يكتبها اليوم: سعيد حمدان وناداها عن بعد: (يا طرفة أسرتيني) ! .. صرخ بها شاعر نجم قبل ما يقرب من ثلاثين عاما, ظل الصدى محفوظا في قلب الزمن, وظلت (طرفة) لحنا جميلا يعزفه الوتر, وأصوات المنشدين. كلهم يبكون طرفة.. كلهم ينشدون لطرفة. هل كانت مثل كل النساء, أم انها امرأة مختلفة من منظور أهل ذلك العصر؟ أكانت مجرد خيالات شاعر؟ لماذا صرح باسمها.. ماهي قصتها؟ لم تتكلم طرفة, ولم ينقل أحد على لسانها ان كانت غاضبة أو غير ذلك. وأبقى الشاعر ظلال الشك تحوم في أغلب مفردات القصيدة. هنا رواية أقرب إلى الواقع الحقيقي لحكاية طرفة: من عادة (العربان) في ذلك الدهر, أن تترك أبواب منازلها مشرعة. رمزية الأبواب المفتوحة تعبر عن قلوب أصحاب الدار فهي كذلك لا تعرف الاغلاق, تنتظر الضيف الآتي. كريمة هي الدار كقلوب أصحابها. بيوت الشعراء من المقاصد التي يقبل عليها الضيف, فالشاعر له مكانته, وصيته, والجميع يتقرب منه ويخاف منه, ومنزل سالم الجمري من تلك المنازل المشهودة, يرتادها الزوار في مرورهم بين المدينة والبادية, فالشاعر عروقه في البحر لكنها تمتد إلى الصحراء. في ضحى يوم, أقبل عليه ضيف, حملته الركايب من مناطق جبلية بعيدة, ولان الضيف يعرف انه سيكون في حضرة شاعر, حمل معه هدية مختلفة, لا يعرف مقدارها إلا من عنته. كانت الهدية عبارة عن قصائد شعرية مسجلة على (شريط) . شرب الضيف قهوته, وأخذ الشاعر (علومه). ودعه عندما قرر الرحيل. وعاد الجمري يطالع الهدية, سمع في الاسطوانة ما أثار خلجاته, صوت امرأة شجي, تصدح (بالشله) يشاركها رجل في الغناء. جاءه أثناء الاستماع وحي المعاناة, وحل عليه الشعر, فأرسل يردد: يا طرفة أسرتيني بألحانك ولعتيني شوقني صوت الرازم فوق أجروحي زدتيني وواصل يصف حاله: قلبي ذايب امبونه من ليعاته واشجونه يلعي فرقا مضنونه ليتك ما ذكرتيني ويقول مكملا: عذبني حب افوادي ما ياخذني بالجادي ياطرفة حالي غادي مالي حد يبكيني صاحبة الصوت كان اسمها (طرفة) أما الرجل الذي يشاركها (الشلة) فانه (الرازم) الذي قيل انه قد يكون زوجها او والدها. في اليوم الذي اكتملت فيه (طرفة) القصيدة, كان الفنان علي بو الروغة في ضيافة صديقه ورفيق دربه, الذي تعود ان يتواصل معه ويزوره في داره باستمرار. اخبره الجمري عن قصة القصيدة الجديدة واسمعه اياها, وتحمس لها الفنان بو الروغة, لحنها وأداها في ذات الجلسة التي سمع فيها القصيدة لأول مرة. بعدها سافر سالم الجمري الى الهند, وهناك وصله خبر شريط بو الروغة الجديد الذي يحمل قصيدة طرفة, شاعت القصيدة وانتشرت الاغنية. سأل الشاعر بعدها عن صاحبة الصوت, لكنه لم يستدل عليها, بعضهم ذكر انها تسكن احدى المناطق الجبلية, وتردد انها من منطقة ( خضيرا) تحديدا. هذه قصة طرفة كما ذكرها الاخ عيلان سالم الجمري الذي عايش والده, وسمع وحفظ عنه كثيرا من القصص والتفاصيل التي تختص بقصائد الشاعر والشعراء الذين تواصل معهم الجمري. الفنان عبدالمنعم العامري بادائه الرائع للاغنية حقق لها انتشارا فضائيا, فوصلت طرفة الى مختلف بلدان هذا الوطن الكبير, واصبحت تغنى في كل مكان. والفنان العامري عتبنا الوحيد عليه انه اغفل اسم الجمري, ونسب القصيدة الى مجهول التراث, ورغم ذلك نذكر له فضل نجاح وانتشار طرفة في هذا العصر. جميل ان نعود لهذه الروائع, نقدمها من جديد لجيل اليوم, عله يتذكر جيل اولئك المبدعين.. ذلك الماضي الجميل.