جيتس وصديقي (الانسان لا ينزل النهر الواحد مرتين) مقولة شهيرة لأحد فلاسفة اليونان القدماء, وهي أفضل دليل على النسبية, فكل الأشياء نسبية, تحتمل الخطأ والصواب, وما هو فادح ومهول بالنسبة لشخص قد يكون تافها وبسيطا بالنسبة لشخص آخر. ما الذي يدعونا إلى هذا الكلام التنظيري؟ السبب ببساطة انني رأيت مجموعة من الصور لبيل جيتس صاحب شركة مايكروسوفت العملاقة في مجال الكمبيوتر وعلى وجهه ابتسامة عريضة, وتظهر عليه علامات الرضا والهدوء رغم انه كان قد خسر لتوه مبالغ قدّرها البعض في حدها الأدنى بعشرة مليارات دولار, وبتسعة وعشرين مليار دولار في حدها الأقصى, وذلك خلال الأزمة العاصفة التي ضربت مؤخرا سوق الأسهم والسندات في أمريكا وأوروبا والعالم خاصة في مجال شركات تكنولوجيا المعلومات والانترنت. في المقابل مازلت أذكر منظر أحد أصدقائي الذي صعد أتوبيس نقل عام في شوارع القاهرة, وعندما هبط منه متجها إلى مقر عمله اكتشف انه فقد كل ما يملكه, كان وجهه مكفهرا, واعصابه متوترة وقلبه يرتجف, ولا يعرف ماذا يفعل؟ سألته عما فقده, فقال لي: كارنيه العمل وتسعة جنيهات (أقل من ثلاثة دولارات) .. لم أندهش, وتعاطفت مع هذا الصديق لأسباب متعددة أهمها ان ما كان في جيبي وقتها أقل من (15 دولارا) وكان الوقت نهاية الشهر! جيتس المصنف الأغنى في كل العالم (ثروته تقدر بما يتراوح بين 80 ـ 100 مليار دولار) يبتسم وهو يخسر مبلغا يفوق ميزانية أكثر من خمس دول نامية, وصديقي الذي أصبح غنيا الآن بعد ان ابتسمت له الحياة يفقد توازنه لأنه فقد مبلغا لا يكفي ثمنا لوجبة فول وطعمية (فلافل) في المطاعم السياحية أو ساندويتش شاورمة من لحم لا يعلم مصدره إلا مفتش الصحة. من على حق؟ جيتس أم صديقي؟ الاثنان على حق, لأن الحقيقة والمشاعر وكافة القيم نسبية, وتتغير باختلاف الظروف والعادات والتقاليد وآلاف الأشياء المعقدة, التي لا يدركها للأسف كثيرون, ويصرون على وضع معايير نمطية وقوالب جامدة, لا تراعي هذه النسبية والمتغيرات. أمثال جيتس كثيرون, فإذا خسروا المليارات فإنهم يواجهون الموقف بأعصاب من حديد, لأنهم قادرون على تعويضها, أما أمثال صديقي فإن خسارة ما يعادل دولاراً واحداً قد تصبح نهاية العالم بالنسبة لهم بل نهايتهم شخصيا لأن تعويض الخسارة قد يكون مستحيلا. ولله في خلقه شئون. عماد الدين حسين