرجفون أن يحجبوا نورها بأيديهم فأغمضوا عيونهم دونها واحتجبوا داخل جحورهم التي أتوا منها.