للدكتور مرزوق بن ضيتان وهو استاذ ادب في احدى الجامعات السعودية رأي وجيه خلاصته اننا نخطئ الفهم للآية القائلة (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) اذا فهمنا ان في ذلك وعد من الخالق بحفظ اللغة العربية من الضياع فالآية لا تدل على ذلك بل تدل على وعد بحفظ القرآن، من تحريفه او الزيادة عليه او النقص منه ولا دليل على وعد بحفظ اللغة العربية ابدا, والقائلون بأن حفظ القرآن فيه حفظ للغة العربية باطلاق قد جانبهم الصواب في ذلك ويدلل الدكتور في كتابه (الفصحى ونظرية الفكر العامي) على ذلك ببلاد الاسلام غير العربية التي فتحها العرب المسلمون كالسند وفارس وبلاد العجم التي كانت لغتهم الرسمية بل كانت لغتهم هي العربية لاشك في ذلك في اوج انتصار المسلمين وانتشار الاسلام. ثم لما انتهى الحكم العربي لتلك الدول وعادت الى الحكم غير العربي عادت بلادا اعجمية لا تعرف من العربية الا اسمها الذي في القرآن فحفظ الخالق لها القرآن لكنه لم يحفظ لها اللغة العربية فصار اهل تلك الديار مسلمين بلسان اعجمي يحفظ اكثرهم القرآن عن ظهر قلب لكنهم لا يفهمون منه الا ما كتب لهم بلغاتهم من ترجمة تفاسيره. وهذه خلاصة رأي الدكتور مرزوق في كتابه وأزيد على ذلك بأن هذا الامر لا يوجد فقط في بلاد العجم بل هو ايضا في بلاد العرب التي مازالت تتحدث العربية ولكن بلسان عامي بعيد في معانيه وكثير من تراكيبه عن العربية الفصحى في الفاظها ومعانيها وتراكيبها حتى صار العربي الذي لم يتعلم الفصحى يقرأ القرآن كما يقرؤه الأعجمي لفظا ولا يدركه معنى لأنه بعد كل البعد عن الفصحى واساليبها وفي ذلك دليل على ان العربية بين السواد الاعظم من الامة العربية ضائعة لم يحفظها الخالق لهم, فما حفظ لهم الا القرآن من التحريف اما لغته فغابت شمسها عن كثير من الديار العربية وحلت محلها عاميات يضرب بعضها بعضا حتى انك في بلاد صغيرة كالامارات لا تفهم وانت ساكن غربها على عربي مثلك يسكن جبالها الشرقية وقد لا يفهمك هو لأنكما تتكلمان عاميتين لم يبق من عروبتهما الا الاحرف وبعض الالفاظ والمعاني التي لا تسمن ولا تغني عندك او عنده من جوع. فاذا كان الامر كذلك فما الحل في عودتنا الى لغتنا وهل نحن في حاجة الى ذلك؟. من قال غير ذلك فهو اما حاقد او جاهل, فالحاقد لا يريد عودتنا الى لغتنا اما لأنه غير عربي لا يريد لنا ولا لديننا نهضة ولا لغة, ولا دين بغير لغة عربية فصيحة ولا نهضة ولا عزة لنا بغير ديننا ولغتنا فالتخلي عن لغتنا تخل عن ديننا. والجاهل جاهل بقواعد الامور وسنن الحياة التي من مسلماتها ان الامم لابقاء لها ولا نهوض لها وهي منبّتة الاصل مقطوعة النسب بأرضها وتاريخها ولا تاريخ ولا اصل ولا ارض بغير لغة ولسان. ولكن ما الذي يكفل للأمة بقاء لسانها اي لغتها وبالتالي بقاءها أهو الرغبة والطموح الى مصاف الدول الكبرى في الصناعة ومتابعتها دون خصوصية ودون فكر بلغة مستقلة؟ هل يمكننا ان نكون امة متميزة حتى وان وصلنا الى قمة الصناعة ونحن نتحدث ونفكر بلغة غير لغتنا؟ لا اظن ذلك فإن الدول الصناعية الكبرى مثل المانيا اليابان فرنسا جيمعها تصنع ولكنها تصنع بيدها وتفكر بلغتها لا بلغة سواها فبرغم ان الانجليزية أضحت لغة الارقام والصناعة والتجارة العالمية الا ان الالمان واليابانيين في بلادهم يصنعون صناعة يابانية والمانية بمواصفات عالمية وهم يتكلمون وينظرون وينطقون بلغتهم, فليس المهم ان تتكلم الانجليزية لتكون صانعا وتاجرا عالميا المهم ان تملك التقنية الصناعية والتجارية وبعدها تكلم ان شئت بلغتك فاللغة هي الرمز الذي لو سقط من يدك لن تذكر مستقلا متميزا ولو ملكت صناعات العالم الغربي كلها. البعض يظن انك لن تكون عالميا ان لم تتخذ من اللغة الانجليزية لغة صناعة وتجارة وبغيرها لن تكون صانعا ولا تاجرا مبدعا والحقيقة غير ذلك فهؤلاء اليابانيون يتكلمون لغتهم يكتبونها ويقرؤونها وهي اللغة الغريبة العجيبة ولكنهم في مقدمة ركب الصناعة دون تخل عن لغتهم. اذن المشكلة ليست في اللغة بقدر ما هي مشكلة في رؤية مستقبلية ومنهج سليم يهدف الى الوصول الى القمة ولكن بخصوصية لغتك وثوابتك وأصولك. كتب: سالم الزمر